‏إظهار الرسائل ذات التسميات تحليل سياسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تحليل سياسي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 28 أبريل 2019

المؤسسة العسكرية السودانية واقوى السياسية.. حقائق غائبة!

 من الخطأ بمكان ان تقف قوى الحرية والتغيير موقفاً محاذياً للجيش السوداني، موقف الند أو ربما الاخ الاكبر والاقوى. إذ يبدو واضحاً الآن من سياق التجاذبات والتوترات الناشبة بين الاطراف ان قوى الحرية والتغيير تشعر بأنها أكبر وزناً و اكثر قوة وان حقها فى السلطة حق (حصري) وأصيل لا ينازعها فيه حتى الجيش نفسه حامي البلاد ومالك مفتاح الدفاع عنها!
هذه المشاعر السياسية الجياشة فى صدر قوى الحرية والتغيير لا تعكس واقعاً موضوعياً، بل للاسف اوجدت اختلالاً فى موازين القوى من المؤكد انه ربما يتسببب مستقبلاً فى العديد من التنازعات غير الحميدة بين المكونات الاساسية والاستراتيجية للدولة.
من المؤكد ان الفارق شاسع للغاية بين الجيش و بين بقية القوى السياسية السودانية قاطبة وليس فقط وقوى الحرية و التغيير. فارق ومن فرط اتساعه تصعب مقاربته بسهولة، غير انه يكفي هنا ان نشير الى بعض جوانب هذا الفارق، فقط لاغراض هذه المقاربة ولايضاح خطل الاعتقاد القائم على اساس ان الثورة حق اصيل فقط للثوار.
أولاً، الجيش هو مؤسسة قومية سبقت الممارسة السياسية وهو نتاج عملية انصهار قومي و ثبات فى معادلة المكونات الوطنية، وهو بهذه الصفة يمكن اعتباره المؤسسة القومية الاولى فضلاً عن انه اكثر المؤسسات الوطنية تماسكاً و إيماناً بالانصهار القومي ووحدة الهدف والمصير.
مؤسسة بهذه المواصفات لا يجوز التشكيك فى نواياها، او التقليل من جهودها وقدرها مهما كانت المبررات لسبب بسيط وهو انها تعمل بقلب موحد، وهدف موحد بحكم طبيعة المؤسسة وانضباطها وهذا فارق جوهري اصيل تنفرد به المؤسسة العسكرية فى حين ان القوى السياسية مهما بدت تحالفاتها قوية ومتينة فهي قابلة للانهيار و التشرذم والانقسام.
والساحة السياسية السودانية مكتظة بعشرات ان لم يكن مئات نماذج الانقسامات الحزبية والسياسية التى باتت داء عضال يعيق مسيرة العمل السياسي ويزيد من عوامل ضعفه و تراجعه.
ثانياً، من الغريب حقا ان تلجأ القوى السياسة التى تزعم انها صانعة الثورة الى الجيش فى مقره وثكناته طالبته منه الانحياز ثم تعود بعد تحقق الانحياز لتشكك فى من طلبت منه الانحياز لها! الامر بالغ الغرابة هنا لان عنصر الانحياز هو بلا شك العنصر الحاسم الذى لولاه لما حدث التغيير ولا نجحت الثورة، اذ انه ما كان ممكناً على الاطلاق ومها كانت قوة الثوار ان يحدث التغيير لولا التدخل الحاسم للجيش فى اللحظة المناسبة.
اذن كيف يكون هذا العنصر الحيوي المهم، مجرد جهة مسئول عن الدفاع عن البلاد فقط وانه ليس من مهمته ان يكون جهة سيادية تشرف على ادارة فترة الانتقال وادارة العلاقات بين القوى والمكونات المختلفة؟
ثانياً، الجيش مثقل بأعباء امنية واعتبارات استراتيجية مهولة خاصة فى مثل هذه الظروف المعقدة التى اعقبت التغيير، ومن المؤكد ان هناك امور وقضايا بالغة السرية وشديدة الحساسية ليس من الضرورة بذلها للعامة او حتى الساسة، ومن الطبيعي ان يتولى ادارة الدولة فى قمتها السيادية لكي يعالج هذه الامور الامنية الاستراتيجية بدلاً من تركها للساسة الذين ما يزالوا مشحونين بثأراتهم وغبائنهم السياسية حيال قادة النظام السابق غير مدركين لهذه الامور  والقضايا.
مجمل القول ان تحمل الجيش لكلفة التغير الباهظة يقتضي دون شك اعطاؤه الفرصة لادارة تبعات هذه الكلفة ومخاطرها جنباً الى جنب مع الثوار ولكل واحد منهما مهامه وواجباته.

الخميس، 25 أبريل 2019

قوى الحراك السياسي في السودان والإصطدام المحتوم!

رغم إدراكها انها لم تتغير ولا تملك فى الوقت الرهن عناصر المواكبة والتطوير وان اداؤها و التعقيدات التى تعيشها لا تتيح لها على المدى القريب ان تتحول الى منظمات سياسية محترمة بإمكانها تحمل مسئولية تعاور وبتبادل كرة الديمقراطية؛ إلا أن القوى الحزبية السودانية ما تزال تصر على التواجد داخل الملعب مرتدية فانلة وشورت في الوقت الذى يدل مظهر الأرجل انها ضعيفة البنية، بطيئة الحركة، تنقصها الكثير من اللياقة السياسية اللازمة.
هذا الواقع للاسف الشديد سينعكس في القريب العاجل على مجمل الحراك السياسي فى الساحة السودانية بحيث تمسك الازمة بتلابيب الاوضاع على نحو خانق. ونحن هنا لا نود استباق الاحداث وإنما نعمل على قراءتها وتمحيصها وملاحظة ما يمكن ان يُرى بالعين المجردة على الافق السياسي الممتد.
القوى الحزبية هذه تعلم علم اليقين انها لم تصنع التغيير وإنما صنعه الشباب، والشباب هؤلاء ليسوا منتمين لا لهذه الاحزاب ولا لاحزاب اخرى، ومن البديهي انه لا يمكن استقطابهم الآن ليكونوا جزءاً من هذه الاحزاب لانهم يشاهدون الآن وعلى الهواء الطلق كيف تعمل هذه الاحزاب وممّ تعاني.
القوى السياسية ووفق الطريقة التى تتعامل بها الآن لا محالة سوف تصطدم بقوى الشباب فإن لم يكن فى المرحلة الحالية الراهنة حتى قبل تكوين الحكومة؛ فمن المؤكد فى المرحلة الاولى من حكومة الانتقال حين تتم مواجهة الازمات الحقيقية التى من اجلها ثار الشباب وحين تتضح صعوبة المعالجة.
الشباب بطبيعتهم يريدون ثمار سريعة وملموسة، والقوى الحزيبة سوف تنشغل تماماً بخلافاتها من جهة، والتنكيل السياسي بخصومها من النظام السابق من جهة اخرى!
الكثرة العددية لهؤلاء الشباب غير المنظم سوف تدك حصون القوى الحزبية وتجردها من مجالها الحيوي فى الاوساط الشعبية وربما يصل الامر لحدوث فراغ سياسي مهولة فى العام الاول من المرحلة الانتقالية جراء خلو القوى الحزبية من المنتمين وخاصة عنصر الشباب وربما خروج ما هو موجود من هؤلاء الشباب داخل هذه القوى الحزبية لكي يلحقوا بالشباب الثائر.
الاكثر خطورة وأسفاً ان قادة القوى الحزبية ما يزالوا هم أنفسهم قادة هذه القوى الحزبية طوال العقود الطويلة المنصرمة، وهذا سوف يقود الى صدامات متواصلة، وقد يفضي في نهاية المطاف الى إنهيار الاحزاب وخروجها من الملعب السياسي؟
الامر هنا أيضاً لا يبتعد عن تجمع المهنيين، إذ ان الملاحظ انه ينتمي فى غالبه لتيار سياسي معين، وهذا يحجب بالضرورة اي منضويين جدد من التيارات الشبابية حتى ولو كانت الضرورة المهنية تدفعهم للانتماء اليه.
خلاصة المشهد ان هذا الواقع السياسي المتشابك قابلة للانفجار عاجلاً أم آجلاً في ظل هذه المعطيات المتشاكبة التى جميعها فرختها ضرورات مرحلية لم يعد لها وجود الآن.

بطولات ثورية مصطنعة.. على محمود حسنين نموذجاً!

في مؤتمر صحفي عقده بداره عقب عودته مؤخراً قادماً من لندن قال القيادي بالحزب الاتحادي رئيس الجبهة الوطنية على محمود حسنين إنه يطالب المجلس العسكري الانتقالي بتسليم السلطة للمعتصمين وليس لقوة سياسية اخرى.
وعرّج حسنين الذى بدت خطوط السنوات وتصاريف الايام بادية على ملامح وتقاطعات وجهه على اسباب خروجه من السودان وبقائه لنحو عقد و نيف خارج السودان حيث أرجعها الى ان الرئيس جهاز الامن السوداني السابق محمد عطا أبلغه بأن الرئيس السابق عمر البشير أمر بتصفيته جسدياً!
ولا شك ان الذين حضروا المؤتمر الصحفي المثير للدهشة وهم قلة من الاخوة الصحفيين استوقفتهم إفادات الرجل كثيراً جدا، إذ أنه وبعد كل هذا الغياب الطويل والسنوات المتعاقبة لم يأت بجديد على صعيد الخبرة والحنكة السياسية و الاستفادة من عبر وعظات التاريخ.
ولا شك أيضا ان مقولات الاستاذ حسنين التى اطلقها فى مناخ الحريات الذى هو سائد الآن لا يمكن اعتبارها مجرد طق حنك، فهو يتحدث بحرية وبمحض إرادته ومن ثم فإن ما يقوله يؤخذ عليه.
وبالطبع لا نود فى هذه العجالة ان نحيط بكل ما قاله ولكننا لدواعي التحليل والتمحيص نقف مجبرين عند أمرين مما قال: الأمر الاول مطالبته للمجلس العسكري بتسليم السلطة للمعتصمين. هذه الافادة تتضمن عدة مؤشرات سالبة فى حق الرجل الذى يفترض انه نال خبرة سياسية طويلة ودربة واحاطة كاملة بالممارسة السياسية، فمن جانب فان المعتصمين ليس لديهم تنظيم أو وعاء سياسي معين حتى يقال انهم يمثلون تياراً سياسياً يتم التفاوض معه وتسليمه السلطة.
ومن جهة ثانية فانه وحتى لو افترضنا جدلاً إمكانية تسليمهم السلطة فأين هي الخبرة السياسية والدراية التى تتيح تسليم شباب معتصمين سلطة ادارة دولة! ومن جهة ثالثة وهي الأهم و الاخطر فان هذه المطالبة نفسها عبرت عن يأس من الاحزاب والقوى السياسية أدركها مؤخراً على محمود حسنين، حيث بدا له ان القوى الحزبية السودانية جميعها وبغير استثناء -بما فى ذلك حزبه الذى ينتمي اليه وجبهته الوطنية العريضة- لم يعودوا يستحقون الثقة فى ممارسة العمل السياسي وهو تطور لافت فى فكرة الرجل التسعيني الذى خرج من السودان وظل يجمع التبرعات لتكوين جبهة وطنية عريضة للاطاحة بالنظام وقضى من اجل ذلك اكثر من 10 أعوام ثم عاد ليجد الشباب هم الذين قادوا التغيير!
الامر الثاني وهو المتعلق بأساس خروجه من السودان حيث اشار الى ان سبب خروجه هو الأمر الى اصدره الرئيس السابق البشير بتفصيته جسدياً! والواقع ان السيد حسنين فى هذه النقطة بالذات قلل من قيمته كسياسي وقيادي فى حزب عريق وقيمته كقانوني ذا باع طويل فى مضماره!
 فمن جهة كونه سياسي فان الممارسة السياسية فى السودان منذ الأزل وحتى الآن لا تعرف التصفية الجسدية وافضل ميزة يمتاز بها الادب السياسي السوداني هو إنعدام هذه الممارسة تماما مهما كانت درجة الخصومة، والاكثر اسفاً ان الرجل أقر بأنه خرج مخافة من التصفية بدلاً من ان يتحلى بالشجاعة الكافية ويمارس السياسة داخل بلاده غير عابئ بالموت!
لقد أثبت انه سياسي شديد الخوف على روحه ونفسه. اما من ناحية كونه قانونياً فإن المنطق السديد يرفض قبول فرضية ان مدير جهاز الامن تلقى اوامر بتصفية سياسي من الرئيس وذهب هذا المدير وابلغ حسنين المراد تصفيته، ليتمكن هو من الهرب! كيف لرجل قانون ان يورد قصة مضحكة مبكية كهذه؟

الاثنين، 22 أبريل 2019

السودان وجحيم التنازع الحزبي البغيض!

 قالت قوى الحراك السياسي في السودان انها تطالب بتسليم السلطة للمدنيين ولا ترغب فى وجود مجلس عسكري انتقالي يحكم فى السودان.
بعض هذه القوى قال انه يطالب أولاً بتسليم السلطة للمدنيين ومن ثم تشكيل حكومة، البعض الآخر طالب بأن يتم (تطعيم) المجلس العسكري بقوى مدنية، فى حين طالب البعض الآخر بأن يتشارك الاثنان، المدنين والعسكريين السلطة (مناصفة)، ومن ثم يتمت تكوين مجلس للوزراء!
الامر المثير للتساؤل فى مثل هذه الاطروحات فى هذا الظرف يتعلق بما ذا كانت هذه القوى السياسية اعدت مسبقاً راؤها وبرامجها قبل التغيير، ام أنها اجترحت هذه الرؤى عقب تحقق التغيير؟
تكمن اهمية هذا التساؤل فى انه اذا كان هذا الطرح معد مسبقاً وكانت هذه القوى متفقة كما تزعم على هذه الاطروحة قبل حدوث التغيير فان المنطق يرفض قبول هذا التباعد والاختلاف فى الموقف الآن، إذ ان التباعد هنا كبير للغاية والاهم من كل ذلك ان تصريحات قادة هذه القوى تقاطعت كثيراً ما بين القبول بمجلس عسكري وحكومة مدنية؛ وما بين تسليم السلطة مباشرة للمدنين بالإضافة الى حكومة مدنية.
 اما اذا افترضنا ان هذه الرؤى لم تكن موضع اتفاق قبل التغيير و(فوجئت) هذه القوى بحدوث التغيير ومن ثم جلست لكي تضع رؤاها، فان هذا يعني ان الساحة السياسية موعودة بتقلبات فى الرؤى والمواقف و الخلافات جراء اتساع مضارب هذه القوى وتناثر قبائلها ومراعيها فى اماكن عديدة، فى حين ان الاوضاع فى السودان من التعقيد بحيث لا تحتمل اجتراح الآراء واعداد المواقف بحسب الظروف.
ومن المفروغ منه هنا أن هناك عدم معقولية فى طرح تسليم السلطة كاملة للمدنيين حيث لا يعقل ان يعهد بالسلطة السيادية و التنفيذية للمدنيين فى فترة انتقالية تمتد لاربعة اعوام. فلا سوابق العمل الانتقالي فى السودان عرفت هذا التقليد او خبرته ولا ظروف السودان الصعبة الحالية تحتمل هذا الوضع.
بالاضافة الى ان الجيش السوداني الذى لجأت اليه القوى الثورية طالبة إنحيازه اليها، هو مؤسسة قومية متفق عليها، والكل يساراً ويميناً يجمعون على أنها المؤسسة القومية الوحيدة المؤتمنة على امن الدولة حماية حدودها، وهي بهذه المثابة تقف تلقائياً على مسافة ادارية وسياسية وحدة من كل الفرقاء السودانيين وليس ادل على ذلك من رئيس المجلس العسكري الحالي الفريق اول عبد الفتاح البرهان، حظي برضاء و قبول كافة الاطياف السودانية من واقع سيرته المهنية الطويلة التى تأكد من خلالها ان الرجل مهني قح ولم يتزيّا بأي زي سياسي فى أي يوم من الايام ولولا ذلك لما قبله المحتجون وهم الذى كانوا قد رفضوا سلفه الفريق اول عوض ابن عوف!
فاذا كان الحال كهذا فما هي مبررات محاولة انتزاع السلطة من الجيش عبر مزاعم الحكومة المدنية؟ وكيف ستتم ادارة فترة انتقالية القصد منها تهيئة المناخ وتجسير الهوة الوطنية بين الفرقاء السودانيين اذا كان هناك من يسعى للامساك بزمام السلطة للاقتصاص السياسي من خصومه، وإعادة تكريس الكراهية واهتزازا الثقة من جديد؟
ان الجدال الدائر بهذا الصدد للأسف الشديد يعيق حركة السير السياسي فى السودان ويزيد من فرص وقوع حوادث مرور سياسي جراء السرعة الزائدة والتخطي السياسي الخاطئ!

الصدمة الأولى لشباب الثورة من قوى الاحزاب المتشاكسة!

من المؤكد ان جيل الشباب الحالي الموجود فى ميدان الاعتصام امام مقر قيادة الجيش السوداني لم يعايش صراعات وخلافات القوى السياسية السودانية فى آخر تعددية جرت عقب الاطاحة بنظام الرئيس النميري منتصف ثمانيات القرن الماضي. ولهذا ربما يذهل هذا الجيل غاية الذهول حين تتراءى له بعد ايام او اسابيع حراب وسنان هذه القوى و مطاعناتها الخفية والمعلنة، وتشاكسها في ميدان أبعد ما يكون عن ميدان البناء والعمل وتحقيق الانجازات!
في منتصف ثمانيات القرن الماضي كان هناك ايضاً شباب من ذلكم الجيل الذي هرم الآن، وكانوا يومها يمنون النفس بتعددية سياسية وديمقراطية عالية المستوى، وكنت تسمع فيها حينها من قبل النخب والمثقفين وذوي الاستنارة (الصادق المهدي أمل الامة)! وكانت احزاب اليسار الشيوعي، البعث، الناصري، عالية الصوت، كثيرة الحركة والضجيج ولكنها لم تحرز أدنى صوت ما عدا الحزب الشيوعي السوداني الذى انحصر كل ما احزره فى نائبين او ثلاثة.
حزب الامة بزعامة الصادق المهدي تصدر المشهد ولكنه وحال بداية التشاور حول الحكومة بدأت المساومات مع الحزب الاتحادي الديمقراطي تارة؛ ومع الجبهة الاسلامية تارة اخرى ثم مع اليسار. اسابيع و شهور قضاها المتشاركون فى التشاور حتى أنجزت الحركة الشعبية بقيادة قرنق حينها عددا من الانتصارات السهلة  السريعة!
 حزب الامة نفسه بعد التشكيل الحكومي عسير المخاض شغل نفسه بملف (تعويضات آل المهدي) لتخرج حينها على الفور (6 مليار جنيه) من الخزينة العامة المتداعية لآل المهدي تعويضاً عن أذى سلطة مايو! ثم قضت قوى الاحزاب حوالي العامين فى التشكيل ثم الحل حتى جاءت يونيو 1989م.
 لا نود القول انه ما أشبه الليلة بالبارحة، فقد تعرض مجلس سوار الذهب لذات التجاذبات، وركز اليسار كل انتقاداته نحوه وظل يوجه اليه سهام الاتهامات وعدم الرضا وقلة الثقة! الآن ربما يدهش أي مراقب للشأن السوداني لما تفعله القوى السياسية السودانية وهي ترشف شاي المساء وتمد رجليها فى دعة وخمول، تطالب بتسليم السلطة للمدنيين، وحين يطلب منها المجلس العسكري تقديم مقترحاتها للتشكل الحكومي تتلكأ وتتباطأ وتختلف! 
والناظر تلقاء القوى الحزبية لا يرى غير حجارتها وهي تتقاذف، فالمؤتمر السوداني فى سجال وعراك مع الحزب الشيوعي. وتجمع المهنيين فى معارك مع قوى الاجماع وما تزال جعبة القوى الحزبية مليئة بالعجائب. 
هذا الواقع للاسف الشديد لن يقود الى المراحل العملية المرتجاة، فالتشاكسات الجارية وإنعدام روح الفريق وغياب الثقة والرغبة المتأججة فى الاستئثار بالكيكة سوف يجعل شباب الاعتصام يهيل التراب على ثورته واعتصامه. 
إنه داء قديم للاسف الشديد لم يجد الساسة فى السودان له دواء شافي حتى الآن، دائماً الاحزاب السودانية مختلفة، بطيئة الايقاع لا تملك برامج عملية واضحة وسهلة. دائماً هناك برامج معطونة بطين التمنيات والاحلام و المدن الفاضلة، والتجارب الحزبية القديمة ما تزال كما هي ما بين احزاب طائفية الطباع، تحكمها العشائرية و القبلية، أو احزاب يسارية يسيطر عليها جيل مئوي وتسعيني منذ الحرب العالمية الاولى، يقول ذات المقولات ويردد ذات الشعارات ويظن انه فاعلة ومرغوب.

الخميس، 4 أبريل 2019

قوى نداء السودان.. الدفع بإتجاه الفوضى والعودة للحرب!

بدا واضحاً الان وعقب البيان الختامي الصادر عن قوى "نداء السودان" مؤخراً برفض التفاوض مع الحكومة السودانية والانسحاب من خارطة الطريق الموقعة فى 2016 ، بدا واضحاً ان قوى المعارضة السودانية -التى ليس لديها ما تخسره- تدفع الامور فى السودان باتجاه الفوضى والحرب والاضطراب العام.
ذلك انه من الناحية السياسية الموضوعية ليس هناك ادنى مبرر لرفض التفاوض او الانسحاب من خارطة الطريق، فلا قوى المعارضة المتمثلة فى حزب الامة وحركات دارفور او الحركة الشعبية شمال وحزب المؤتمر السوداني يدين لها الميدان السياسي، ولا الحكومة السودانية ضعفت وانهزمت عسكرياً او سياسياً.
بمعنى آخرة فان احد لا يدرى على ماذا استندت قوى نداء السودان، وهي لم تكن المحرك للاحداث ولا قادتها ولا ممسكة بزمامها، ولا ينتظر ان تكون كذلك فى يوم ما لاسباب يعملها القاصي والداني، فهي ضعيفة وعديمة القوى عديمة الجماهير.
هذا من جانب، ومن الجانب الاخر فان المشروع الاستراتجي الاوحد الذي بوسعه تحقيقة استقرار السودان إنما هو التفاوض والحوار الجاد، الهادف الى إيجاد حلول اساسية مستدامة للازمة.
ومن المعروف ان خارطة الطريق التى قبلت بها قوى نداء السودان فى العام 2016 وضعت اطاراً سياسياً لحلحة قضايا السودان و إيقاف الحرب في المنطقتين جنوب كردفان والنيل الازرق، ووضعت اساساً لايصال المساعدات الانسانية للمنطقتين وعالجت كيفية مناقشة القضايا الوطنية فى منبر قومي يستند الى مخرجات الحوار الوطني.
ومن المؤكد ان خارطة الطريق المشار اليها هي عنوان استراتيجي لمستقبل السودان لانها حصرت بقية القضايا المتبقية و التى باتت تمثل صداعاً سياسياً مزمناً للدولة السودانية؛ فقضايا الحرب فى المنطقتين ودارفور وقضايا الاقتصاد والهوية وغيرها من القضايا لا يمكن الوصول فيها الى حلول إلا عبر هذه الحوارات والمفاوضات التى ركلها الان نداء السودان!
وفي ما يبدو ان قوى نداء السودان وهي ترفض المفاوضات وخارطة الطريق لا تعيد الامور الى مربعها الاول وحسب، ولكنها تقدح زناد الاحتراب، وتعيد اشعال الموقف من جديد وتضرب قرارات وقف اطلاق النار المعلنة من الحكومة والحركة الشعبية شمال في صميم جدواها!
ومن المؤسف ان يفكر سياسي سوداني بعد كل اهوال الحروب التى رآها وعايشها فى العودة مجدداً الى الحرب وحالة الجمود واسنداد الافق. من المؤكد ان يكون حلم بعض قوى نداء السودان قد تصاعد جراء التظاهرات والاحتجاجات الاخيرة فأرادوا ان يلتحقوا بحسب اعتقادهم بثمار الثورة الشعبية.
ومن الممكن ان تكون بعض قوى اليسار ممثلة فى الحزب الشيوعي السوداني والبعث وغيرها مارست ضغوطاً على قوى نداء السودان لكي تصطف معها فى حراكها الذى بدأ يخفت شيئاً ويتلاشى بفعل عوامل التعرية السياسية وانفضاض شعب السودان عنهم، ولكن أيهما اقل تكلفة، وأكثر استقامة و استراتيجية، حراك يائس لم يعد يتجاوز مواقع التواصل الاجتماعي والشعارات والاخبار الكاذبة المضللة؛ أم حوار عميق وجاد وموضوعي يجنب السودان تكاليف مالية يومية باهظة يقود ويفضي الى تفاهمات تصنع المستقبل؟
ان اصرار السودان على معالجة قضاياه عبر التفاوض والحوار والدعوة التى وجهها الرئيس البشير فى خطابه التاريخي المفصلي -عشية الثاني والعشرين من فبراير 2019- إنما ينبع من إيمان سياسي عميق متحضر بأن قضايا السودان يمكن حلها عبر هذه الاستراتيجية وحدها، ولهذا فان المجتمع الدولي و الاقليمي عليه ان يكون الان (شاهداً) على ان قوى المعارضة السودانية تمضي بالاتجاه المضاد، ففي حين تدفع الحكومة السودانية الامور من الحرب الى السلام؛ فان قوى المعارضة تتبنى استراتيجية الفوضى و الانزلاق والعودة مجدداً الى الحرب والمواجهات المقيتة.

قوى نداء السودان لا نصرها السلاح ولا أسعفتها السياسة!

قوى (نداء السودان) مزيج من القوى المسلحة والقوى السياسية التى تضم أحزاباً سودانية موجودة فى الملعب السياسي السوداني. القوى المسلحة تتمثل في حركات دارفور المسلحة اضافة للحركة الشعبية شمال، اما القوى السياسية فتتزاوج ما بين حزب الامة القومي، المؤتمر السوداني وبعض القوى الاخرى ذات الوزن السياسي المتواضع.
القوى السياسية الحاضرة فى الملعب فشلت طوال ثلاثة عقود فى ان تحقق شيئاً وقد جربت كل الحيل السياسية والتحالفات بدءاً من التجمع الوطني الديمقراطي فى تسعينات القرن الماضي وخاضت معارك مسلحة ولكنها حصدت الهشيم.
حزب الامة القومي بزعامة المهدي بلغ به الامر الى تجربة العمل المسلح و أنشا فى وقت من الاوقات ما يعرف بجيش الامة. والمضحك والمبكي فى آن واحد ان جيش الامة ورغم مرور قرابة العشرين عاماً لا يزال منسوبوه السابقين على خلاف مع قيادة الحزب ولديهم مظالم ومواجع لم تفلح العقود المتعاقبة من السنوات فى طي صفحتها حتى هذه اللحظة.
المؤتمر السوداني ساوره اعتقاد انه يمكن ان يصبح بديلاً وان لديه الكاريزما و التأثير السياسي، ولكنه مع كل ذلك وحين يتأمل جيداً فى الواقع الماثل يدرك انه من الصعب ان يبلغ مبتغاه لانه لو كان حقاً يمتلك قدرات سياسية مؤثرة وباستطاعته ان يلعب لعباً ماهراً لما لجأ ابدا الى خوض تحالف (سياسي مسلح) عينه على السياسة وأصبعه يغازل البندقية!
الحركات المسلحة فى دارفور هزمت فى الميدان شر هزيمة وطاردتها قوات الدعم السريع وشكلت لها بعبعاً مرعباً أطار النوم من أعين قادتها فلجأت الى دولة جنوب السودان حيناً ومارسات المقاولات الحربية ثم ذهبت الى ليبيا وخاضت معارك خاسرة ثم تفرقت واصبحت مؤخراً تقات من عمليات النهب وقطع الطريق.
الحركة الشعبية شمال دهمتها خلافات وانشاقاقات كادت ان تعصف بنواتها ووصلت الى مرحلة من الضعف والهشاشة جعلتها شديدة الايمان بوقف اطلاق النار وما يتيحه من قدر من الراحة والطمأنينة والمحافظة على ما تبقى.
هذه هي قوى نداء السودان في مجلمها، قوى خرجت او كادت من الميدان السياسي لولا سانحة الاحتجاجات الشعبية، ولم يصدق ما رأته عينيها وواتتها احلام ان من الممكن ان ينجح الحراك و يسقط النظام، و ان من المحتمل ان تتبدل اوراق اللعبة ولذا قررت ان تنسحب من خارطة الطريق الموقعة فى 2016 بأديس ابابا، وان تترك التفاوض مع نظام متهاوي وآيل للسقوط!
لم تدع نافذة لتخرج منها اذا ما ضاق بها الحال ولا تركت الباب موارباً ليتيح لها الهروب فى الوقت المناساب، وضعت كل ما تبقى من البيض في سلة الانتفاضة المرتجاة. بالتأكيد هي قوى حائرة، فلا هي نالت بالسلاح مبتغاها ولا هي تجيد مهارة السياسة.

الثلاثاء، 2 أبريل 2019

د. الكودة ومواجهة مع تجمع المهنيين!

قال المعارض السوداني د.  يوسف الكودة المقيم بفرنسا انه قرر ممارسة المعارضة خارج تجمع المهنيين. وفي عبارات شديدة المرارة، بالغة السخرية قال الكودة (معليش أعذروني، حاولت أصبر على متابعة مجهول قرابة الثلاثة اشهر ما استطعت! أتمنى لجميع المعارضين التوفيق، فاني معارض خارج التنظيم).
وتبدو إفادة د. الكودة هذه بالعبارات ذات المدلولات الواضحة بمثابة شهادة من معارض فى حق الجسم المجهول الذى يطلق عليه تجمع المهنيين، وهي بالتأكيد على غرابة المسمى واستحالة وجوده ككائن سياسي حي، إذ ان د. الكودة يشير الى صبره لما يقارب الثلاثة اشهر لعل يبلغ ملامسة هذا الكيان او الالتقاء بزعائمه أو  معرفة كنهه ولكنه لم ينجح فى ذلك مع ملاحظة ان د. الكودة مقيم بالخارج و يعرف بعض المعارضين المقيمين بالخارج، ولديه بالتأكيد خارطة بهؤلاء المعارضين و يتبادل معهم الرؤى والافكار.
وفوق كل ذلك فان مرور 3 اشهر على بداية ظهور هذا المسمى كانت كفيلة بالتأكيد باظهار وتبين ولو بعض ملامحه، فمدة الثلاثة أشهر فى العمل السياسي ليست سهلة ولا قليلة ولو كان حقاً تنظيماً موجوداً على ارض الواقع ولديه مكتب تنفيذي و قيادة وعضوية واضحة لأمكن التعرف عليه.
ومن المؤكد ان العديد من المعارضين وصلوا الى ذات النتيجة التى وصل اليها الكودة ومنهم من اسرّها فى نفسه ومنهم من فضل الاحتفاظ بها وممارسة المزيد من الصبر، ومنهم من ضاق ذرعاً بهذه الاحجية السياسية وتركها.
وما من شك ان اي  جسم سياسي يتطلع الى قيادة عمل سياسي وادارة أزمة يجب ان يكون معروفاً على الاقل وسط الذين يشاطرونه موقفه ورؤاه، فهو فى نهاية المطاف يتصدى لعمل عام ويتمنى ان يصل فيه الى مبتغاه و ان يكون الذين يعملون معه على دراية تامة به، هذا من جانب، ومن جانب آخر يبدو واضحاً ان ما يسمى بتجمع المهنيين وعلاوة على غموضه و تخفيه يمارس ما يمكن ان نطلق عليه دكتاتورية على الاخرين فقد طفق يوزع صكوك البراءة و الادانة على الآخرين ويعلن رفضه لهذا الطرف او قبوله بذاك، ومع انه عمل سياسي معارض غرضه كما يزعم الوصول الى اسقاط نظام وإقامة نظام ديمقراطي!
 فهل يعقل ان من يسعى لاقامة نظام ديمقراطي يتوسل الى هدفه بممارسة الدكتاتورية وغمط الآخرين حقوقهم و التمييز بين المعارضين والادعاء انه ملاك طاهر يتصدى لمهمة وطنية مقدسة ولا يرغب فى ان يشاركه أحد؟
واذا ما جاز لنا ان نجري عملية حسابية بشأن ما حققه ما يسمى بتجمع المهنيين حتى الان، فان ما حققه من نفور العديد من القوى المعارضة منه، وضيق قوى أخرى من قرارته ومواقفه غير السياسية واصراره على التخفي، و تصنيفاته غير العملية وغير العلمية للآخرين، فإننا يمكننا القول انه قد تكفل بالقضاء على نفسه بنفسه!

تجمع المهنيين والحركة شمال.. حادث اصطدام مروّع!

 تلقى ما يسمى بـ(تجمع المهنيين) ضربة موجعة من الحركة الشعبية قطاع الشمال حيث اصدرت الحركة بياناً مقتضباً حمل تاريخ 15 مارس 2019 ممهوراً بتوقيع سكرتيرها العام عمار أمون دلدوم، نفت فيه نفياً قاطعاً توقيعها على ما يعرف بـ(ميثاق الحرية والتغيير) الصادر عن تجمع المهنيين.
البيان وإمعاناً منه في الطعن فى الشرف السياسي لما يسمى بتجمع المهنيين قال فى استهلالية غاضبة (طالعنا بياناً غير ممهور بإسم احد بصفحة أيمن مضوي بالفيس بوك بيان مفاده ان الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال تعلن توقعيها على اعلان الحرية والتغيير الصادر عن تجمع المهنيين السودانيين؛ نحن في الحركة الشعبية شمال نود ان نؤكد لجميع عضوية الحركة الشعبية وكل جماهير الانتفاضة بأننا لم نصدر هذا البيان ولم نوقع على وثيقة الحرية والتغيير حتى اللحظة). انتهى البيان.
ولا شك ان هذا النفي يشير الى عدة أمور من المهم ان نستخلصها لنرى الى أي مدى اخذت تجمع المهنيين النشوة النضالية المزعومة وجعلته يوزع أنواطه وصكوكه كما يشاء .
أولاً، النفي يشكل ضربة لصميم مصداقية ما يعرف بتجمع المهنيين لكونه ظل ومنذ استغلاله للاحتجاجات يتظاهرة بأنه الاكثر مصداقية والاكثر استقامة، والذي يستجيب له القوى المختلفة وتلبي دعواته للتظاهر بما يجعله اسطورة خفية، ولكن التجمع اصيب فى صميم مصداقيته لكونه أدعى توقيع الحركة الشعبية (وسرق موقفها) ليفاجأ بأنها كشفت السرقة ولم ترضى بهذه السرقة.
ثانياً، النفي أيضاً كشف الطريقة التى يتعامل بها التجمع فى (فرض) نفسه ورؤاه على الآخرين ظناً منه أنه اصبح (قائداً ملهماً) ولا أحد يقول له (لأ).
ثالثاً، النفي كشف اكذوبة تجمع المهنيين نفسها كجسم سياسي مزعوم وتبين انه محض شبح متوهم ذلك ان تجمعاً يدعي انه جسم سياسي قوي يطلق أكاذيب على لسان اشخاص، مجرد اشخاص على صفحاتهم، لا يمكن ان يكون جسماً سياسياً محترماً!
رابعاً، النفي نفسه يكشف عن ان بعض القوى السياسة والقوى المسلحة المعارضة اكتشفت -بينها وبين نفسها- اكذوبة التجمع وربما عرفت هذه القوى -كما فعلت الحركة شمال- انه محض جسم هلامي متوهم وأنه لا يصح السير في ركابه ومجاراته، أو ربما أدركت انه جسم يتظاهرة بأنه (وحش) ضخم تجب المخافة منه وضرورة احترام قرارته والانصياع لها.
وفي كل الاحوال فان ما حدث يعطي انموذجاً عن ان قوى المعارضة السودانية ليست متنافرة ومتشاكسة فحسب، ولكنها فى جزر معزولة ولا يمكن لعاقل ان يعتقد فى إمكانية توحيد رؤاها ومواقفها، والمضحك فى الامر انها لا تستند على اي اتفاق ولو فى حده الأدنى للصالح الوطني العام! كل ما يهمها ان تجد مصالحها وان تحصل على ما ظلت تحلم به طوال عقود وما يزال عنها بعيد المنال!

أوامر الطوارئ.. جولة فى النيابات العامة والمحاكم فى السودان!

 أوامر الطوارئ المستندة الى حالة الطوارئ التى أعلنها الرئيس البشير عبر خطابه عشية الثاني والعشرين من فبراير الماضي والتى يثار حولها الجدل بين النشطاء والفرقاء السياسيين فى السودان، لا تبدو هذه الاوامر مثير للقلق الحقوقي كما قد يصورها البعض؛
فهي كما لمسنا من خلال استقصاء وبحث فى النيابات العامة السودانية والمحاكم فى العاصمة الخرطوم وولايات البلاد استهدفت الممارسات الخاطئة والتى هي منصوص عليها جميعها فى القانون الجنائي السوداني الصادر في 1991وبعض القوانين العقابية الخاصة مثل إرثاة الشغب والتجمهر غير المشروع والاخلال بالامن العام ومعارضة الشرطة والموظفين العموميين وغيرها من المخالفات التى عادة ما لا تخلو محكمة من محاكم السودان فى الاحوال العادية من نظرها.
ومن المهم هنا قبل ايراد احصاءات مستقاة من واقع بحثنا واستقصاءنا ان نشير الى أمرين على قدر كبير من الاهمية الحقوقية، وهما مرتبطان ارتباط جوهري وأساسي بالممارسة القانونية الحقوقية ، أولها ان النيابات الخاصة بالطوارئ والمحاكم هي في واقع الامر نيابات ومحاكم طبيعية وعادية وهي نفسها النيايات العامة والمحاكم التى كانت تمارس عملها قبل فرض الطوارئ ورجالها هم ذات رجالها، الفارق الطفيف هو اعطاء البلاغات الاولوية وقدر من التسريع اقتضهما ضرورات تحقيق عنصر الردع و العدل الناجز وفق ما فرضته الظروف الراهنة.
وثانيهما، ان الاجراءات المتبعة -وقد شهدنا ذلك عن قرب- هي نفسها الاجراءات المعتادة بمراعاة حقوق المتهمين فى الاستعانة بمدافعيهم و أخذ كل فرصة فى مناقشة الشاكي والشهود و الطعن فيهم وفق القانون و طلب استدعاء شهود دفاع. وكان لافتاً ظهور عشرات المحامين والمترافعين فى الدعوى الواحدة دون أن تنتقص من أدائهم نيابة او محكمة ودون غمط طرف او رفض ظهور مترافع أو حتى محاولة تسييس الدعوى، فالمحاكم بدت لنا واسعة الصدر حريصة على إحقاق الحقوق تماماً بقدر حرصها على سرعة الفصل فى الدعاوي وعدم تعطيل او عرقلة مسارة العدالة.
الآن لنأخذ أمثلة احصائية، ففي العاصمة الخرطوم و تحت أمر طوارئ (2) و (3) فصلت محاكم الخرطوم فى (163) بلاغ بمواجهة 636 متهم! اقصى عقوبة بلغت 5 سنة سجن وأقصى عقوبة مالية (5) ألف جنيه، اما أدنى عقوبة حبس فبلغت الاكتفاء بمدة الحبس الاحتياطي – (حبس ما قبل المحاكمة).
 هناك 18 قاصر تم تسليمهم لذويهم وهناك (1) متهم أجنبي تم إبعاده، هذا كان فى الاسبوع الاول؛ اما فى الاسبوع الذي يليه فقد بلغت البلاغات 46 فى مواجهة 245 متهم . أنظر هنا الفارق فى تراجع عدد البلاغات و المتهمين فى الاسبوع الذي يليه عدد البلاغات (13) بلاغ بمواجهة (51) متهماً!
الامر نفسه فى بقية عواصم الولايات ومدن السودان بما يمكن ان يستشف منه ان أوامر الطوارئ مقصدها اشاعة  قدر من التوازن و الاستقرار ومنع الجريمة أياً كان مصدرها، وهي بهذه المثابة لا يمكن ان يقال انها موجهة للتظاهرات و المتظاهرين، فهي موجهة لمن يخالف القوانين السودانية ويثير السلامة العامة فى الدولة سواء في مضاربات العملة او فى التلاعب بالاقتصاد أو الاخلال بالامن والسلامة العامة أو اعتراض الموظف العام أثناء تأديته واجبه القانوني.

الخميس، 28 مارس 2019

الاحتجاجات فى السودان.. خسائر وأعباء اضافية على اقتصاد الدولة

حسناً، المشكلة الحقيقية الصعبة التى تسببت فيها الاحداث الاخيرة فى السودان هي المصاعب الاقتصادية وأقرت الحكومة السودانية دون تردد بذلك، وعملت على معالجتها, وأعادت هيكلة آليات الحكم سواء على المستوى الاتحادي او الولايات و إتخذت بعض التدابير و فتحت الباب واسعاً للحوار والتفاوض مع كافة الفرقاء والاطراف دون أدنى شرط.
ولكن على الجانب الآخر حدثت خسائر اقتصادية ومادية ضخمة بسبب الاحداث، ففي بلد مثل السودان يعاني اقتصاده الأمرين، فان تعطل دلاوب الحياة الطبيعية واضطرار الحكومة –بهدف صيانة الامن القومي– لاتخاذ تدابير قاسية بعض الشيء يزيد من الاعباء الاقتصادية ونزيف الانفاق العام، وهي مشكلة يجب ان  ينتبه لها المعارضون اذ ان ما تتحمله الدولة السودانية فى الوقت الراهن ومنذ ديسمبر 2019 يفوق بلا شك طاقة احتمال الموازنة العامة للدولة:
أولاً، تسببت الاحتجاجات فى إنكماش وركود فى الاسواق بفعل مخاوف رواد السوق والعاملين فيه من وقوع تظاهرة هنا او هناك، وهذا بدوره تسبب فى بطء الحركة الاقتصادية وخسائر اقتصادية تؤثر فى الاداء الكلي للاقتصاد ويشير بعض الخبراء فى هذا الصدد الى ان الخسائر الاقتصادية فى في الثلاث اشهر هذه تفوق الـ(1 مليار) دولار على اقل تقدير، لانها تقلص حركة الانتاج وتثير مخاوف المنتجين من الكساد والركود.
ثانياً، تعطيل مؤسسات التعليم العالي والجامعات والمعاهد العليا أوقع خسائر على هذه المؤسسات بتجميد نشاطها الاكاديمي بما يصل الى أكثر من 3 مليار دولار، خاصة اذا عرفنا ان طلاب هذه المؤسسات على مستوى السودان يفوق الـ35 ألف طالب. كما ان هناك خسائر فى ما يخص الجهات المعاملة مع هذه الجامعات التى تقدم خدمات بعينها مثل المطابع والاحبار والاسوق العامة والشركات المتخصصة فى الاثاثات والشركات الامنية وغيرها.
ويقدر البعض خسائر توقف هذه الانشطة فقط لهذه الفترة ما لا يقل عن 750 مليون دلاور, هناك ايضاً خسائر في ما يخص الدولة نفسها حيث كان المقرر فى هذه الفترة ان يتخرج ما لا يقل عن 25 ألف طالب كان دخولهم وشيكاً الى سوق العمل او الانتظام فى مؤسسات الدولة.
ثالثاً، الصرف على القوات النظامية المختلفة (الشرطة، الامن، الجيش) فهي مكلفة بحراسة المنشآت العامة وتشديد الرقابة على المداخل ومتابعة تحركات بعض الذين من الممكن ان يستغلوا السانحة لأهداف اجرامية، و متابعة حركة الاحتجاجات حتى لا تقع حوادث عنف.
كل ذلك يستلزم استنفار وحالة تأهب استمرت منذ ديسمبر 2018 وحتى الآن وهي مصروفات لا تقل الكلفة اليومية لها فى حدها الأدنى عن 3 مليون دولار.
رابعاً، فقدان  السودان جراء الاحداث لثقة الاستثمار الاجنبي والمحلي، اذ ان الاستثمار كما هومعروف يتطلب استقراراً وهدوء عام بنسبة واضحة ومريحة، و قد أدت الاحتجاجات الى حالة خوف وتوجس من قبل المستثمرين وعلى الرغم من ان دولاب الحياة اليومية مستمر بطريقة عادية وهادئة، ولكن من المؤكد ان حركات القوات النظامية الظاهرة ووجودها فى المنشآت العامة والشوارع الرئيسية بسبب حالة الطوارئ يثير المخاوف لدى المستثمرين ولنا ان نتصور كم من حجم الاستثمار خسر السودانية جراء هذه الاحداث!
ان المشكلة ان قوى المعارضة السودانية ومن واقع حنقها على السلطة الحاكمة لا تبالي ولا تضع اعتباراً لخسائر الدولة وتعميق ازمتها. صحيح ان هناك مشكلة وهناك حاجة لحلول استراتيجية شرعت فيها الحكومة ورئيس وزرائها محمد طاهر أيلا، وصحيح ايضاً ان هذه الحلول تتطلب وقتاً ومثابرة ولا يمكن ان يحدث حل فى يوم أو يومين؛ ولكن بالمقابل فان المحافظة على وتيرة الامور عادية وسلسة ضروري حتى لا تتفاقم جراح السودان وتزداد خسائره بغير طائل!

الحركات المسلحة ومعسكرات النازحين ما بين السالب والموجب!

المتتبع لجهود الحكومة السودانية بشأن معالجة قضايا النزوح فى اقليم دارفور لابد له ان يلمس بعض الجهود الجيدة فى هذا الصدد، فعوضاً عن ان الدعوات المستمرة للعودة التى ظلت الحكومة السودانية تواظب علي اطلاقها، فان الحكومة تمكنت من إدماج بعض النازحين ومعسكراتهم فى المجتمعات المستضيفة.
و ذلك عن طريق تخطيط القرى والمدن السكنية و إعداد السكن اللائق بما جعل هذه المعسكرات بمثابة امتدادات طبيعية للمدن كما حدث فعلاً فى معسكر أبو شوك فى ولاية شمال دارفور ومعسكر (قارسيلا) بوسط دارفور ومعسكر (فوربرنقا) فى ولاية غرب دارفور إذ ان هذه التجارب عملية و تجارب واعدة وذات مردود اجتماعي ملموس فى تلك الانحاء حققت بالفعل عنصر الادماج المطلوب فى وقت وجيز للغاية.
ولا شك ان عبارة العودة الطوعية فى البدايات الاولى للنزوح  كانت من العبارات المستهجنة من قبل النازحين، بل ان بعضهم يتخذها وسيلة للعراك ولو قيلت على سبيل المزاح غير انه وبمرور الزمن وبسبب التحولات الفعية على الارض فان الامور تغيرت، خاصة بعد ان بدأت حركة عبدالواحد تتلقى هزائم متوالية ويتراجع عنفوانها وتفقد نفوذها تباعاً، ومن ثم بدأت عناصر الحركة تخرج من بعض المعسكرات هرباً من الاصطدام بالعناصر الحكومية.
 كما ان شدة تعنت حركة عبدالواحد ورفضها المتكرر للتفاوض جعل العديد من النازحين بحكم انسدد الافق امامهم ينفضّون من حول الحركة وتغيرت موافقهم ورؤاهم، بل ان بعضهم أوقف مساهماته المالية لدعم الحركة!
وقد تأثرت معسكرات النازحين بالعديد من الممارسات السالبة التى مارسها بعض قادة المنظمات الانسانية حيث استوعبت هذه المنظمات بعض ابناء دارفور الحائزين على قسط جيد من التعليم وتدرجوا فى وظائفهم المريحة هذه وبلغوا فيها شأواً عظيماً واصبح بامكانهم التحرك و التجوال فى انحاء عديدة من الاقليم داخل المعسكرات ومن ثم تحسنت اوضاعهم المادية – جراء هذه الوظئاف – وبعضهم بلغ درجة الثراء بسبب المرتبات العالية بالعملة الاجنبية، فقد كان لهؤلاء الشباب أثر كبير فى التحريض السالب ضد العودة الطوعية لان من الطبيعي ان يكون همهم استمرار عملهم واستمرار وجود هذه المعسكرات.
وهناك ايضاً بعض الفئات التى صارت وسيطاً بين المنظمات وسكان المعسكرات والحكومة وهي أيضاً مدفوعة بمصالحها الخاصة فى استمرار معسكرات النازحين.
وتشير بحوث ودراسات جرت في هذا الصدد ان الولاءات التقليدية فى دارفور تبدلت بعض الشيء من الولاءت للعمد والمشايخ ونظار القبائل التى آخرين يتولون ادارة المعسكرات وهو ما يعرف برؤساء ومشايخ المعسكرات, هي طبقة جديدة استحدثتها معسكرات النازحين بفعل الحاجة الى وسطاء وهؤلاء -للاسف- اصبحوا يتبعون عبد الواحد محمد نور ينفذون أوامره المالية ويحكمون سيطرتهم على سكان المعسكرات.
اذن هناك جهود حكومية ملموسة لتفكيك المعسكرات وإدماج ساكنيها فى المجتمع المستضيف ولكن تظل ممارسات الحركات المسلحة وحركة عبد الواحد على وجه الخصوص حجر عثرة امام امكانية اتمام عمليات التفكيك و اعادة الامور الى سابق عهدها الطبيعي كما ان قلة الموارد المحلية سواء الحكومة الولائية او حتى على المستوى الاتحادي من شأنه إبطاء عملية اعادة الدمج والتفكيك ويظل الدعم الاقليمي والدولي عاملا مهماً فى هذا الصدد لتمكين الحكومة السودانية من انجاز هذ الهدف الاستراتيجي المهم.

بيان يكشف هواجس ومخاوف الحزب الشيوعي السوداني!

على خلفية مخاوفه وتبدد آماله فى وصول الاحتجاجات الشعبية فى السودان الى اهدافها التى يتمناها، وبعد خفوت وتيرة الحراك، سارع الحزب الشيوعي السوداني لاصدار بيان ممهور بتوقيع سكرتارية اللجنة المركزية للحزب.
البيان الذي يقع فى حوالي ثلاثة صفحات جاء ممازجاً ما بين الاماني والاحلام، وحقائق الواقع المريرة، ومن المؤكد ان الحزب استشعر بجلاء النهايات غير السعيدة للحراك وخشي من تلاشيها فى ظل قناعات سياسية واسعة النطاق بدأت تتبلور بإتجاه الحوار، ومعالجة الاوضاع عبر لقاءات سياسية وتدابير متفق عليها.
 يشير البيان الى ضرورة تصعيد الحراك وإيصاله الى مرحلة نوعية تؤدي الى اسقاط النظام، على حد تعبير البيان، ويحث الحزب فى هذا الصدد (لجان الاحياء) للقيام بمهمة تنظيم هذه الاحتجاجات.
ثم يناشد البيان فى مفارقة مدهشة المهنيين للانضمام الى تجمع المهنيين! بما يشير الى ان تجمع المهنيين، الكيان الهلامي غير المعروف بدأ يدرك بعد فوات الاوان ان المهنيين ليسوا منضمين اليه!
ثم يمضي البيان ليدعو قوى المعارضة لضرورة التجانس وتوحيد صفوفها والاتفاق على الحد الادنى من اجل اسقاط النظام، فى اشارة لا تحتاج الى عناء ان الحزب الشيوعي وعوضاً عن مخاوفه بتبدد آمال الانتفاضة الشعبية واسقاط النظام يعيش هواجساً أكثر إثارة للقلق جراء الشقاق والفصام السياسي الواضح بين القوى المعارضة. وهي حالة ظلت ملازمة لقوى المعارضة منذ عقود من السنوات بسبب ضعفها ومطامعها الشخصية وخفة أوزانها السياسية التى يعرفها الجميع.
ولان الحزب الشيوعي السوداني يدرك ان السودانيين يدركون تشرذمات المعارضة وضعفها حاول ان يقدم بعض الحلوى بالاشارة الى أنَّ قوى المعارضة اتفقت على برنامج الحد الادنى عبر مواثيق وإعادة هيكلة الدولة السودانية واعلان الحرية والتغيير ومرفقات بعض التنظيمات المهنية والدستور الانتقالي المقترح من قبل قوى الاجماع!
البيان المطول الذى لا يخلو من استجداء للمتظاهرين والبحث عنهم داخل الاحياء لإعادة تحريضهم على الاحتجاج، بدا واضحاً انه بمثابة بحث عن طوق نجاة أو قشة يتعلق بها الحزب الشيوعي، إذ ان الحزب لسوء الحظ ظل يعزل نفسه منذ عقود عن اي حوار أو تفاوض ويخشى على ما يبدو ان تمضي الامور باتجاه تسوية وطنية شاملة تندفع اليها القوى السياسية قاطبة ولا يكون للحزب مكان فيها.
فالحزب الشيوعي ظل يراهن فقط على اسقاط النظام غير عابئ بالمتغيرات الجوهرية فى المعادلة السياسية الوطنية، غير مدرك لواقع الحياة السياسية السودانية الذى تجاوز المسميات القديمة والحلقات الجهنمية البالية؛ والاكثر أسفاً ان الحزب الشيوعي ذي الفاعلية الجماهيرية المحدودة للغاية يأمل فى تحريض سكان الاحياء والمهنيين ليكونوا وقوداً لثورة لن تأتي أبداً ولا تعلو وجهه حمرة الخجل من أنه يستثمر فى (جهود آخرين) ويتبضع فى سوق التظاهر بلا رصيد وإنما برصيد الآخرين في منحىً طفيلي إنتهازيّ لا تخطئه العين.

معسكرات النازحين في دارفور مخاطر ومهددات أمنية غير منظورة!

يشكل ملف النازحين ومعسكراتهم فى إقليم دارفور واحداً من أكثر الامور تعقيداً فى المسار الاجتماعي و الحياة الطبيعية السلمية في السودان. صحيح ان النازحين و معسكراتهم تسبب فيها النزاع الذي دار في الاقليم .
صحيح أيضاً ان العمل الانساني بصفة عامة عمل يلازم دائماً النزاعات والحروب كترياق لتداعياتها و الظروف الصعبة التى تخلفها المنازعات و الحروب غير ان العمل الانساني لم يترك هكذا على النطاق الدولي بلا قواعد و قوانين؛ بل ان العالم شهد فى العقود الاخيرة حديثاً مما بات يعرف بـ(القانون الدولي الانسانى) والذى تأسس على 4 مبادئ هي:
 الانسانية، الحياد، النزاهة، الاستقلال. فتلك هي دائما ركائز العمل الانساني وقد دخلت لاقليم دارفور مع بداية الازمة وظهور حركة النزوح ومعسكرات النازحين عدد من المنظمات الانسانية الاقليمية والدولية بدافع الإسهام في العمل الانساني مما جعل اقليم دارفور بحق (ساحة للعمل الانساني) ومسرحاً كبيراً لحركة وانشطة هذه المنظمات.
ومن هنا وبسبب حركة النزوح ونشوء المعسكرات ودخول هذه المنظمات الى الاقليم نشأت حساسية متبادلة بين الحكومة السودانية وهذه المنظمات. ومن المؤكد -وفق ادلة وشواهد- ان هذه المنظمات لم تكن بريئة ولا ان غرضها انساني محض، ولا تحلت -للاسف الشديد- بركائز العمل الانساني المشار اليها المتمثلة فى الانسانية والحياد و النزاهة والاستقلال.
ولهذا شاع وقتها اتخاذ الحكومة السودانية قرارات صارمة ضد عدد من هذه المنظمات من واقع مساسها بصميم سيادة الدولة وابتعادها عن اغراضها القانونية المعروفة. ويكفي في هذا الصدد ان ندلل على هذه الفرضية بأن مدعي عام محكمة الجنايات الدولية السابقة (لويس اوكامبو) لم يطرف له جفن حين سئل ذات مرة عن كيفية حصوله عل المعلومات التى استخدمها فى تحقيقاته ومرافعاته ضد المسئولين السودانيين فأجاب بغير تردد ان مصدر معلوماته (المنظمات العاملة فى دارفور).
وبحسب دراسات وبحوث ميدانية اجراها باحثون على امتداد اقليم دارفور فإن بعض المنظمات الطوعية هذه تحولت الى ما يمكن ان نطلق عليها (اقطاعيات) خاصة ببعض الاسر والعوائل الدارفورية. وقد ادى هذ العمل الى تحويل معسكرات النازحين في ما بعد الى تجمعات سالبة رافضة لأي تواجد حكومي بداخلها مدنياً كان أو عسكرياً و تواجد بعض منسوبي وعناصر الحركات المسلحة داخل هذه المعسكرات واكثرها داعم ومؤازر لحركة عبد الواحد نور الامر الذى يتنافى بلا شك مع كل الاعراف الدولية والقوانين الدولية المنظمة للعمل الانساني.
وكما أشرنا فإن المجموعات المسلحة مثل حركة عبد الواحد وجدت مرتعاً خصباً لانشطاتها داخل هذه المعسكرات بالتضامن مع بعض المنظمات الطوعية وأتبعت اساليب تخويف وترويع و توقيع الغرامات المالية واصدار احكام الاعدام بحق المقيمين بالمعسكرات او السجن، بل ان هذه الحركات نجحت فى فرض رسوم مالية على كروت الاغاثة الشهرية لدعم حركة عبد الواحد كما ظلت تجبر الشباب والصبية على التجنيد لصالحها بالقوة، وجميعها ممارسات تجري على مرأى ومسمع المنظمات الانسانية العاملة فى الاقليم دون ان تحرك ساكناً!
وهكذا ظل النازحون ومنذ العام 2003 عام اندلاع النزاع يعترضون على كل قرارات الحكومة السودانية ويقفون ضدها بفعل وجود الحركات المسلحة داخل هذه المعسكرات، فقد عارضوا قرار السجل الانتخابي و الاحصاء السكاني. وتشير وقائع التاريخ الى إنعقاد مؤتمر للنازحين فى معسكر (كلمة) فى 1 يونيو 2016 حضره ممثلون لـ(174) معسكر خرج بقرارات اهمها تفويض عبد الواحد لاقتلاع النظام، تسليم نسخ من التوصيات للامم المتحدة والاتحاد الافريقي والاتحاد الاوروبي والحكومة السودانية، منع التفاوض مع الحكومة، منع تخطيط المعسكرات، عدم العودة الى القرى والمدن قبل تحقيق شروطهم الخاصة بالامتناع عن التفاوض وعدم المشاركة فى الاستفتاء وطرد المستوطين الجدد ونزع سلاح المليشيات، وهي دون شك مطالبة سياسية بامتياز بما يشير الى ان النازحين تحولوا الى ناشطين سياسيين وحولوا معسكراتهم الى بؤر غير آمنة.
ولعل  أكثر ما يؤسف له فى هذا الصدد ان معسكرات النازحين فى دارفور تجاوزت –قانوناً- القيد الزمني المنصوص عليه فى قوانين العمل الانساني والمقرر ألاّ يتجاوز العامين فقط ومع ذلك ما تزال هذه المنظمات تعمل وتستقطب منظمات وطنية محلية لتواصل العمل مستندة الى دعم دولي غرضه الاساسي اشاعة الفوضى وعدم الاستقرار السياسي بما يجعل النازحين ومعسكراتهم أدوات من أدوات الحرب القذرة المفروضة على السودان. 

الأحد، 24 مارس 2019

تسريب ضار بالعملية السلمية في السودان!

 أبدى زعيم حركة العدل والمساواة الدارفورية جبريل ابراهيم استياءه البالغ جراء التصريحات التى أطلقها مؤخراً الدكتور على الحاج محمد؛ الامين العام للمؤتمر الشعبي والتى كشف خلالها الاخير ان جبريل يجري مفاوضات سرية مع الحكومة السودانية ربما تفضي به الى توقيع اتفاق سلام وتسنم منصب نائب الرئيس!
وبحسب مصادر تحدثت لـ(سودان سفاري) من العاصمة الفرنسية باريس فان جبريل ابراهيم اضطر لاجراء اتصال بالدكتور على الحاج مستنكراً فيها تصريحاته تلك واشارة د. علي الحاج بأن جبريل ابراهيم (ليس ببعيد عن المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية والمؤتمر الشعبي وأنه ذو علاقة قوية بهم)!
وقد نفى جبريل –بحسب المصادر– كل ما قاله د.على الحاج ونشرته بعض الصحفة السودانية مؤخراً ولا شك ان استياء جبريل واستنكاره لتصريحات د.على الحاج مردها الى ان جبريل يستشعر حرجاً بالغاً مع بقية رفاقه فى قوى المعارضة لأمرين:
الاول ان اجراؤه لمفاوضات بعيداً عنهم و بسرية تامة بكل ما فى ذلك من وصم بالخيانة ؛ والثاني ان جبريل مرتبط بالمؤتمر الوطني والحركة الاسلامية بما يصوره عنصراً مضاداً لبقية قوى المعارضة.
تصريحات الدكتور على الحاج التى من المؤكد ألحقت ضرراً بجبريل ابراهيم من قبل قادته وعناصره الميدانية التى من المؤكد انه لم يستشعرها ولم يناقش معها تفاوضه مع الحكومة –اذا صح التفاوض– الامر الذى يورث غبناً لدى عناصره من أنه ينفرد بإتخاذ المواقف فى غيبة مشورتهم و إحاطتهم علماً بما يجري.
وفيما يبدو ان جبريل وبغض النظر عن صحة تفاوضه مع الحكومة السودانية من عدمها يفضل ان يقيس درجة حرارة المياه التى يخوض فيها من قبل ان يحيط الآخرين بمواقفه وما يفعله، وهو أمر من الممكن ان يتفهمه المراقبون اذ ان أغلب الاتفاقيات السياسية الناجحة في العادة تحاط في بدايتها بالسرية المطلوبة للمحافظة على كل عناصرها بافضل ما يمكن وصولاً الى الاتفاق النهائي المبني على رؤى قوية مفيدة للطرفين.
وعلى ذلك فان المفاضات السرية و الحرص على سريتها ليست بدعاً فى حد ذاتها ولا تعتبر عيباً طالما ان السياسة هي فن الممكن وطلما ان اي إتفاق او تفاوض حتماً سوف يتم إخراجه الى العلن طال الزمن او قصر!
ويذخر التاريخ السياسي القريب للسودان ان اتفاق نيفاشا 2005 سبقته مفاوضات سرية بل حتى اتفاق ابوجا 2006م، وإتفاقية الشرق 2007 وإتفاق الدوحة 2012 كلها سبقتها مشاورات ومفاوضات احيطت بسرية كاملة لا لسبب ولكن فقط بغرض انجاحها و منع اي اسباب فشل قد تعترضها، ولعل ما يدعم موقف جبريل ابراهيم ان الحروب وحدها ومهما طال امدها ومهما انهزم طرف او غلب آخر لابد ان تنتهي بتسوية سياسية على مائدة مفاوضات.
 ولكن يظل رغم كل ذلك ما أدلى به د. على الحاج بمثابة تعجُل غير مفيد، وتسريب ضار بالعملية السلمية و د. على الحاج أحد ابرز خبراء التفاوض فى السودان ولديه العديد من الجولات فى السابق بغض النظر عن النجاح والاخفاق ولم يكن فى حاجة لإفساد العملية مقابل الكسب الاعلامي والسياسي!

الخميس، 21 مارس 2019

أخطر مؤامرة ضد الخرطوم.. معادلة السلاح والسياسة!

في أقل من ثمانية اسابيع، وعلى نحو يثير الهواجس حقاً ضبطت السلطات السودانية عددا ضخماً من الاسلحة والذخائر و بعض المتعلقات ذات الطابع العسكري كلها تأخذ طريقها نحو العاصمة الخرطوم.
ففي منتصف الاسبوع الماضي ضبطت السلطات السودانية مخبأ لاسلحة بكميات ضخمة ما تزال قيد التدقيق والفحص، فى منطقة (حلة البير) غربيّ مدينة ام درمان، احدى اعرق مدن السودان المشاطئة للعاصمة الخرطوم والمكونة لمناطقها الثلاثة.
المصادر المطلعة التى تابعت الضبطية البالغة الخطورة قالت لـ(سودان سفاري) ان أخطر ما فى الحادث ان الجناة دخلوا فى مواجهة مسلحة مع السلطات الامنية وجرى تبادل كثيف لاطلاق النار، وبعد إنجلاء المعركة فإن طبيعة ونوعية السلاح المضبوط كان صادماً للرأي العام فهو من نوع السلاح الخفيف والثقيل الذى يصلح للانشطة المسلحة داخل المدن.
و تمكنت السلطات من ضبط 3 من المتهمين ولعل الاكثرة مدعاة للهواجس ان ضبط اسلحة (حلة البير) إنما تم بناء على معلومات تفصيلية أدلى بها الجناة الذين تم ضبطهم بولاية القضارف شرقيّ السودان والذين كان قد تم توقيفهم وهم يحملون اسلحة على متن عربة (بوكس تايوتا) وعضد من صحة المعلومات الجناة الذين نجحت السلطات السودانية فى ضبطهم قبل سويعات (72 ساعة) بالقرب من (سوق ليبيا) غربيّ أم درمان.
في حادث القضارف المشار اليها اشتبهت عناصر من الجيش السوداني بالفرقة الثانية مشاة من ضبط الاسلحة اثناء قيامهم بعملية تمشيط روتينية على الحدود و تمثلت نوعية السلاح فى مدافع القرنوف والكلاشنكوف وجيم3. ولاية النيل الابيض هي الاخرى وضعت يديها على كمية مشابهة من الاسلحة بلغ عددها 97 قطعة من بينها (94) كلاشنكوف و 3 قرنوق وحوالي 1500 قطعة ذخيرة.
هذه الوقائع المتفرقة جغرافياً، والمتقاربة زمانياً أوضحت بجلاء ان هناك جهات إجتذبها الحراك الشعبي والتظاهرات التى شهدتها المدن السودانية مؤخراً فلم تتوانى فى التعامل بمنطقها السياسي الخاص بها! إذ المؤكد ان الحركات السودانية المسلحة والتى هزمت شر هزيمة فى ميادين قتالها وطواها الزمن ولم تعد تسيطر على مناطق، ولم يعد لها صيت كما كانت فى السابق، ورفضت رغم ذلك ذلك الجلوس للتفاوض وكسدت بضاعتها لدى الخارج؛ لم تتوانى فى محاولة الدخول الى الساحة السياسية بذات سلاحها.
 وليس بعيداً عن ذلك الاعترافات التفصيلية المؤلمة التى ادلى بها بعض المقبوض عليهم والتى ذكرت انها تتبع لحركة عبدالواحد محمد نور فى ذات سياق ما يعرف بـ(الخلايا النائمة). حركة عبدالواحد نور المهزومة ميدانياً والمعزولة سياسياً بفعل تعنت زعيمها لن تجد مسرحاً ملائماً لانشطتها افضل من مسرح حالة الاحتجاجات والتظاهرات لكي تصطاد في مياه الساحة السياسية العكرة لكي تضرب ضربتها وتقضية على الكل.
هناك أيضاً نقطة محورية هامة وهي ان السلاح المضبوط وفق الفحص الاولي سلاح اسرائيلي الصنع ومعروف علاقة حركة عبد الواحد باسرائيل، والكل يعلم بالعلاقة الجيدة بين الطرفين ووجود مكتب لحركة عبد الواحد هناك في قلب تل ابيب.
كما ان اسرائيل التى لا تنفك تنشر السلاح في عمق القارة الافريقية بغرض اثارة اوسع حروب اهلية داخل القارة تمارس هذا المسلك من باب شغل اعدائها بأنفسهم و تعطيل تقدمهم وهي استراتيجية راسخة لدى الكيان الاسرائيلي.
اذن هاهو ناقوس الخطر يطلق بشدة اذ لم يعد البعض يكفيه اشعال النيران على اطراف السودان، فقد ثبت عدم جدوى هذا التكتيك، لقد تغلب السودان على كل حروبه على الهامش والاطراف وتجاوز كل جراحاته ولم يبق الا اختراق قلب هذا البلد واشعال النيران داخل العاصمة الخرطوم أحدى اكثر بلدان العالم أماناً واستقراراً!
وهل ياترى ادرك بعضة الغافلين فى القوى السياسية المعارضة هذه المخاطر التى تسعى لخلط السلاح الحار بمياه السياسية الباردة عند ملتقى النيلين فى الخرطوم ؟

الأربعاء، 20 مارس 2019

المعارضة السودانية وإستعصاء إستيعاب مادة السياسة السودانية!

ما يزال ما يعرف بـ(تجمع المهنيين) غارقاً فى أحلامه السياسية بأن تُلقِى له ضفة الاحداث بجثة الحكومة الى حيث يقف ويرفض -استناداً الى هذا الحلم الوردي الأخاذ- اي تفاوض او مبادرة او عمل سياسي وطني من أي نوع.
ما يسمى بقوى الاجماع التى تصدر مشهدها الحزب الشيوعي السوداني هي الاخرى -فى تكرار ممل للاخطاء- ترفض المائدة السياسية الوطنية المفضية الى حلول سياسية ممكنة. قوى نداء السودان رغم اعلانها انها تملك مبادرة تحدث عنها السيد الصادق المهدي إلا انها ما تزال ما بين رافضة ومتعلقة بأمل المهنيين!
هذا المشهد السياسي المثيرة للدهشة والاستغراب لن تجده الا فى أوساط المعارضة السودانية. دائماً تأتي الفرصة والسوانح التاريخية النادرة الى المعارضة السودانية فى عقر دارها بلا مشقة، ولا عناء بقطوف دانية ولكنها –لأمر غير مفهوم مطلقاً– تركل السانحة برجليها ثم تعود وتبحث عن أمل ضائع فى نهارات السياسة السرابية المخادعة!
قبل حوالي 4 اعوام اضاعت قوى المعارضة سانحة الحوار الوطني وهي واحدة من كبريات المشروعات السياسية التى لا تتكرر عبر مائدة مستديرة وبضمانات حضور ونقاش وإنفاذ مخرجات وكان ممكناً وسهلاً للغاية ان تسيطر المعارضة سيطرة تامة على مشروع الحوار؛ وتحقق انجازاً سياسي غير مسبوق بفرض راؤها والاصرار على المشروع وحمايته وتقوية سياجه، فقد كان مشروعاً مبذولاً من الحكومة السودانية وسانحة وطنية (مجانية) لا تكلف دماء ولا مال ولا وسطاء ولا إراقة ماء وجه فى السوق السياسي الدولي. فقط إرادة وطنية، نوايا صادقة واصرار على الوصول الى الغايات المرجوة.
قوى المعارضة ربما من واقع شعورها بالبطر السياسي -اذا صح التبعير دقلت كل دلو المشروع فى وحل انتظار المجهول والانتفاضة العصية.
قبل مشروع الحوار الوطني -2014م- كانت قد مرت سانحة (نيفاشا 2005) ، فقد شكلت هي الاخرى مائدة سياسية عامرة، وبوابة دخول الى محفل سياسي جديد بدستور انقتالية محترم وفترة انتقالية طويلة - 6 سنوات، أهدرتها قوى المعارضة فى مهاترات سياسة وتمني الامنيات!
وفي هذه اللحظة المفصلية النادرة، قدم الرئيس البشير (تسهيلات سياسية) بحل الحكومة المركزية والحكومات الولائية والتخلي عن رئاسة الحزب الوطني والاعلان عن تشكيل حكومة كفاءات وطنية إيذاناً ببداية (صفحة جديدة) فى كتاب التاريخ السياسي السوداني. دون اي كلفة للمعارضة، فهي لم تتكلف عملاً سياسياً يؤبه له فى الشارع لم تقدم اية تضحيات، لم تخسر سياسياً، جاءها مشروع سياسي رئاسي يجرجر أذياله ولكنها ما تزال سادرة فى غيّها تنتظر عشاء المهنيين آخر الليل الطول البهيم!
من المؤكد ان السياسة فى مبتدئها و منتهاها هي فن المتاح والممكن و القوى المعارضة ثبت لديها استحالة تحقيق ما يدور فى خلدها بحكم المتغيرات، كما أنها تزداد ضعفاً ويتراجع تأييدها وينفض الناس من حولها، فما هي جدوى هذا الامل الطويل والحبال الواهنة التى لم تعد تأتي بالأماني الكاذبات؟

تجمع المهنيين.. نشطاء من (الماضي) ضلّوا الطريق الى (المستقبل)!

بعد انحسار موجة الاحتجاجات الاخيرة فى السودان، والقرارات المفصلية التى اصدرها الرئيس البشير عشية الثاني والعشرين من فبراير الماضي، فغن ما يسمى بـ(تجمع المهنيين) حار به الدليل تماماً!
وأولى المفارقات فى هذا الصدد كانت تعود الى سبب بسيط للغاية، فتجمع المهنيين لم يكن هو قادح شرارة الاحتجاجات ولم يكن قائدها ابتداءً، ولذا وحين انحسرت موجتها لم يجد ما يحرك به لسانه ليعجل بها!
 فمن تصاريف الاقدار السياسية هنا ان الذي يلحق بقطار متحرك ويتصرف وكأنه قائد القطار، سرعان ما يفتضح أمره ويدرك هول فجيعته حين يقرر قائد القطار الضغط على المكابح ووقف دوران الماكينة.
لقد حاول تجمع المهنيين عبثاً ان يعيد تحريك الشارع، تارة باطلاق دعوة للاضراب العام وحين فشلت وأبانت عجزه المؤلم، حول الى الدعوة الى موكب يتجه الى البرلمان لرفض قوانين الطوارئ، وحين أخفق اطلق الدعوة لما يسمى (بالعصيان المدني). والمؤسف فى كل هذه المحاولات العابثة و اليائسة انها كانت تجري والتجمع فى وادي وشعب السودان، بل والمهنيين أنفهسم فى وادي آخر!
فالكل ادرك ان تجمع المهنيين ليس هو قائد الاحتجاجات ولكنه (راكب) حصل على تذكرة مزيفة، وحين توقف القطار رفض النزول واستحال عليه مواصلة السير واستعصى عليه دفع القطار دفعاً بالدين!
ولا شك ان العظة السياسية الواضحة التى لا لبس فيها ولا غموض فى هذا الصدد ان تجمع المهنيين لم يقرأ جيداً السياق العام للمتغيرات السياسية الضخمة التى جرت تحت جسر السودان فى الألفية الثالثة. متغيرات جذرية لا يجدي معها استدعاء التاريخ القديم ومحاولة تفصيل بنطال سياسي حديث من جلباب كلاسيكي قديم.
فالسودانيون بصفة عامة ترقى مزاجهم السياسي بحيث باتوا على وعي وبواقعهم، سئموا التعدديات الحزبية بمكايداتها ومراوغاتها وألاعيبها التى لا تبني قاعة درس او غرفة عمليات فى مستشفى او مشروعاً خدمياً.
تجارب سابقة عديدة عاشها السودانيون تحت احلام الديمقراطية الحزبية الممتزجة بألاعيب الطائفية ونظريات يسارية تجاوزها التاريخ. الحكومات فى المخيلة الشعبية فى السودان يجب ان تقدم الخدمات وتسوس الناس وفق حاجاتهم ومنافعهم وإذا ما حادت علت الطريق تُوصل اليها الرسالة وعليها إلتقاطها وان تفعل الصواب.
من المضحك والمبكي ان يتعامل تجمع المهنيين بعقلية (جبهة الهيئات) -اكتوبر 1964- و (التجمع النقابي) -ابريل 1985- وأن يعتقد بعد كل هذه العقود الطويلة ان بالامكان اقتلاع الحكومات كما تقتلع الحشائش والنباتات ويحل محها حملة السلاح والمتعاونين مع المخابرات الأجنبية واليسار الحائر، الباحث عن المستقبل فى ثنايا الماضي السحيق.

الاثنين، 18 مارس 2019

النزعة العدوانية الخطيرة عبد الواحد محمد نور!

لا يبدو زعيم حركة تحرير السودان، عبد الواحد محمد نور مجرد حامل للسلاح من طرف من اطراف السودان بدوافع مطلبية وقضايا سياسية موضوعية قابلة للنقاش. عبد الواحد نور وفق ما اثبتته سيرته الذاتية وسلوكه وتصرفاته طوال الـ15 عاماً الماضية يمكن توصيفه بأنه العدو الاوحد للسودان.
ذلك ان حمل السلاح فى حد ذاته واستخدامه كوسيلة للاحتجاجات السياسية لا يشكل هاجساً كبيراً فى التاريخ السياسي السوداني، فهناك الكثيرون ممن لجأوا لهذا الخيار فى حقب مختلفة فى تاريخ السودان الحديث غير ان الفارق الجوهري الشاسع بين عبدالواحد وأولئك الاخرين، ان الذين حملوا السلاح حملوه جنباً الى جنب مع المسار السياسي التفاوضي، فحتى الدكتور جون قرن الذى يقال ان عبد الواحد يعتبره مثله الاعلى ظل طوال سنين حروبه وحركته يلتقي المفاوضين ويجلس مع الحكومة فى سلسلة متواصلة افضت فى نهاية الامر الى ابرام اتفاقية السلام الشامل نيفاشا 2005 ، وعاد الرجل بعد حروب وعراك شرس الى احضان بلاده مسالماً وشديد القناعة بالسلام.
لم يكن قرنق يرفض بتعنت أجوف منطق التفاوض والسياسة ولا كان يراهن على سراب او احلام. الأمر الثاني ان قرنق كان يقر صراحة بهزائمه ولا يجد حرجاً فى الاعتراف بنقاط ضعفه، والآن نرى عبدالواحد المهزوم شر هزيمة ما زال يزعم –وعلى نحو مضحك ومبكي– انه قادر على المواجهة!
لم يسبق لحركة قرنق ولا اي من الحركات الدارفورية المسلحة على الاطلاق ان زرعت خلايا نائمة بالداخل بغير اشعال اعمال عنف فى الخرطوم، وحتى حركة خليل حين ارادت ان تفعل جاءت عبر مواجهة مفتوحة وأدركت بعد فوات الاوان استحالة مواجهة النواة الصلبة لشعب السودان و المساس بشرفه العسكري.
د. قرنق ورغم كل علاقاته واتصالاته المشبوهة مع العديد من الكيانات وفى مقدمتها اسرائيل لم يكن (طينة طيعة) فى يد ضباط الموساد يوجهونه ويسيطيرون على رؤاه وموافقه إتفقنا او اختلفنا معه؛ بينما عبدالواحد يعد تلميذاً غير نجيب لعناصر الموساد لدرجة جعلت منه أسيراً لملذات قلما تمنحه هيبة الزعامة وشيماء السياسة.
ففي العاصمة الفرنسية باريس قبل سنوات انزلق عبد الواحد فى أتون ممارسات شخصية مخزية حتى ضاق به (برنارد كوشنير) وزير الخارجية فى عهد ساركوزي وأطلق تحذيرات لمراهنين عليه فى أوروبا وإسرائيل بألا فائدة او نفع يُرجيان من شاب منغمس فى ملذاته يفتقر الجدية، تنقصه الخبرة وتعوزه الكياسة ومقتضيات الزعامة.
عبدالواحد محمد نور قتل ونهب آلاف القرى والقبائل فى شمال دارفور وفى جبل مرة دون أدنى رحمة وهو يراهن على ساكني معسكرات النزوح. وحين زار المبعوث الامريكي دونالد بوث هذه المعسكرات لم يجد حرجاً فى تنبيه ساكني المعسكرات الى خطل المراهنة على عبدالواحد!
وتقول وثائق رسمية موثقة لدى احدى الدول الاوربية الاسكندنافية إن عبد الواحد مجرم حرب بامتياز بالنظر الى جرائمه التى ارتكبها فى جبل مرة بحيث صار الآن هدفاً لقبائل المنطقة. هذا السجل الحافل من السقطات والجرائم اضاف اليه عبدالواحد مؤخراً محاولة اختراق النسيج الامني السوداني بالداخل بزرع خلايا وتدريب عناصر مهمتها اشاعة اقصى درجة من الفوضى والقتل والدماء.
رجل كل هدفه ان يرى الخرطوم ممزقة، يغطيها الدم تتعاورها الطلقات ليأتي هو على سرج جواد أصهب فاتحاً للسودان!

الأحد، 17 مارس 2019

سيناريو السلاح والرصاص في الخرطوم!

من المؤكد ان الرئيس البشير حين كان يحدث الناس -قبل اسابيع- و الاحتجاجات الشعبية متواصلة هنا وهناك عن مخاطر انطلاق البلاد الى أتون حروب داخلية شديدة الشراسة وحركة لجوء ونزوح لا تبقي ولا تذر لم يكن يمارس مناورة او محاولة لامتصاص حماسة المتظاهرين وتهدئتهم.
الرجل كان يحدثهم من واقع حقائق ومعلومات وان غابت عن عامة الناس فهي بلا شك لا تغيب عن مسئولي الدولة وعارفي دقائق ما يحيط بها من مطامع و مؤامرات!
الآن شيئاً فشيئاً بدأت تلكم الحقائق فى الكشف عن نفسها، ففي غضون اسابيع قليلة و فى ظروف وملابسات متزامنة كثرت ضبطيات اسلحة فى مناطق مختلفة من السودان بدأت بولاية القضارف شرقي السودان وعلى مقربة من الحدود الشرقية حين عثرت دورية من الجيش السوداني اثناء عملية تمشيطية رويتينية على شحنة ضمت حوالي 97 قطعة و بعض المدافع و الذخائر ثم تكررت الحادثة فى ولاية النيل الابيض وهي ايضاً ولاية قريبة من بعض حدود السودان او هي معبر قريب من حدود جنوبية و غربية.
ثم توالت حادثتان فى مدينة ام درمان وحيث تم ضبط عدد من الشحنات التى بامكانها ان تتولى تسليح كتيبتان من الجيش! والرابط بين هذه الشحنات واضح و مثير للهوجس فهي اسلحة تصلح للانشطة العسكرية داخل المدن، كما انها كانت كلها تتخذ وجهتها للدخول الى العاصمة الخرطوم.
ومن جانب ثالث فهي اسلحة اسرائيلية الصنع! ومن جانب رابع فهي اسلحة اوتوماتيكية يراد لها حصد اكبر قدر من الارواح فى المواجهة الواحدة. أما الامر الذي يمكن اعتباره اخطر من كل ذلك فهو تصدي الجناة للسلطات السودانية و دخولهم فى مواجهة بالضرب المتبادل بما يؤكد تصميمهم على عدم الاستستلام! واصرارهم على حماية سلاحهم و بلوغ اهدافهم.
هذا السيناريو المقيت غير المقبول فى الساحة السودانية من الممكن ان يجد طريقه اليها اذا ما وفرت الاحتجاجات المناخ الملائم، ذلك ان هذه الاحتجاجات غير المطعون فى مشروعيتها هي شكل قانوني من اشكال التعبير السياسي وهي حققت اهدافها بوصول الرسالة كاملة غير منقوصة الى الرئاسة السودانية، ليس ذلك فحسب، فقد بادرت الرئاسة بالاستجابة لمطالب المحتجين بحل الحكومة المركزية وحكومات الولايات و الشروع فى الاصلاح واعادة النظر فى العديد من السياسات.
ليس هناك والحال كهذي ما يدعو الى تصعيد العملية و الدخول بها فى المجهول. فقد أمكن تحقيق قدرة كبير من المطلوب، بل ان السودان – بقرارات الرئيس البشير الشهيرة عشية 22 من فبراير الماضي حدث فيه تحول استراتيجي تاريخي ويمكن التأسيس على هذا التحول و بناء المستقبل، ليس هذا فحسب ولكن الرئيس البشير و إمعاناً منه في فتح قنوات الحوار وعمليات توافق سياسي واسعة النطاق اعلن مؤخراً عن قبول مبادرة سياسية مهمة من جهة أكاديمية مستقلة ومؤثرة وهي جامعة الخرطوم.
كل هذا ينبغي ان يوضع نصب الأعين للحيلولة دون تحقيق سيناريو الرصاص والسلاح!