الأحد، 21 ديسمبر 2014

قرار الجنايات الدولية الأخير.. قراءة تقريبية!

بمعيار نصوص القانون وسياقاته المختلفة فإن قرار المدعية العامة لمحكمة الجنايات الدولية بإعادة ملف تحقيقات إقليم دارفور إلى مجلس الأمن الدولي ووقف الإجراءات بمكتبها فإنه قرار لا يستند إلى نص قانوني من النصوص الواردة فى صلب الميثاق المنشئ للمحكمة فهي ليست عملية تجميد وفق المادة 16 كما أنها ليست عملية إنهاء للدعوى لأن طريقة إنهاء الدعاوي الجنائية معروفة، ولا تحتاج إلى رد الملف إلى مجلس الأمن الدولي!
ولهذا فقد أثار قرار المدعية العامة (فاتو بنسودا) الأسبوع الماضي، وما يزال يثير جدلاً قضائياً وسياسياً واسع النطاق. ولا شك أن أكثر ما يثير الريبة والشكوك حول القرار ودوافعه، القرار نفسه، فمكتب المدعي العام الدولي وفق توصيف ميثاق روما، ووفق التقاليد القضائية المعروفة هو مكتب قضائي يفترض فيه التصرف بقدر من النزاهة والحيادية وأن يبحث عن أدلة البراءة بذات القدر الذي يبحث فيه عن أدلة الاتهام؛ وفوق كل ذلك -وهذا هو الأهم وجوهر الأمر كله- ألاّ يأتي هذا المكتب القضائي بتصرفات غريبة وغير مألوفة. بمعنى أن يتحرى المدعي العام قدر ما وسعه أفضل الخطوات القضائية الواضحة حين يقدم على أي تصرف بشأن الملفات التي بحوزته.
ويشير خبير قانوني شهير فى عاصمة أوربية معروفة طلب منا حجب اسمه وهويته فى هذه المرحلة أنه (على ثقة تامة) بأن المدعية العامة دفعها شعورها القوى بالإحباط لاتخاذ هذه الخطوة. والإحباط هنا -بحسب الخبير القانوني- ليس مرده فقط جراء القصور الذي لازم عملية التحقيق من جهة، ومن ثم عدم نجاح خطة التوقيف وجلب المشتبه بهم إلى العدالة من جهة أخرى. إحباط بنسودا ناجم عن إدراكها الشخصي بأن التحقيقات التي تمت والأدلة التي جرى اعتمادها بالغة الضعف والوهن ولا تصلح لتأسيس إدعاء جنائي جدي ولو في حده الأدنى.
ويربط الرجل هذه الحقيقة بما كان قد تم بشأن اتهامات سابقة طالت وزير الصحة السوداني الحالي، إدريس أبو قردة، واضطرت المحكمة لإعلان براءته؛ ثم قضية الرئيس الكيني (كينياتا) والذي كان من المستحيل -وفق الخبير القانوني- أن يقبل بالمثول أمام المحكمة لولا (تطمينات) قوية ومسبقة بأن لا أدلة قانونية متوفرة لإدانته، وأن الأمر ليس أكثر من (محاكمة صورية).
ويمضي الخبير للتأكيد على حقيقة قاطعة قال إنها باتت تؤرق المهتمين بالقضاء الجنائي الدولي فى السنوات العشر الماضية وهي أن الأدلة المطلوبة للإدانة فى الغالب تبدو مستحيلة، وبالإمكان أن يتضمن أي دليل إتهام دليلاً مقابلاً -في وجهه الآخر- يصلح للدفاع.
المدعية العامة بحسب الخبير ومع كونها كانت تلميذة نجيبة للمدعي العام أوكامبو وعملت فى مكتبه لسنوات وكانت قريبة منه -إلا أنها (تمتلك رؤية قانونية خاصة) وقد أدركت -على الأقل فى العامين الماضيين منذ تسلمها للمنصب رسمياً- أن إقناع الرئيس السوداني البشير بالمثول أمام المحكمة مهما كانت درجة الإغراءات والتطمينات مستحيلة، بل من الممكن أن ينجح السودان فى إخراج عدد من الدول الإفريقية من ميثاق المحكمة فتخسر المحكمة مرتين، مرة بعدم قدرتها على إنفاذ قراراتها، ومرة بفقدانها لأعضاء فى ميثاقها!
حسابات المدعية العامة جرت بدقة وحذر شديدين ولهذا كان أفضل ما رأته بدلاً من لعق الفشل هو رد الأمر برمته إلى الجهة الآمرة بالتحقيق.
مجلس الأمن من جانبه ومهما كانت درجة تآمر بعض أعضائه سوف يجد صعوبة بالغة فى إعادة الملف مصحوباً بقرار أقوى إلى المحكمة فحتى لو أقصينا الفيتو -سواء من روسيا أو الصين- فإن الصيغة المتوقعة لأي قرار فيه إضافة جديدة الفاعلية أو آلية أفضل لن تكون سوى الحرب لا أكثر ولا أقل، وهذه دون شك قضية شائكة ومعقدة للغاية ولا مجال هنا للإفاضة فيها.
مجلس الأمن لا يملك أكثر من أن يدعو السودان إلى التعاون مع المحكمة وهذا قرار قديم وليس جديد. وعلى ذلك فإن الفرضية الأكثر رجوحاً فى هذه الصدد، أن تظل القضية فى أضابير المجلس لفترة ليست قصيرة ربما يستخدمها كورقة ضغط فى قضايا أخرى أو أن يحبس بها أنفاس الحكومة السودانية لأطول فترة ممكنة.
إجمالاً فإن تجربة محكمة الجنايات الدولية يمكن اعتبارها قد فشلت فشلاً ذريعاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق