الاثنين، 15 ديسمبر 2014

الحركة الشعبية والابتزاز السياسي

من الواضح أن سلوك الحركة الشعبية وتكتيكاتها التفاوضية تدل على عدم توفير الإرادة الحرة، فهذه التكتيكات ومحاولة إرهاق التفاوض وعدم ثبات الأجندة إن دلت على شيء فتدل على أن للحركة الشعبية أجندة أخرى فليست السلام في المنطقتين وحقن الدماء هو مرادها كما تزعم، نعم هنالك قضايا سياسية ولابد من الحوار الموضوعي والبحث عن أجندة وطنية مشتركة لمعالجة هذه القضايا ولكن ليست بطريقة الابتزاز السياسي وباستغلال البسطاء واستخدامهم أدارة لتنفيذ أجندة أخرى تخص الحركة الشعبية وما خلفها.
من الذي فوض الحركة الشعبية شمال لتقرر مصير أهلنا في المنطقتين، ومن الذي فوضها لتتحدث بإسم كل أهل السودان، فإذا افترضنا جدلاً أن الحركة الشعبية إحدي القوى السياسية، فلا يحق لها أن تفوض نفسها عن أهل المنطقتين وأهل دارفور وكل أهل السودان.
هنالك تقسير واحد لذلك السلوك الذي تنتهجه الحركة، وهو أن الحركة الشعبية الآن ما هي إلا أداة لتعزيز وإعادة ما يعرف بقانون المناطق المقفولة، فوجه الشبه بين مطالب الحركة وذلك القانون أن كليهما يهدفان إلى فصل عنصري وعرقي وديني لمواطني المنطقتين عن بقية أجزاء الوطن، فلتعلم الحركة أن أهلنا النوبة وأهلنا في النيل الأزرق هم مكون أساسي للمجتمع السوداني بتنوعه وهويته الأفروعربية التي تميزه من كل شعوب العالم، فهذا التنوع ينبغي أن يكون نقطة قوى بدلاً من أن يكون نقطة ضعف.
فقومية السودان ينبغي أن ترتكز على تنوعه الفريد والذي يعد صفة مميزة للشعب السوداني.
فإذا نظرنا إلى النضال ضد المستعمر كان له شكله القومي، فالثورة المهدية بالإضافة إلى توجهها الروحي والصوفي كانت حركة نضال قومية، فناهض معظم السودانيين بمختلف إثنياتهم الاستعمار في العهدين التركي والانجليزي.
فعلي سبيل المثال نجد في عام 1905 قاد سلطان يامبيو جيشاً من الثوار ضد المستعمر، وفي عام 1912م أرسلت إدارة الاحتلال البريطاني جيشاً لقمع الأنواك، كما ثار الشلك والنوير ضد الحكم الأجنبي في الأعوام 1913و 1914و 1917م، هذا فضلاً عن الحركات الوطنية التي ناهضت الاستعمار.
وبعد أن سحقت المقاومات الحكم الدخيل، رسمت الإدارة البريطانية ونفذت ما يعرف بسياسة المناطق المقفولة عام 1925م، وهكذا تم تهميش جنوب السودان عقاباً على ثورته ضد الحكم الغازي (وبعدها كانت التنمية في المناطق المقفولة من خلال بعض المنظمات التبشيرية وذلك ترسيخاً وتمهيداً لبناء جدار الفصل الأجتماعي والديني والعرقي).
وسعي الانجليز إلى فصل الجنوب في عام 1947م ولكن المؤتمرين خيبوا آمال الإنجليز وبقي السودان موحداً، بالرغم من أن الإنجليز في ظاهر الأمر يبدو أنهم كانوا يهدفون الى الوحدة بين الشمال والجنوب ولكن كانت نواياهم غير ذلك والدليل متمثل في سياسة المناطق المقفولة التي كانت من إحدى المهددات لفصل الجنوب ومن أبرز ملامح ذلك التمهيد الآتي:
(1) – استثناء الجنوب من المجلس التشريعي (البرلمان) ومنعه من مناقشة أي أمر متعلق بالجنوب.
(2) – ابتعاث الطلاب الجنوبيين ليوغندا بدلاً من كلية غردون وتغييب الدعوة الإسلامية مع تشجيع التبشير المسيحي.
(3) – قانون المناطق المقفولة (سن الانجليز هذا القانون بكل مكر ودهاء معتمدين على حيثيات وفرضيات تخمينية لا علاقة لها بالواقع، فاستغلوا قلة الوعي السياسي والمجتمعي وبنو ذلك الجدار الفاصل).
كما تم تهميش جبال النوبة عقاباً لها على ثورتها ضد الحكم الأجنبي وأيضاً سكان جنوب النيل الأزرق، الذين كانت الإدارة البريطانية حتى عام 1955م تضعهم ضمن ولاية أعالي النيل وتعتبرهم تعمدا جزءاً من الجنوب، وفقاً لسياستها الإنفصالية واستنت الإدارة الأجنبية قانون المناطق المقفولة عقاباً للمناطق التي ظلت بركاناً ضد الغزاة والحكم الأجنبي، وتفتيتاً وتمزيقاً لوحدة السودان وتماسك أراضيه ومجتمعه.
من المعروف أن الدول الاستعمارية تهتم بإدارة شؤون مستعمراتها القديمة من على البعد وبسياساتها الخارجية وأحياناً عبر أذيالها ووكلائها.
فحديث الحركة الشعبية عن الحكم الذاتي للمنطقتين وإلغاء الشريعة فيها يعد سيناريو يعيد من جديد قانون المناطق المقفولة، نعم هنالك أخطاء صاحبت تنفيذ الشريعة، والشريعة منهج متكامل في كل مناحي الحياة ولكن هذا ليس سبب لإلغائها ولا سيما أن معظم أهل السودان يعتبرون الشريعة خطاً أحمر.
من الطبيعي أن وجود غير المسلمين يترك فرصة ومساحة لمقاربة وتعديل القوانين ولاسيما تلك المتعلقة بالحدود الشرعية.
فكيف لأهلنا النوبة بعد تصاهرهم وامتزاجهم مع المكونات الاجتماعية الأخرى وبكوادرهم وبمثقفيهم أن تكون هذه الحركة متحدثة باسمهم، أما حان الأوان للتوقف الحركة عن هذا الهذيان، ما يدعو إلى الحيرة والعجب، طلب الحركة بحل الجيش والشرطة والأمن، فللهذيان والهضربة حدود، وليس من المنطق طلب حل مؤسسات الدولة وتحويلها الى ميدان لتصفية الحسابات السياسية، لا يمكن أن تكون مؤسسات الدولة ميداناً لتصفية الحسابات فإن كان هناك شعور بإقصاء أو استعلاء فهما صفة مميزة للقوى السياسية دون استثناء فلولا هذا السلوك لما فرض الواقع مصطلح اقتسام السلطة، وللحركة الشعبية أيضاً سلوكها الاقصائي والاستعلائي الذي كان ظاهراً في الفترة من 2005 الى 2010، فإذا كانت الحركة لا تفرق بين مؤسسات الدولة والحزب وتعتقد أن الإسلام دين خصومها السياسيين فهذه كارثة حقيقية تحتاج الى معالجة عاجلة لإيديولوجية الحركة الشعبية.
فجبال النوبة أنجبت رجالاً ونساءً أخياراً يدركون معني القومية والتعايش والسلام الاجتماعي والمواطنة، فمن آمثال هؤلاء النفر: الدكتورة الرائعة تابيتا بطرس، والأسقف يوناثان حماد كوكو منزول، وغيرهما من الأكاديميين والعسكريين والقانونيين والدعاء والشعراء والأدباء وقادة المجتمع والعمل التنفيذي في كل أنحاء السودان.
في كتاب الأسقف يوناثان بعنوان (المشاورة الشعبية وفق أحكام مرجعيات السلام الشامل لسنة 2005) افتتح الأسقف كتابه بأية من القرآن الكريم وأية من الكتاب المقدس، فهذا يدل على التسامح والتعايش الديني والسلام المجتمعي والاحترام والود المتبادل والمواطنة التي تعد بؤرة يجتمع فيها كل أهل السودان.
من ناحية أخرى نجد أن تصرفات الحركة الشعبية شمال وتفويض نفسها دون حق كممثلة لأهلنا النوبة وأهلنا في النيل الأزرق تسعي إلى تجديد بما يعرف بقانون المناطق المقفولة عبر قفشاتها وزنازينها الفكرية الضيقة، فمنحن السودانيون نختلف عن الآخرين فهنالك أواصر حب وصداقة ومصاهرة ومواطنة تجمع بين كل مكونات الشعب السوداني فينبغي أن نعزز مثل هذه العلاقات بدلاً من إعادة قانون الفصل العنصري لكي يسد فينا من يريد أن يفرقنا.
فليست القبيلة وطن ولكن كل قبيلة هي لبنة في بناء الأمة السودانية، فبالقواسم الوطنية المشتركة وبناء دولة المواطنة نصير مجتمعاً متماسكاً وسهماً في صدر كل من تسول له نفسه تمزيق وتفتيت المجتمع السوداني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق