الأحد، 1 فبراير 2015

الملاحقات القانونية للمعارضين، مكايدة سياسية أم ضرورات وطنية؟

البعض لا تسعه الدهشة وهو يرى الحكومة السودانية تستنفر كافة اجهزتها القانونية والقضائية لملاحقة قيادي سياسي معارض ارتكب خطا ما أوقعه تحت طائلة القانون. كثيرون هم الذين دهشوا حين أصرت السلطات السودانية قبل اشهر على مقاضاة زعيم حزب الامة القومي، السيدالصادق المهدي حين وجه اتهامات الى قوات الدعم السريع، اتضح لاحقاً أنه بالفعل اخطأ فى حقها وأدرك هو نفسه ذلك واضطر الى تقديم اعتذار مكتوب حصل بعده على اخراج بواسطة وزير العدل.
كما حدث ذات الشيء قبل سنوات حين تم اقتياد العميد عبد العزيز خالد من احدي الموني الجوية الخارجية فى الخليج وجرى تسليمه -عبر الانتربول- للسلطات السودانية في الخرطوم ولم يتسن للرجل الخروج من محبسه حينها إلا عبر كتابة إقرار موثق بألا يعود الى تلك المخالفة والتى كانت قد تمثلت في تفجير أنبوب نفطي فى احدى مناطق شرق السودان كما هو معروف. الامر نفسه وقع فيه زعيم حزب المؤتمر السوداني، ابراهيم الشيخ، حين خاض -دون تبصر- فى مهاجمة قوات الدعم السريع هو الآخر تأسياً بزعيم حزب الامة المهدي واضطر الرجل لاحقاً وعقب خروجه للشروع في محاولة الاعتزال العمل السياسي.
هذه فقط نماذج قريبة وحاضرة، وهناك عشرات النماذج التى سار بها التاريخ وجميعها تشير الى ان ممارسة العمل السياسي العريض ليست على اطلاقها فهناك أمور تتصل بالقوات لمسلحة و القوات النظامية عموماً، وهذه القوات لا تدخل في العادة المعترك السياسي سواء لكونها ذات صبغة قومية تتصل بهيبة وشرف الدولة أو حتى لتحاشي تثبيط همتها وروحها المعنوية لأنها في خاتمة المطاف تقدم تضحية مباشرة بدمها وروحها فلا يصح مهما كانت المبررات الزج بها في أتون الصراعات السياسية.
وعلى ذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل يمكن اعتبار الملاحقات القانونية التى تقوم بها السلطات السودانية لقادة معارضين -كما هو حادث الآن بالنسبة للسيد الصادق المهدي ومني اركو مناوي- هي ملاحقات من قبيل المكايدة السياسية المحضة مقصدها الاساسي النيل من الخصوم او اخضاعهم سياسياً أم أنها تستهدف الساحة السياسية من عمليات خلط الاوراق والتلاعب بسيادة وهيبة الدولة ووضع خطوط واضحة ما بين ما هو مباح للاستخدام السياسي وما هو غير ذلك؟
الواقع ان القول بالنظر الى الحالات التى رصدناها، ان الحكومة السودانية تحاول قدر الامكان تعزيز قضية سيادة القانون من جهة، وترسيخ مفهوم الممارسة السياسية الوطنية الخالصة بين كافة القوى السياسية من جهة أخرى ففي كل الحالات التى شهدناها حتى الآن كانت هنالك جرائم جنائية حتى ولو لبست لبوساً سياسياً، إذ أنّ القدح المعلى في مهنية القوات النظامية جريمة جنائية، كما أن عقد الاتفاقات والتحالفات مع الحركات المسلحة التى تقاتل الدولة –كما هو الحال في حالة المهدي ومناوي– هي جرائم جنائية منصوص عليها فى القانون الجنائي لسنة 19991 بتعديلاته المختلفة.
و لكن بالرغم من ذلك يظل المحك الحقيقي هو هل تهدف الملاحقة القانونية فعلاً لترسيخ مفهوم احترام الثوابت الوطنية وابعادها عن الصراع السياسي ام ان الأمر مجرد ملاحقة للضغط على الخصوم. لا شك ان الضغط على الخصوم  -مع كونه يتصل بنوايا قادة السلطات السودانية- إلا انه مستبعد مبدئياً وذلك لعدة اعتبارات؛ الاول ان الحكومة قضت حتى الآن ما يجاوز الـ25 عاماً فإن كانت ضعيفة وتنزعج من بعض خصوها لدرجة سعيها لاخضاعهم بالقانون لما بقت لكل هذه المدة.
الاعتبار الثاني ان الحكومة في كل الحالات المشار اليها حرصت على تطبيق قواعد القانون ثم أفرجت عن الاشخاص دون ان تحصل منهم على أية مقابل سياسي ربما تمثل في عدم معارضتها، أو التحالف معها ومن ثم لا مجال للقول انها اخضعت أحداً وحصلت منه على شيء.
الاعتبار الثالث ان بعض قادة المعارضة -الصادق المهدي على سبيل المثال- ظل يكرر ذات الخطأ وهذا يعني ان عملية الاخضاع ان كانت هدفاً لم تنجح وهذا مستحيل طبعاً اذا كان هدف الحكومة اخضاعه او التشفي منه. وعلى ذلك يمكن القول ان المقصود هو تنظيف الملعب السياسي من أدران الخلط الخاطئ ما بين المباح سياسياً وغير المباح الذي يمس شرف وسيادة الدولة وفيما يبدو فإن الامر ربما احتاج لسنوات لترسيخ هذا المبدأـ ولهذا تبدو الحكومة غير عابئة بالآثار الجانبية لكنها تدرك انها تفعل الصواب وطنياً!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق