الخميس، 18 ديسمبر 2014

ما هو أخطر من تعليق المفاوضات مع قطاع الشمال!

لم يعد أمراً مستغرباً  أن تلتئم وتنفض جولات التفاوض المتطاول بين الحكومة السودانية وقطاع الشمال، ففي تلافيف هذا الدوران الحلزوني المطول تكمن طبيعة اللعبة ويمكن صميم العبث. وليس شيئاً غريباً أن تستمرئ الآلية الإفريقية الرفيعة برئاسة الرئيس أمبيكي هذا الحراك الدائري اللانهائي، ففي النهاية الأمر بالنسبة للآلية مجرد عمل وغير محكومة بدوام رسمي، أو سقف زمن أو حتى أطار عام واجب المراعاة.
ولكن الأمر المستغرب أن الوجهة التي يسوق إليها قطاع الشمال مجريات المفاوضات هي ذات الوجهة القديمة فى نيفاشا! هي ذات المطالب الملتوية غير المسنودة بمنطق سياسي متزن. فمنذ أن طرح عرمان مطلب الحكم الذاتي للمنطقتين -قبل أسابيع وخارج قاعة التفاوض- بدا واضحاً أن وراء الأكمة ما وراءها!
ولأن عرمان دائماً شديد العجلة ولديه إخلاص منقطع النظير لمن يوجهونه، فقد سارع بالكشف عن الهدف من عملية التفاوض فى الجولة الأخيرة التي انفضّت بإلغاء الشريعة الإسلامية فى المنطقتين وتفكيك الجيش والأمن وطرح الحكم الذاتي!
الأمر لا يحتاج إلى ثواني لإدراك ما وراء هذه المطالب الخارجة تماماً عن نطاق المفاوضات. عرمان يعيد تاريخ التفاوض مع جنوب السودان وكأنه يعيد تذكير الجميع بعبارته التي حرص على إرسالها لها عقب انفصال جنوب السودان فى العام 2011 فقد قال عرمان يومها أن على السودان أن يستعد لدفع استحقاقات الجنوبيين الجدد! وبالطبع لم يكن يقصد سوى المناطق المحاذية لدولة جنوب السودان والتي من بينها مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق وما جاورها.
وهاهو الآن ودون أن يطرف له جفن يعيد طرح مطالبته رسمياً على طاولة التفاوض. وبالطبع فإن عرمان يسعى لتنفيذ الخطط الإستراتيجية لدولة الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية والتي تقضي بتقسيم السودان على دويلات. فقد فرغ من فصل جنوب السودان وحال انتهاء مهمته تلك حذر الجميع بمهمته القادمة وهاهو الآن يفي بوعده!
إن من المؤكد أن مضيّ المفاوضات بين القطاع والحكومة السودانية بهذه الطريقة البائسة يفضي فى وقت ما إلى إعادة كتابة تاريخ المنطقتين بذات الحبر الذي تمت به كتابة نيفاشا ومصير دولة جنوب السودان. وربما بدا لعرمان أن الضغط على بلاده -وليس على الحكومة- بكل هذه الحدة وهذه الصفاقة وهي في منعطف تاريخي خطير كهذا أدعى لإرضاء أصدقائه الأمريكيين والإسرائيليين الذين من المؤكد لم يجدوا عميلاً مخلصاً شديد الوفاء فى أداء مهمته مثل عرمان.
لقد ارتضى عرمان بأن يكون عراباً لنقض وحدة بلاده، فإذا كان هذا الشاب على غير وعي حين مضى مع الحركة الشعبية حتى تسنى لهم فصل الجنوب، فإن من غير المتصور القول إن هذا الشاب الغريب الوجه واليد واللسان لا يعرف الآن أو لا يعي ما يلحقه من  أضرار ببلاده، فما يفعله الآن -عبر أطروحاته- هو بالطبع لا يمكن اعتباره (مجرد مناورة سياسة) إذ أن المناورات السياسية لا تمس صميم وحدة البلاد ولا تعبث بأمنها القومي.
إن كل الذين يدافعون عن عرمان أو يتحالفون معه من قادة القوى السياسة، إنما يرتكبون جريمة نكراء فى حق بلادهم ولن يفلتوا من حساب التاريخ الذي لا ينسى. ولا شك أن السودان ومنذ نيله لاستقلاله لم يعرف سياسياً مولعاً بتمزيق بلاده وبث الكراهية والشقاق بين بني وطنه دون أدنى خشية أو وجل مثله.
وعلى ذلك فإن مفاوضات أديس أبابا في الواقع باتت تشك خطورة سياسية وأمنية ماحقة، ومن الأفضل أن ترفض الحكومة السودانية المضي فيها ومواجهة مترتبات ذلك منذ الآن بدلاً من أن تخوضها ويكون الثمن أفدح وغير قابل للإسترداد!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق