‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا إستراتيجية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا إستراتيجية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 28 أبريل 2019

المجلس العسكري والثوار.. مخاطر إنفصام عري الشراكة!

 الجيوش؛ أي جيوش فى طول وعرض الكرة الارضية ليست ذراعاً للحكومة او نظام الحكم القائم ولكنها مؤسسة وطنية تعمل بانضباط لحماية ارض وشعب الدولة المعنية؛ بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم، وقد أثبت التاريخ السياسي السوداني -عملياً- هذه الحقيقة الساطعة فى تجارب سابقة، (اكتوبر 1964 وابريل 1985) حين عمل الجيش السوداني على المحافظة على الدولة وشعبها و أمنها القومي بعيداً عن العراك والخلاف السياسي بين الفرقاء والآن فى الوقت الراهن وربما للمرة الثالثة يمر السودان بذات التجربة حيث انحاز الجيش للشعب واستولى على السلطة واحدث التغيير الذى طالب به الشعب.
هذا المكون القومي المحترم يرتكز على هذا الارث الراسخ ومن ثم فان الاطراف السياسية والثوار مطالبون بأن يعلّو من قدر الثقة المتبادلة بينهم وبين الجيش، ولا لشيء ولكن على الاقل من اجل ترسيخ هذا الارث ليصبح صمام امان يحول دون انزلاق السودان في اي يوم من الايام فى أتون حروب تطيح بهيبة الجيش وتنزع عنه صفة احتكار العنف.
ومع أنه ليس من الواضح تماماً ماهية حساسية بعض قوى التى قادت الثورة من وجود الجيش كعنصر اساسي ومهم، بل وشريك فى ادارة المرحلة الانتقالية الى حين انتخاب حكومة مدنية ديمقراطية؛ إلا ان هذه الحساسية غير المبررة وفى اجواء السيولة السياسية المفرطة السائدة حالياً في السودان باتت تتجاوز المنطق بحيث أصبحت:
أولا، تنزع المهابة والتقدير من الجيش وتجعله واقعاً تحت رحمة الثوار وهؤلاء الثوار الذىين لهم كامل الاحترام والتقدير ما ينبغي ان يبالغوا فى الأمر للدرجة التى يستضعفون فيها جيش بلادهم ويجعلونه مشغولاً بهم بأكثر مما هو مشغول ومثقل بالهموم وصيانة الامن القومي وحراسة الحدود، فالجيش مؤسسة وطنية من الدرجة الاولى ولديه مهابته وقدره ومن المؤكد انه شريك بحسب الظروف التى وقعت فى صناعة واقع افضل يجنب البلاد الشرور والوقوع فى شراك المخاطر.
ثانياً، الضغط الشديد القسوة الذى يشكله الثوار على قادة الجيش بالتواجد الكثيف امام مقراته -ليلا ونهارا- بما يمنعه عن اداء انشطته المعتادة وتحريك آلياته وشعوره بمهابته المهنية، وربما يفتح الباب للاعداء المفترضين فى الداخل و الخارج لإدراك نقطة ضعف الجيش السوداني، ومن أين يمكن الضغط عليه وسد منافذ الهواء عليه، وهو امر –مهما كانت دواعيه– يلحق ضراراً دون  بالقوة المسلحة الوحيدة المتحركة للقوة فى السودان.
ولهذا فان تفويض المجلس العسكري الانتقالي للقيام بمهام الفترة الانتقالية فى ظل وجود حكومة مدنية من شأنه ترسيخ عملية الشراكة بين الطرفين من جهة، و تعزيز الثقة و تطويرها بحيث يسهم ذلك فى بناء دولة سودانية قوية تسع الجميع.
ان من مخاطر الانفراد المدني بادارة الفترة الانتقالية مع وجود تمثيل رمزي للجيش، أولاً، غلّ يد الجيش في تثبيت الاولويات الامنية و المخاطر المحدقة بالبلاد وهي أمور تكون لها الاولية، فالسودان وعوضاً عن مشاكل عديدة تحيط به فى جواره الاقليمي يواجه حركات مسلحة فى عدة جبهات مفتوحة قد تتطور وقد تكون قد تطورت الآن بالقدر الذى ربما لا يخطر على بال القوى المدنية.
ثانياً، القوى المدنية المنتظرة ان تعهد ادارة الدولة لها ومهما كانت محايدة وغير حزبية فهي دون شك مشغولة بأولويات اخرى تتمثل في رموز النظام السابق، وكيفية معالجة آثار النظام السابق ملاحقة رموزه، وهي أمور ربما تحجب هذه القوى المدنية عن ترتيب الاولويات.
ثالثاً، طبيعة التقاليد السياسية فى السودان (اكتوبر 1964- ابريل 1985) اوجدت سوابق اعطت الجيش هذه المكانة المميزة ومن الافضل ترسيخ هذه السوابق وأخذ الضمانات الكافية عليها بدلاً من مخالفاتها و الدخول فى تجارب جديدة لا أحد يعرف مآلاتها!

الاثنين، 22 أبريل 2019

الراهن السوداني وجدلية الثابت والمتغير!

التغيير الذى شهده السودان مؤخراً وتولى بموجبه المجلس العسكري الانتقالي سلطة ادارة البلاد برئاسة الفريق اول عبدالفتاح البرهان يمكن النظر اليه بأنه تغيير فرضته الارادة الشعبية  إذ المعروف ان شعب السودان قاد إحتجاجات منذ 19 ديسمبر 2018 افضت فى نهاية الأمر الى هذا التغيير.  ومن هنا فان الاوطان عادة ما يكون لديها ما هو ثابت من مبادئ وقضايا كلية وما هو متغير من حكومات وسلطات واسماء. وهو ما يحفز الآن للتنبيه وعلى نحو واضح على الثوابت المبدئية التى ما ينبغي الخلاف حولها، لان التجارب السياسية الثرة للسودانيين فى تاريخهم الوطني الحديث زاخرة بالخلافات و المنازعات حين تدين الامور للاحزاب والقوى السياسية المتعطشة للسلطة. 
تكثر من الخلافات والاختلافات وتنصرف - دون وعي وادراك- عن القضايا الحقيقية وتسرف فى التنظير وتأطير المفاهيم واطلاق التمنيات. ومن الثوابت المبدئية المهمة فى هذه المرحلة الجديدة قضية الوحدة الوطنية وهي القضية التى من اجلها وقعت الحروب و المنازعات المسلحة منذ ما يفوق النصف قرن. 
لقد قضى السودان زمناً بأكثر ما ينبغي لترسيخ قضية وحدته الوطنية، ولا شك ان المرحلة الانتقالية الحالية بمثابة محفز حقيقي لدعم هذا الثابت الوطني الغالي الثمن وذلك عبر: أولاً، إيلاء الثقة الكاملة للمؤسسة القومية الوحيدة ذات الاحترام الوطني ونعني بها القوات المسحلة السودانية، فهي التى تحمي وتصون تراب الوطن وهي التى تنصهر فى بوتقتها كل القوميات السودانية لتدافع عن هذا الوطن بتجرد وبدوافع وطنية نبيلة وليس من مصلحة أحد ان يقع الجيش السوداني فى مستنقع التجاذبات السياسية والشكوك المرسلة، وممارسة الضغوط، لان الجيش بهذه المثابة هو القلعة الحصينة التى يأوي اليها الجميع.
ثانياً، من المدهش والغريب حقا ان المحتجين استعصموا بالجيش وقيادته العامة وطلبوا منه الانحياز لرغبة الشعب فى تسليم السلطة، وانه بعد ما فعل، كان جزاء قادته –رغم التضحيات– انه اصبح فى مرمى نقد وتشكيك المحتجين دون ان يسأل احد نفسه ما كان سيصنع لو لم يقم الجيش بهذا الدور وهذه الاستجابة!
ثانياً، قضايا السودان ليست بذات السهولة والتسطيح التى ينظر بها البعض ويوجه عبرها النقد والتشكيك فى الجيش السوداني، كما ان الجيش السوداني وباعتباره مؤسسة قومية يحاول في حدود واجباته الامنية الوقوف على مسافة واحدة من كافة المكونات السودانية الوطنية فهو ليس جيشاً خاصاً بفئة دون أخرى ولا يتزيّا بزيّ حزبي او إثني ومن حقه ان يحسب خطواته بدقة وموضوعية وان يزن الامور بميزان الذهب وألاّ يتعجل فى إتخاذ قرارات ومواقف - كما حدث من قبل فى عام1985م- حين قررت حل جهاز أمن نميري يدفع ثمنها السودان غالياً لاجيال وعقود من السنوات.
رابعاً، العمل على السيطرة على روح التشفي و الانتقام والكراهية، فنحن حيال عمل سياسي والعمل السياسي فى خاتمة المطاف يحتمل الخطأ والصواب، وكل الذين مارسوا العمل السياسي طوال التاريخ الحديث للسودان أخطأوا حيناً وأصابوا حيناً آخر، وليس من الموضوعية فى شيء اشاعة روح الكراهية و شيطنة الآخر، واقصاء ساسة الامس ومحاولة القاء كل الشرور عليهم.
ربما بدا بعض ذلك قاسياً على (الثوار) والشباب الذين قادوا التغيير فى الميدان بحكم روح الثورة، ولكن هذه الثوابت الوطنية المطلوبة وان بدات للبعض عصية على القبول، فلكي تبنى وطناً حقيقياً – يجب ان تبنى وان تمضي الى الامام بروح النظر الى المستقبل وتجاوز الماضي، و التخلي عن الشيطنة والاقصاء. 
خامساً، احترام مؤسسات الدولة، مهما بدا للبعض ان الذين سبقوا غيروا وبدلوا وفعلوا الافاعليل إذ ان المقصد هو بناء الدولة وترسيخ المؤسسية، لا أن يبدأ كل عهد بهدم القديم دون ان يملك ضمانات تشييد وبناء الجديد.

الثلاثاء، 2 أبريل 2019

حلايب : مخاطر العبث بالموارد!

صدم السودان مؤخراً بالقرار الذى اصدرته السلطات المصرية بالاعلان عن عطاء للتنقيب النفطي فى مربعات نفطية بمثلث حلايب الحدودي المتنازع عليه بين مصر والسودان.
مرد صدمة السودان الى أن النزاع الحدودي على المثلث ورغم كل تعنتات الجانب المصري واصراره على تغيير الواقع إلا انه -بإتفاق الرئيسين السيسي والبشير- تم وضعه على اجندة الرئاسة حتى يمكن السيطرة عليه وعدم تركه يتداعى ليصل الى نقطة حرجة.
كما أن صدمة السودان حيال هذا التصرف المصري فى ان الجانب المصري (تصرف وكأن المثلث يخصه وحده ولا وجود لنزاع بين الطرفين). وفوق كل ذلك فان الجانب المصري –وهو أخطر ما فى الامر– يدفع بدخول (طرف ثالث) ممثلاً فى الشركات النفطية التى يدعوها لكي تتنافس للحصول على عطاء استغلال الموارد النفطية للمثلث.
باختصار يرى الجانب السوداني - وهو محق فى ذلك كل الحق ان الجانب المصري يتجه نحو تصعيد اكثر خطورة بإدخال (حرب الموارد) ضمن سياق النزاع القائم.
 الخارجية السودانية من واقع واجبها السيادي تحركت باتجاه ابداء احتجاجها ضد الخطوة المصرية، كما ان التجديد الروتيني لشكوى السودان فى مجلس الامن ظل يمضي بذات الوتيرة وقد جدد السودان شكواه لمجلس الامن لهذا العام فبراير 2019.
والواقع ان السلوك الرسمي المصري بشأن مثلث حلايب يثير الاستغراب، إذ ليس غريباً فى العلاقات الدولية ولا العلاقات بين الدول ان ينشب نزاع حدودي بين دولتين. الامر هنا معتاد ومألوف خاصة فى القارة الافريقية التى تعاورتها اقدام المستعمر الاوربي لقرون، مما دفع منظمة الوحدة الافريقية آنذاك لوضع قرار يقضي بأن تبقى حدود الدول الافريقية كما هي حين خرج منها الاستعمار.
لذلك لا أحد يستغرب من وجود نزاعات حدودية بين الدول كأمر لا يخلو  من أسانيد ودفوعات ومبررات، ولكن ما يثير الاستغراب ان مصر وضعت يدها على مثلث حلايب فى العام 1995 إثر خصام سياسي عابر بينها وبين الحكومة السودانية ودون إدعاء ان المثلث يخصها، ولا يوجد إداء يبرر ان كان المثلث يخصها!
 لماذا إذن لم تضع يدها عليه الا فى العام  1995م؟ مصر تصرفت فى هذا المنحى تماماً (كسلطة احتلال) لم تستاذن احد ولم تحاور او تناقش. وحين دعاها السودان كأمر حضاري معمول به فى العلاقات الدولية للتفاوض او التحكيم – كما فعلت فى (طابا) فى نزاعها مع اسرائيل- فإنها رفضت وما تزال ترفض بشدة دون مبرر منطقي.
السودان قال اكثر من مرة ان لديه وثائق واسانيد ومستندات عتيقة وتاريخية قوية تثبت أحقيته وأعرب عن رضاه التام عن اي حكم او نتيجة تقررها هيئة تحكيمية -بعد الاطلاع على هذه الوثائق- ولكن الجانب المصري ظل وما يزال يرفض. واكثر مدعاة للريبة ان الجانب المصري يسارع الزمن لكي يغير معالم المثلث بإنشاء المباني والاسوار والنطاقات الامنية وتجنيس السكان وتقديم الخدمات الاساسية لكي يثبت لنفسه ان المثلث يخصه.
كل ذلك والسودان يتروى ويتألم وينتظر باعتبار ان العلاقات الاستراتيجية ومقتضيات حسن الجوار والقوانين الدولية تقف دون إمكانية اتخاذ طريق آخر لاقتضاء حقوقه المسلوبة. ولكن الان بلغ النزاع مبلغاً خطيراً للغاية بفتح المثلث لعطاء او مزاد تنقيب لدخول شركات اجنبية للاستثمار فى موارد هي على الاقل متنازع عليها ولم يحسم النزاع حولها بعد.
هذه الخطوة المصرية بالتأكيد بالغة الخطورة وكما أكد السودان ان الشركات النفطية التى تستجيب للعطاء المصري تعرض نفسها للمساءلة القانونية و المطالبة القضائية بالتعويض؛ فالسودان يملك الحق فى المطالبة بالتعويض المجزي عن اي عمليات بترولية على ارض حلايب باعتبارها مسلوبة علناً من أرضه وموارده وله فى القوانين الدولية سنداً قوياً باعتبار ان المثلث ما يزال محل نزاع لم يحسم لصالح الحكومة المصرية، كما ان الحكومة المصرية – للاسف – تستغل ظروف السودان الحالية لتمرير اجندة خاصة غير مشروعة وعلى أساس غير اخلاقي.

الأحد، 24 مارس 2019

آلية الحل الإستراتيجي الوحيدة الآن في السودان الحوار!

 الثابت الاكبر فى القضايا والشئون السودانية والذى بات موضع اتفاق الكل بغض النظر عن المنطلقات، ان التحاور و الأخذ والرد وتبادل المشورة الوطنية بين كافة الفرقاء هو الحل الاستراتيجي الامثل والوحيد.
ففي تاريخ السودان الحديث تم الوصول الى استقلال السودان عبر التحاور وتبادل الرأي ليبلغ التوافق اعلى درجاته و تجلياته فى 19 ديسمبر 1955 يوم أن اتفقت قوى المعارضة والقوى الحاكمة على الاستقلال ورفع علم السودان فى باحة القصر الجمهوري بيد الحكام و المعارضين.
كما تم الوصول الى صيغة سياسية نهائية أنهت اطول حرب اهلية طاحنة فى افريقيا – بين السودان وجنوبه – فى يناير 2005 عبر حوار طويل وشاق ومضني. نجح في خاتمة المطاف فى إنهاء الحرب الاهلية الطويلة ووضع اطار استراتيجي تاريخي للنزاع المزمن بإنشاء دولة جنوبية منفصلة.
والشاهد هنا على وجه الخصوص بشأن قضية الجنوب أنها حرب طويلة استمرت منذ ما قبل الاستقلال وحتى العام 2005 أي نصف قرن لم يتسنّ وضع حد لها الا عبر الحوار الكبير والمساومة التاريخية.
قضية اقليم دارفور هي الاخرى ورغم كل قرارات مجلس الامن ومحكمة الجنايات الدولية وقوات حفظ السلام وعشرات الآليات الدولية غير ان اتفاقية الدوحة 2012 وضعت لها إطار استراتيجي و الذى على أساسه بدأ الانسحاب التدريجي لقوات حفظ السلام، كما انهت اعمال العنف، كما أنجزت المئات من المشروعات التنموية و الخدمية فى الاقليم، بل ان اتفاقية الدوحة – المبنية على حوار استراتيجي – اصبحت بمثابة اتفاقية مرجعية ظل العديد من حملة السلاح ينضم اليها بإضطراد.
مشروع الحوار الوطني الذى انطلق بمباردة حكومية (يناير 2014) هو أيضاً مشروع وطني اضافي ذي طابع استراتيجي أسس لوثيقة وطنية ما تزال وستظل مرجعاً سياسياً يستحيل الاستغناء عنه بحال من الاحوال، فهي وثيقة وضعت اطاراً شاملاً لقضايا السودان السياسية الوطنية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية بمشاركة تاريخية واسعة النطاق من عشرات الاطياف السياسية والفكرية والفئوية السودانية ولم يستثن أحداً. حتى حملة السلاح حضروا وشاركوا عبر ضمانات قوية، قالوا رأيهم بصراحة وتم وضع رؤاهم فى المخرجات النهائية التى بلغت حوالي 993 مخرجة!
وعلى ذلك فان السودانيون فى واقع الامر يرقدون على تل هائل من التراث السياسي السلمي المبني على المجادلة بالحسنى والتحاور واحترام الرأي الآخر. والغريب ان السودانيون يبدعون ويبلغون غاية تجلياتهم حينما يجلسون فيما بينهم دون وسطاء. وهو ما ظل يثير استغرااب الكثير من دول الجوار والمحيط الاقليمي والدولي، اذ ان الفرقاء السودانيين ينفردون بميزات نادرة اذا جلسوا لمناقشة قضاياهم وهو ما أهلهم لانجاز تسويات سياسية اقليمية مهمة عجز عنها الاقليم والمحلي والدولي، كما حدث فى النزاع الجنوبي الجنوبي الذى تم إنهاؤه بأيدي سودانية و بذات خبرة ادارة الحوارالسوداني والنزاع فى افريقيا الوسطى.
فاذا كان الامرة كذلك فان الوضع الراهن الآن في السودان وكما دعا الرئيس البشير فى خطابه عشية 22 فبراير الماضي لا مجال فيه لحلحة الازمة الا بالحوار. فقد دعا الرئيس البشير الكل دون شروط مسبقة ودون استثناء للتحاور. بل ونشط الرئيس شخصياً فى الالتقاء بالعديد من قادة القوى السياسية كما حدثت لقاءات رئاسية مع حملة السلاح مثل جبريل ابراهيم  قطعت المحادثات شوطاً كبيراً من المؤمل ان تقود الى لقاء واسع فى المرحلة القريبة المقبلة لوضع اطار استراتيجي للحل الشامل.
ولا شك ان هناك معطيات ايجابية جيدة فى الوضع الراهن في السودان، فقد بدا واضحاً: أولاً، ألاّ مجال للغلبة لأحد. ثانياً، ان قضايا السودان مزمنة و متوارثة ولا يمكن حصرها فى نظام حكم بعينه. ثالثاً، ان المتغيرات فى شتى المجالات تستلزم نظراً مختلفاً لطبيعة القضايا. رابعاً، إن تجربة الحروب وحمل السلاح أكدت انها غير مفيدة لكونها تفتح الباب للتدخل الخارجي وتطيح بلُحمة التماسك.
هذه المعطيات الحاضرة فى أذهان الجميع التى تزيد من ضرورات الحوار وضرورات التمسك به، حيث لم يعد ممكناً اسقاط نظام حكم تم الشروع فى التأسيس لنظام جيد دون الاستفادة من عظات ودروس التاريخ، كما لا يمكن ان يتم اقصاء احد مهما كان دوره، لان الوطن للجميع ويسع الجميع.

الأحد، 17 مارس 2019

مورد طبيعي وسلعة إستراتجية غالية فى السودان!

 رغم كل الموارد الطبيعية الراقدة فى باطن الارض في السودان نفطاً كانت أم ذهباً او نحاس او كروم او حتى رمال سوداء ويورانيوم ومحاصيل نقدية، او على ظاهرها من انهار وأراضي خصبة وأودية كما الجنان؛ رغم كل هذه الموارد الضخمة الغالية الا ان السودان لمن عرفه عن قرب ومعايشة يحمل اغلى سلعة استراتيجية تفوق هذه السلع و الموارد الطبيعية وهي سلعة الامن والااستقرار.
على مدى ما يجاوز الـ50 عاماً منذ استقلال واجه هذا البلد الحرب الأهلية الاطول في افريقيا وباتفاق المحللين السياسيين وهي حرب الجنوب وصرف خلالها ما يفوق الـ 37 مليار دولار ومات خلالها مئات الالاف بنسبة عالية من فئات الشباب ولكن رغم كل ذلك ظل السودان آمناً مستقراً!
السفير الامريكي السابق (ثيموني كارني) كان اكثر السفراء الاجانب فى الخرطوم سعادة و استمتاعاً بالامن والاستقرار فى السودان و لم يكن يجد ادنى حرج فى ممارسة انشطته الرياضية والتجوال غير الرسمي فى انحاء العاصمة الخرطوم.
سفراء كل الدول الاجنبية فى الخرطوم كانوا يتجولون فى انحاء الخرطوم ومدن السودان بل ان بعضهم -وحرب الجنوب مستعرة- كانوا يذهبون الى احراش الجنوب ومدنه وعواصمه دون حراسة مشددة. والكل يعرف القصة التاريخية الموثقة للبارونة كوكس التى كانت تزور المناطق التى تسيطر عليها الحركة الشعبية وتتجول كما تشاء.
وزيرة الخارجية السابقة (مادلين أولبرايت) سبق و ان حملت على متن طائرتها أطفالاً من جنوب السودان فى تسعينات القرن الماضي بزعم الحاقهم بمدارس ومؤسسات تعليمية فى أوروبا والولايات المتحدة لصناعة مستقبل افضل لهم!
كان وما يزال المدهشة فى الشأن السوداني ان حروب الجنوب ودارفور ورغم كل ما اشيع عنها إلا انها لم تعرقل الامان السوداني وحالة الاستقرار الشديدة المتانة فى نسيج هذ البلاد والمثيرة للاستغراب.
بعض سفراء الدول الغربية حينما كانوا يتعرّضون للاوضاع فى السودان فى جلسات مجلس الامن بمقره فى نيويورك كان يبدو عليهم تناقض بالغ، يجتهدون فى مداراته حينما تبدو ملامحهم تشع بالراحة و الطمأنية بينما يتحدثون عن المجازر والابادة الجماعية فى دارفور. فأحاديثهم و تقاريرهم المحشوة بالخيال و الاوهام لم تكن تتسق ابدا مع ملامحهم و مقدار الراحة التى تظهر جلياً على محياهم!
وحتى حين إندلعت الاحتجاجات الاخيرة فى السودان فى 19 ديسمبر 2018 وتم حرق مؤسسات حزبية ورسمية وعمت الفوضى بعض المدن و العواصم فان البناء الامني الطبيعي لشعب السودان حال دون انفراط الامن و الذى يقارن شدة قوة الاحتجاجات فى ايامها الاولى بعدد القتلى المتراوح ما بين 30 و 50 فإن المقارنة تبدو لصالح الامن والاستقرار فى السودان وصلابة نواة البلد وقوة شكيمة نسيجه الاجتماعي.
وهو أمر تعززه حادثة وفاة الراحل قرنق فى ما عرف بأحداث الاثنين الاسود (اغسطس 2005) حيث عمت الفوضى ليومين او ثلاثة ولكنها أبدأ لم تنفذ الى عقم حالة الاستقرار العام ولم تمس صميم البناء الوطني المتين للسودان.
ولهذا فان هذه  السلعة الغالية يمكن تعريضها لامتحان عبر تسريب السلاح الى داخل العاصمة الخرطوم توطئة لجعله جزء من المعادلة السياسية العامة، اذ ان الخرطوم فى راهنها الحالي تمثل عمق نواة السودان ويسكنها اكثر من ثلث سكان السودان وهي شريان و قلب نابض وطالما ان حملة السلاح فشلوا فى تقويض اركان السودان عبر اطرافه منذ عقود؛ فإن المحاولة اليائسة الاخيرة من الممكن ان تستهدف طعن السودان فى صميم قلبه وإخراج أحشائه.
لقد ادرك اعداء هذا البلد – وللاسف أعدائه من بين أبنائه – ان السودان يرقد على تل ضخم من الامن والاستقرار و السلام الاستراتيجي وهي سلعة عالمية نادرة وغالية، ولهذا يريدون ان يختطفوا هذ السلعة بأي ثمن!

الأحد، 10 مارس 2019

لماذا كذّب السودان كل توقعات السقوط؟

يستسهل الكثير من المحللين والمراقبين النظر والتحليل للطبيعة السياسية والثقافية والاجتماعية للسودان. وفى كثير من الاحيان يخلط هؤلاء خاصة مراقبي المحيط العربي و المهتمين بقضايا المنطقة الافريقية و العربية ما بين ظروف و معطيات دول المنطقة وظروف و معطيات و الطبيعة المتفردة للسودان وتركيبته الاجتماعية وطبيعة شعبه ومزاجه العام.
لا نغالي أبدا من خلال بحثنا وتعمقنا الذى يمتد لعقود طويلة فى البحث و التنقيب فى الشأن السوداني، لا نغالي ان قلنا ان هذا البلد وشعبه و ثقافته المدهشة لا تشبه ثقافة محيطه و جواره العربي و الافريقي.
لقد تميز هذ البلد ببعض الميزات التى جعلته مختلفاً، صحيح هو وبحسب موقعه الجغرافي جسر بين العالمين العربي والافريقي وصحيح هنا أيضا ان بنيته السياسية و الاجتماعية ما تزال فى حالة تبلور و يذخر بالعديد من المثالب و التعقيدات الصعبة؛ ولكن ومع ذك  فان السودان مختلف. كيف ذلك؟:
أولاً سبق السودانيين العديد من دول المنطقة فى نيلهم استقلالهم و جلاء المستعمر منه -بما في ذلك جارته مصر نفسها- التى لم يتسن لها تحقيق الجلاء إلا بعد العام 1956 بعد ان كان آخر جندي انجليزي خرج من السودان فى الاول من يناير 1956م.
نيل الاستقلال وتحقيق الجلاء قاده السودان ضمن سياق نضال سلمي ذكي بحيث تم الاعلان الاستقلال كما هومعروف من منصة (تشريعية) البرلمان. وهو أمر تفرد به السودان دون سائر البلدان وهذا بدوره خلق له خصوصية سياسية وأعطاه تجربة سياسية مبكرة و قدرة على ادارة أموره بالطريقة السودانية.
ثانياً، انجز السودان فى عقود ثلاثة ما بين اكتوبر 1964 و ابريل 1985 انتفاضتين ثوريتين بطريقة سلمية ذكية قادها شعبه وطلائعه المثقفة فى ظل وجود انظمة شمولية قابضة فى المنطقة ولفت الانظار بحق الى عبقريته. وهذا ايضاً اكسبه خصوصية إنجاز الثورات و الانتفاضات على النحو الذي يميزه.
ثالثاً، عند انطلاق ما يعرف بثورات الربعي العربي - عام 2011- لم ينجرّ السودان قط لتلك الهوجة اذا صح التعبير، فقد كان قد فرغ للتو من انجاز عملية سلمية (نيفاشا 2005) وضعت حداً لحرب اهلية وأكمل فترة انتقالية و اعطى جنوبه حق تقرير مصيره.
السودان كان وقتها يعطي درساً خاصاً به انه قادر على حلحلة أزماته، و المحفاظة على دولته و تأمين اركان الدول السودانية و تحصينها من السقوط. وتتجلى عبقريته شعب السودان هنا في أنه بدا وكأنه يتنبأ بمآلات ما سوف تصل اليه مشاريع الربيع العربي الخاسرة التى اسقطت دول عديدة فى المنطقة وإنزلقت بها فى وادي سحيق من الدماء و الاشلاء و غياب سلطة الدولة.
رابعاً، فى الحراك الاخير -ديسمبر 2018م- فقد بدا واضحاً ان السودان يود تغييراً بحسابات وعبر جراحة (موضوعية) ماهرة لاستئصال نتوءات غير صالحة. وكان واضحاً ان الاحتجاجات الشعبية كانت في حدود التغيرات من اجل الاصلاح و ليس التغيير الاعمى المفضي الى سقوط وفوضى و انزلاق، وهي اشارة التقطتها الحكومة السودانية بذات القدر المقدر من الذكاء و شرعت فى المعالجة والحلول.
خامساً، قرارات الرئيس البشير -الجمعة 23 فبراير 2019م- كانت اجابة شافية أثلجت صدر الشعب، فقد تولى الرئيس نفسه حركة التغيير من اجل الاصلاح مع تمام المحافظة على الدولة السودانية و أمنها و أمانها، مع السعي للاصلاح و العبور نحو الافضل.
كان واضحاً ان رسالة ذكية ارسلها الشعب الى الحكومة السودانية ووصلت بالفعل وكان أهم ما فيها العض بالنواجذ على الدولة السودانية وأركانها وأعمدتها و عدم الدفع بها الى المجهول، مع اجراء التغيير وفق الهوى والمزاج السياسي السوداني المعروف.
لهذا كذب السودان كل توقعات الذين ترقبوا سقوط دولته و اللحاق بمشروع الربيع العربي الخاسر، فهو بلد أذكى من ان ينقاد وراء الآخرين، وهو يقود نفسه باستراتيجية خاصة قلما يستوعبها من يلهثون وراء أحداثه من خارج الحدود!

الأحد، 3 مارس 2019

حالة الطوارئ فى السودان.. أهداف محددة ونتائج إيجابية!

ضمن سياق التدابير السياسية التى أطلقها الرئيس السوداني البشير عشية الجمعة 22 فبراير الماضي بحل الحكومة المركزية وحكومات الولايات و الاستعانة بالمؤسسة العسكرية فى الجهاز التنفيذي للدولة، اصدر الرئيس البشير أمراً بفرض حالة الطوارئ مستندا فى ذلك الى المواد 58 و 211 من الدستور السوداني 2005م.
والتي يحق للرئيس البشير ان يصدر بناء عليها اعلان حالة الطوارئ اذا كان هناك خطر داهم او وشيك يتهدد الدولة، او ازمة اقتصادية أو وباء، أو اي ازمة تتطلب مواجهتها حالة استثنائية تتيح للرئيس إحكام سيطرته عليها.
كما ان الرئيس واستناداً على صلاحيات حالة الطوارئ المنصوص عليها هي الاخرى فى (قانون الطوائ والسلامة العامة 1997) أصدر الاثنين 25 فبراير 2019 خمسة أوامر طوارئ تتعلق بحظر التجمعات غير المشروعة و التعامل فى النقد الاجنبي و تهريب السلع الاستراتيجية (الوقود) او ترحيلها من مكان لآخر دون إذن؛ وطلب من النائب العام و رئيس القضاء تشكيل نيابات طوارئ و محاكم طوارئ و صدرت بالفعل أوامر تأسيس محاكم ونيابات طوارئ فى كل ارجاء السودان.
اذن فرض حالة الطوارئ تم وفق صلاحيات الرئيس الدستورية كما ان دواعي فرضها المتمثلة فى الازمة الماثلة فى السودان خاصة الاقتصادية و اقترابها من الازمة السياسية فى ظل وجود مضاربات علنية فى العملة الاجنبية و عمليات تهريب للسلع والبضائع الاستراتيجية لدول الجوار عبر الحدود، هذه كلها جعلت من قرار فرض حالة الطوارئ قراراً سليماً وصحيحاً من الناحية الدستورية والقانونية وبالنظر الى حقائق الواقع على الارض، ذلك ان حالة الطوارئ وفق تعريفها القانوني هي (حالة وجود مهددات غير طبيعية او طبيعية تنذر بإحداث اضرار بالغة بالشعب او الامة لدولة معينة).
وهي بهذه المثابة تتطلب عملاً استثنائياً لمواجهة الحالة نفسها وتزول هذه الاجراءات الاستثناية بزوال الاسباب. وهي لا تعتبر حالة شاذة او معيبة قانونياً والكل يعرف ان الرئيس الفرنسي (ماكرون) لجأ لفرض حالة الطوارئ فى فرنسا جراء احتجاجات وذي السترات الصفر قبل اسابيع . الامر نفسه فعله الرئيس الامريكي ترامب فى اعقاب الخلاف حول الموازنة و قضية الجدار.
اذن هي ليست أمراً شاذاً او لا تجد سنداً قانونياً وسياسياً خاصة وان الدستور السوداني 2005 قرر عرضها على البرلمان للنظر فيها حتى تأخذ صفتها التشريعية وهو ما يجري الآن بالفعل فى اروقة البرلمان السوداني. غير ان اهم الملاحظات التى تلاحظ على حالة الطوارئ المفروضة الان في السودان ولمدة عام كامل:
أولاً، لم توجه بصفة خاصة تجاه المتظاهرين، فقد قامت بعض التظاهرات اثناء فرضها، بل فى ليلة اطلاق الرئيس لتدابيره السياسية عشية الجمعة قبل الماضية ولم تتحرك الاجهزة الشرطية لقمع المتظاهرين باستخدام قوانين الطوارئ.
ثانياً، أتاحت الفرصة للقطاع الاقتصادي فى السودان لمعالجة المضاربة فى العملة الاجنبية و التلاعب بالاقتصاد. إذ سرعان ما اختفت العناصر التى كانت تتاجر فى العملة فى شوارع العاصمة الخرطوم وعلى اطراف الاسواق اذ ان العقوبات المنصوص عليها فى القانون، فى ظل حالة الطوارئ تصل الى 10 أعوام سجناً، مع مصادرة الاموال المستخدمة في الجريمة.
اذن حالة الطوارئ لم تفرض اية قيود اضافية تنتقص من الحقوق السياسية و تنتهك الحرمات؛ الهدف الاستراتيجي منها وفقاً لما ذكره الرئيس البشير نفسه فى خطابه هو المحافظة على استقرار الدولة ومحاصرة الجرائم و الألاعيب الاقتصادية التى تفتك بجسد الاقتصاد السوداني. 

الاثنين، 25 فبراير 2019

من دفتر يوميات التظاهرات فى السودان.. حقائق ووقائع!

منذ بداية الاحتجاجات فى السودان فإن صحيفة (سودان سفاري) الالكترونية قررت ان تخوض تجربة التوثيق التاريخي ومحاولة ملاحقة الاحداث وإجراء احصاء لما يجري سواء على صعيد اعداد التظاهرات، او اعداد المشاركين فيها، وعدد الولايات، والموقوفين ومن أطلق سراحهم أو الذين ما زالو قيد الايقاف سواء لدى الشرطة او جهاز الامن؛ والمصابين والقتلي وهكذا.
وبالطبع لم تكن المهمة سهلة خاصة وانت تتحدث عن بلد كالسودان عنصر التوثيق والاحصاء فيه ما يزال فى حاجة لدربة خاصة ومحاولات و جهود. وبالطبع ايضاً هناك وسائل اعلام محلية واخرى عالمية، ولكن بدا لنا واضحاً خاصة وقد استطال أمد التظاهرات إن بعض وسائل الاعلام الاجنبية (قنوات فضائية معروفة) جعلت من الاحداث وقوداً يومياً (حطب حريق) وبعضها لفرط انغماسه فى عدم الحيدة طفق يعرض صوراً قديمة، بعضها بلا مبالغة مضحك ومبكي.
من هذا المنطلق شرعنا فى توثيق ما يجري على نحو موضوعي لا يهمنا فى هذا الصدد ما اذا كان هذا مرضياً للحكومة السودانية او مغضب لها؛ مرضياً للناشطين أو غير مرضي، فصعوبة المهمة ثمنها ألا يرضى عنك احد!
أولاً، منذ بداية التظاهرات وحتى اليوم فان عدد التظاهرات التى انطلقت فى كل انحاء السودان بلغ 176 تظاهرة. العدد الكلي للذين شاركوا فى هذه التظاهرات جميعها حوالي (17.214) شخص. كانت اعداد المتظاهرين فى اكبر تظاهرة من بين كل هذه التظاهرات حوالي 1700 شخص أما غالبية التظاهرات وبنسبة 90% -بحسب تقديراتنا الاحصائية- كان المشاركين فيها دون الـ100 شخص.
ثانياً، على الرغم من الاعتقاد السائد لدى الكثيرين –محليا ودولياً– ان كل ولايات السودان شاركت فى التظاهرة إلا ان هذا الاعتقاد لم يكن فى الواقع صحيحاً ابداً اذا ان هناك 6 ولاية لم تشهد تظاهرة.
ثالثاً، طوال الفترة الممتدة من 19 ديسمبر 2018 وحتى الآن فان هناك 11 ولاية سودانية شهدت اقل من 5 تظاهرات.  رابعاً، أعلى عدد تظاهرات شهدته الولايات السودانية سجلته العاصمة الخرطوم (107) تليها ولاية الجزيرة 19 مظاهرة ثم نهر النيل 12 مظاهرة، مع الاخذ فى الاعتبار هنا اختلاط هذه التظاهرات بمظاهرات تلاميذ مدراس الاساس وصبيان صغار داخل بعض الاحياء غالباً ما يقومون بحرق لساتك وإطارات عربات ثم يفرون الى داخل منازلهم.
خامساً، من اصل 2650 شخص جرى توقيفهم جراء الاحداث فقد تم اطلاق سراح حوالي 2430 شخص، والذين لم يتم اطلاق سراحهم إما أنهم موقوفين على ذمة قضايا قيد النظر امام المحاكم او عدم اكتمال التحقيقات بشأنهم، كما تلاحظ لدينا ان الاطفال والنساء يتم اطلاق سراحهم على الفور الا فى حالات وجود دعوى جنائية تقتضي موالاة السير فى التحقيقات او إيرادات ضمانة مالية حسب ما يقرره قانون الاجراءات الجنائية السوداني 1991م.
سادساً، المعتقلات الخاصة بجهاز الامن فى غالب الاحوال تتضمن حوار ومناقشات بين السلطات الامنية والموقوفين, وقد قمنا بتوثيق حوار مطول ومرهق بين حوالي 186 شاباً ومدير جهاز الامن السوداني قرر مدير الجهاز فى خاتمة الحوار اطلاق سراحهم جميعاً. ولن نغالي ان قلنا اننا دهشنا حقا حين أتيح لنا الوقوف على ما يجري داخل حراسات الاعتقال من حسن معاملة ورعاية صحية وأكل وشرب على الطريقة السودانية المذهلة.
سابعاً، عمليات القتل التى حدثت داخل التظاهرات وابرزها حادثة قتلة الطبيب بابكر والخريج الفاتح فى ضاحية بري شرقي الخرطوم تمت بفعل فاعلين داخل التظاهرة وبسلاح غير متوفر لدى القوات النظامية السودانية (مسدس خرطوش) وهو أمر قيد التحقيق لدى سلطات النيابة العامة .
هذه الحقائق الموثقة التى بذلنا جهدنا للوصول اليها ليس الغرض منها التقليل من شأن أحد او إزجاء المدح و التقريظ لأحد، فهي بمثابة تصوير وعكس لحقائق الواقع وقد بدا لنا بوضوح انحسار موجة التظاهرات منذ ما قبل الاسبوع الماضي لانكشاف حقائق عديدة ولإكتشاف قنوات فضائية عديدة انها وقعت أسيرة معلومات مضللة دفع اليها بها نشطاء فى مواقع التواصل الاجتماعي وليس سراً فى هذا الصدد ان قنوات (BBC) و(الجزيرة) وقعت فى مثل هذه المحاذير سواء أدركت او لم تدرك ذلك، ففي النهاية فان الحقيقة وحدها هي التى تبقى.

الاثنين، 18 فبراير 2019

دعاوي اسقاط النظام فى السودان وإنعدام السند الدستوري والسياسي!

 لا شك ان دعاوي اسقاط النظام القائم فى السودان من الناحية القانونية والدستورية هي دعاوي باطلة. والسبب فى ذلك بسيط للغاية – النظام القائم حالياً فى السودان تأسس على مشروعية انتخابية بدأت على الاقل – بإعتراف القوى السياسية كافة والمجتمع الدولي – عقب انقضاء اطول فترة انتقالية فى تاريخ السودان الحديث (6 سنوات)، تلك التى اعقبت اتفاقية السلام الشامل 2005م.
ومن المستحيل تماماً ان تنكر القوى السياسية -حتى ولو مكابرة- انها خاضت انتخابات ابريل 2010 بصرف النظر عن الانتخابات اللاحقة او التردد اللاحق او الخوف من السقوط، المهم كان الكل يقر بشرعية النظام القائم والارتضاء بالانتخابات التى أعقبت فترة الانتقال الممتدة من 2005 الى2010.
فاذا كان هذا صحيحاً، فكيف اذن يقر البعض اسقاط نظام دستوري هكذا عبر القفز الى المجهول؟ وما المسوغ القانوني والدستوري الذي يبرر عملاً كهذا -لمجرد الاحتجاج ضده؟- لا شك ان انعدام المسوغ القانوني والدستوري يجعل من هذا الدعاوي باطلة، ومن ثم فان رفض الحكومة الوفاقية لأي مبادرة لإقامة سلطة انتقالية يجد سنده فى الدستور الانتقالي 2005 وفي مخرجات الحوار الوطني نفسها حيث لم يرد نص على إقامة حكم انتقالي يسبق الانتخابات العامة.
فان كان الامر كذلك فان دعاوي بعض الساسة لاسقاط الحكومة ومن ثم اقامة حكم انتقالي هدفه الواضح تصفية نظام الانقاذ؛ يمكن اعتبارها دعاوي مخالفة لمقتضيات المسئولية الوطنية، وهي بلا شك محاولة ليس فقط لاعادة انتاج الازمة السودانية فى كل تجلياتها التاريخية الماضية ولكنها - هذه المرة بالذات - ربما تفضي الى انزلاق الدولة السودانية فى أتون فوضى واحتراب يكفي السودان منها ما جرى فى جنوبه وما يجري فى غربه فى دارفور منذ العام 2003.
ومن الغريب ان المعارضين الذين يقدمون مبادرات – لسخريات القدر مفارقاته – يتذرعوان علناً ودون حياء بتجنيب البلاد ويلات التشظي الفوضى والاحتراب! أي انهم يطلبون من حكومة الوفاق -التى ولدت من رحم الحوار الوطني يناير 2014- ان تقبل بطلب يخالف الدستور ويخالف مخرجات الحوار الوطني ويؤسس لمجهول يفضية الى ظلام دامس.
 ان الدولة السودانية القائمة حالياً فى السودان ليست دولة تخص حزب بعينه او حكومة ما، والكل يعلم ان نظام الانقاذ منذ العام 1989 يرتحل من محطة سياسية الى اخرى على نحو تدريجي منفتح، بداية من مؤتمرات الحوار الوطني فى فاتحة عقد التسعينات ثم دستور 1998 الذى عمل على تنشيط و تأسيس الممارسة الحزبية، ثم مرحلة الانفتاح عقب نيفاشا ثم مرحلة (الوثبة والحوار الوطني 2014) والتى افرزت حكومة الوفاق فى نسختها الاولى والثانية.
ان من الظلم السياسي ان ينظر البعض الى النظام القائم حالياً فى السودان بمنظار النظام الفاشل او انه يستحق الاسقاط بهذه الطريقة، فعلاوة على ان هذا النظام عمل على تطوير وتحديث الممارسة السياسية واختط لنفسه مراحلاً مختلفة وإنفتح على القوى السياسية المختلفة واستوعب قضايا شعبه فهو له اسهامات غير منظورة فى صيانة الامن القومي الداخلي عبر اطفاء الحرائق الداخلية والحروب الاهلية على الاطراف، اذ ان مخططات هذه الحروب على الاطراف كانت وما تزال تستهدف تفتيت النواة الصلبة، نواة مركزية الدولة السودانية المتمثلة فى الوسطية السودانية المتسامحة والميالة لاستيعاب التنوع.
 ومن المؤكد ان حراكات مسلحة مثل حركة عبد الواحد فى دارفور ذات الصلة القوية باسرائيل ما ادراك ما اسرائيل؛ والحركة الشعبية شمال ذات العلاقة المشبوهة بقوى دولية واقليمية و بقية حركات دارفور التى عملت فى مجالات المقاولات الحربية، لا يمكن ان يكون كل هدفها السامي اشاعة التداول السلمي للسلطة والديمقراطية و الاستقرار.
هذه الحركات تأسست خصيصاً لهدم السودان والمعاونة على تفتيته و تغليب عناصر اثنية على اخرى و فتح الباب واسعاً لاصحاب الاجندات الاجنبية للدخول.
ان مقتضيات المسئولية الوطنية تتتطلب سحب دعاوي اسقاط النظام الباطلة من قاموس السياسة الحالي ومن الاوفق ان نعض بالنواجذ على آلية التداول السلمي للسلطة، و الآلية الانتخابية إذ ان شرورها – إن وجدت – أقل بكثير من شرور اسقاط الدولة السودانية والقفز فى المجهول.

الأحد، 10 فبراير 2019

السودان واستراتيجية حقن الدماء وتجفيف الدموع الافريقية!


أنموذج آخر قام به السودان للقارة الافريقية والمجتمع الدولي بإنجازه للاتفاقية السلمية بين الفرقاء فى دولة افريقيا الوسطى حيث تم الثلاثاء الماضي -الخامس من فبراير 2019م- التوقيع -الاحرف الاولى- على إتفاق سلام ينهي الصراع المتطاول بين الفرقاء فى افريقيا الوسطى والذى ظل هاجساً مؤرقاً للجوار الافريقي والمجتمع الدولي.
وكما فعل السودان عند إنجازه لاتفاق سلام جنوب السودان العام الماضي -سبتمبر 2018م- فإنه وقع ممثلاً في رئيسه عمر البشير على الاتفاق (كضامن) لتنفيذه ومتابعته والاشراف على وضعه على ارض الواقع.
رئيس افريقيا الوسطى (فاوستين أركانج تواديرا) اشاد بالحكومة السودانية ووساطة الرئيس البشير حتى تم التوصل للاتفاق معلناً عن استعداده لتنفيذ الاتفاق.
وزير الخارجية السوداني الدكتور الدرديري محمد احمد قال ان هذا اليوم يشهد اطفاء نار الحرب في افريقيا الوسطي بأيدي افريقية. وتشير متابعات (سودان سفاري) ان اهمية الاتفاق الذي تم ابرامه والذي من المقرر التوقيع عليه رسمياً فى عاصمة افريقيا الوسطى (بانغي) إن 14 فصيلاً حضرت المحادثات ووقعت عليه وهو أمر لم يحدث من قبل، كما ان تضافر جهود الاتحاد الافريقي ومجهودات الحكومة السودانية افضت فى خاتمة المطاف للوصول الى هذه النتيجة الايجابية الضخمة.
ومن المعروف ان للسودان تجربة سابقة فى دولة جنوب السودان حين فشلت كل جهود الدول الافريقية والمجتمع الدولي فى وضع حد للصراع الدامي الذى عطل مسيرة الحياة في الدولة الجنوبية حيث مات مئات الآلاف وتم تشريد حوالي المليون من سكان دولة الجنوب الذين فرّوا لدور الجوار قبل ان تتمكن الحكومة السودانية عبر مجهودات شاقة وإرادة قوية من جمع الفرقاء الجنوبيين فى الخرطوم – العام 2018 ومن ثم يتم التوصل الى اتفاق سلام اشاد به المجتمع الدولي والاقليمي لكونه حقق عدداً من الامور الاستراتيجية اقلها وقف الحرب.
وعلى ذلك يمكن القول ان السودان بهذا الصنيع السياسي الاستراتيجي بات لاعباً إقليمياً ودولياً مهماً قادراً على انجاز المهام الصعبة واحتواء الازمات، فهو بهذه الصفة: أولاً، اكتسب خبرة سياسية نادرة جعلت منه وسيطاً اقليمياً مقبولاً، ومن ثم فانه بهذا الدور اصبح مأوى المجتمع الدولي والاقليمي لحلحلة المنازعات وعلى ذلك فان السودان كدولة اصبح (صاحب حكمة افريقية) يتم اللجوء اليها فى حال نشوء اي ازمة وهذا الأمر يمثل قيمة استراتيجية مضافة لهذا البلد ذي الموقع الجغرافي المميز.
ثانياً، ليس من المتصور عقلاً او منطقاً ان بلداً استطاع انجاز عمليتيّ سلام بالغة الصعوبة والتعقيد يمكن ان يكون بلداً داعماً للارهاب ومشجعاً لاعمال العنف؛ فالصحيح ان السودان استفاد من حروبه الاهلية واتفاقية السلام الشامل الموقعة فى نيفاشا 2005 وكل الاتفاقيات التى وقعها فى ابوجا 2006 والدوحة 2012 وأسمرا 2007 لانجاز افضل سبل فض النزاعات وتحويل المنازعات الى اتفاقيات سلمية تحقق الامن والاستقرار.
ثالثاً، ان السودان –بهذا القبول الاقليمي– اعطى الدليل المادي القاطع انه لم يخض من قبل اية مؤامرات او دسائس او خيانة لجواره الاقليمي، اذ ان القبول الذى وجده السودان من كل اطراف النزاع والفرقاء يعني انه لم يعمل مع أحد ضد احد على الاطلاق وإلا لما قبل الطرف المتآمر ضده بوساطة طرف تآمر ضده!
وعلى ذلك فان السودان خلق لذاته بهذا الانجاز الرائع -هو بالفعل رائع، مكانة اقليمية ودولية لا ينازعه عليها أحد، وهو فعل ما فعل من منطلق إيمانه بالأمن القومي الافريقي وضرورة حل المنازعات المحلية والافريقية بآليات ووسائل افريقية بعيداً عن آليات حل المنازعات ومصاعب ومصائب التدخل الدولي غير الحميد وعودة الاستعمار القديم لدول القارة؛ وفي ذلك ترسيخ وتأكيد لأهم مبادئ هذ البلد الذي لا يقبل بالتدخل الدولي لاصحاب المصالح الدولية والمطامع التى لا تنتهي.

الأحد، 3 فبراير 2019

المهددات الجنائية والأمنية للتظاهرات الجارية في السودان!

بتاريخ 25/1/2019م ضبطت السلطات الامنية داخل احشاء ومجريات التظاهرات في السودان شخصاً يحمل مسدساً! وفي ذات التاريخ ضبطت السلطات شخصاً يقود عربة ملاكي عادية ولكنها موصلة بجهاز إرسالة حديث! حتى الآن بلغ عدد القتلى وفق احصاءات رسمية حوالي 30  شخصاً تكثف النيابة العامة والشرطة السودانية تحقيقاتهما وتحرياتهما لإماطة اللثام عن الجناة الذين ارتكبوا جرائم القتل.
و قبل يومين أجرى التلفزيون السوداني استطلاع تحدث فيه اشخاص يملكون محالاً تجارية وصيدليات عن تعرض محالهم لاعمال نهب و تخريب بالتزامن مع التظاهرات. بعض الجهات المساعدة للسلطات التى تجري تحقيقات بشأن حواث التلف والحرق التى وقعت في 19 و 20 ديسمبر 2018 ساعة انطلاق الاحتجاجات قال ان ادنى تقدير لهذه الممتلكات وما لحق بها من اضرار ربما يصل إلى 20 مليون دولار!
صحيح ان التقدير الرسمي الدقيق ما يزال قيد النظر من لجان التحقيق و لكن هذا ما كشفت عنه القراءة الاولية وشهادة عموم المتضررين. هذه بوجه عام جزء من المخاطر و المهددات الجنائية و الامنية التى نجمت عن عملية الاحتجات و التظاهرات التى وان انحسرت نسبياً موجتها الا انها ما تزال جارية. من جانب آخر فان القوات النظامية ، الجيش و الشرطة و الامن تتعامل وفق ادنى حد من الطرق المتعارف عليها لفض التظاهر باعتبارها (تجمهرات غير مشروعة) و يعاقب عليها القانون لاخلالها بالامن و السلامة العامة.
 وتشير متابعات (سودان سفاري) إلى ان القوات النظامية في السودان تتلقى باستمرار توجيهات صارمة من قياداتها بالتعامل معها وفق ادنى و اقل حد في فض التظاهرات وتجنب أي اضرار مادية، او في الارواح او الاصابات مهما كانت ضئيلة.
النيابة العامة السودانية قالت عبر متحدث رسمي ان اعضاءها يبذلون فوق طاقتهم للاشراف على التحقيقات والافراج عن المقبوض عليهم و إحالة بعضهم للمحاكمة و الحرص على ضمان تمتعهم كمقبوضين  بكافة حقوقهم القانونية و فق توجيهات صارمة من السيد النائب العام شخصياً، بل ان الاخير وجه اعضاء النيابة لضرورة مرافقة القوات العاملة في فض التظاهرات والحرص على تنبيه الجمهور بعدم قانونية التجمهر و التظاهر في ظل عدم حصولهم على اذونات مسبقة من الجهة المعنية المختصة.
 النيابة العامة والقضاء يبذلون جهودا مقدرة لتفادي اي تعقيدات او انتهاكات ربما يتعرض لها المحتجون جراء هذه الاحداث، وفق رؤية استراتيجية كلية هدفها الاسمى المحافظ على امن و استقرار الدولة السودانية و تفادي حالات العنف والعنف المضاد قدر الامكان.
وتشير مصادر شرطية في العاصمة الخرطوم ان الشرطة في سياق جهودها اليومية لفض التظاهرات تصادف -يومياً- و في انحاء متفرقة من العاصمة وبعض المدن السودانية جرائم جنائية متنوعة مثل حمل السلاح خفية و الاسلحة البيضاء و مواد اشعال النار و السرقات ذات الطابع الانتهازي و عمليات النهب لبعض المحال التجارية، بل ان بعض التظاهرات الليلية في مناطق بري بالخرطوم بدأت تجتذب معتادي الاجرام من مدن ومناطق خارج الخرطوم كونها توفر لهم سانحة مناسبة للقيام بعملياتهم الاجرامية.
و تشير ذات المصادر إلى ان عمليات التظاهر تكاد توفر مناخ اجرامي غير مسبوق لمتحرفي النشل و السرقة لان الاجواء التي تجري فيهي الاحتجاجات قابلة لارتكاب أي جريمة. وهكذا، يمكن القول ان الاحتجاجات في الظروف الراهنة في السودان باتت تمثل مهددا أمنياً و جنائياً لن تقف آثاره على الراهن، بل قد تمتد لسنوات قادمة ، فهي علاوة على اشغال الاجهزة الامنية تمنح محترفي الاجرام فرصة للتخفي وسط المتظاهرين و تنفيذ مآربهم بسهولة، ولهذا فان تواصل هذه الاحتجاجات في ظل عدم ادراك هؤلاء المحتجين لهذه المهددات الامنية طويلة المدة، بل عدم اكتراثهم بها فان الامر قد يفضي كما يؤكد العديد من الخبراء في الامن إلى شيوع فوضى عارمة و اختلاط الحابل بالنابل، كما حدث في بلدان عديدة بحيث تتحول الدولة إلى بؤر و مناطق و مجموعات تنشط المجموعات الاجرامية و تصحو الخلايا النائمة، بل ان خلايا الدول المعادية ذات الاجندة و التى لها خلايا وعيون متخفية هي الاخرى ربما تسيتقظ لتصطاد في المياه العكرة!
وهكذا فان نعمة الامن تلك السلعة السودانية الغالية و معدومة النظير في المحيط الاقليمي و الدولي باتت في خطر، بفعل عدم الشعور بالوطنية و جهل البعض وتناقص الوازع الوطني لدى كثير من الذين يدعون الوطنية.

الأربعاء، 30 يناير 2019

حينما تلبس الفوضى ثياب الديمقراطية!

قطعت الحكومة السودانية بأنها توصلت إلى أن 28 شخصاً من قوى اليسار وبعض الناشطين المقيمين بالخارج هم الذين يحركون الاحتجاجات و أعمال العنف والتخريب في السودان. وزير الدولة للإعلام السوداني، مأمون حسن ابراهيم عقد مؤتمرا صحافياً فهي هذا الخصوص بوكالة السودان للأنباء في يوم الاثنين 20 يناير 2019 أورد فيه جملة من الحقائق و المعلومات الموثقة عن طبيعة من يمسكون بخيوط الأحداث من وراء ستار في السودان.
مدير جهاز الأمن و المخابرات، صلاح قوش من جانبه قطع بأن الذى قتل الطبيب بابكر عبد الحميد بضاحية بري اثناء تظاهرة كانت قد جرت هناك، هي (فتاة) تم رصدها عبر الستلايت و تم توثيق جريمتها وسوف يتم تقديمها الى القضاء ليقول كلمته فيها.
المؤتمر الصحفي الذي عقدته وزارة الصحة السودانية (الطب العدلي) بالتزامن مع هذه التطورات بشأن مقتل متظاهرين كاد ان يجيب على السؤال الجوهري حول من يقتل المتظاهرين؟ فقد أكد التشريح – بحسب الطب العدلي – ان المرحوم بابكر مات برصاصة (خرطوش) ليست متوفرة في تسليح القوة النظامية السودانية، وهو أمر حتى ولو لم تذكره الجهات النظامية فهو معلوم بالضرورة، اذ ان سلاح الخرطوش في غالب الأحيان هو سلاح لاستخدامات المدنيين لاغراض الصيد او ما شابه ولا تتسلح به مطلقا القوات النظامية.
مدير المخابرات من جانبه أكد على هذه الحقيقة وان هاك (صورة وصوت) موثقة للقاتل! هذه الإشارات فيها مؤشر واضح على ان ما يجري في السودان حالياً هو (عمل إجرامي) إذ أن الجانب الجنائي فيه واضح كما الشمس، ذلك ان الاحتجاجات الشعبية التى اندلعت في 19 ديسمبر بالخرطوم وبعض المدن السودانية مثل عطبرة و دنقلا و بورتسودان والقضارف لم تزد عنه كونها احتجاجاً على أوضاع معيشية صعبة سرعان ما استجابت لها الحكومة السودانية وعالجتها في حينها ووعدت بمعالجة بعضها في جداول زمنية معروفة.
ولكن البعض استغل السانحة لمآربه الخاصة، وها هي الحكومة السودانية تكشف بجلاء عن 28 شخصية تقود هذا العمل من الخارج، تنعم فيها هي بالراحة و رغد العيش و تشعل النار بالداخل. ومن المؤكد ان هؤلاء المدبرين لهذه العمل الأخرق يتذرعون في ذلك – كما قال الكثيرون منهم لمحطات التلفزة العالمية – بذريعة الديمقراطية و الحرية، والتخلص من الشمولية!
ومعلوم ان غالب هؤلاء ممن يرفعون قميص الحريات والديمقراطية والتعددية بمعناها الفضفاض غير المنضبط، كما أنهم في الوقت نفسه ظلوا – لسنوات طوال – في الخارج، حصلوا على أموال ووظائف مريحة ومربحة، وخالطوا منظمات وجهات دولية معروفة الأجندة.
وقد ترى حين يطل أي منهم على اية شاشة كيف تبدو ملامحه، وطلاوة وجهه و تقاطيع ذلك الوجه و الثياب الناعمة، الراقية التى يرتديها! هم أناس فارقوا منذ سنوات أهلهم وبلدهم و فضلوا أطروحات الجهات الاستخبارية التى استخدمتهم وما تزال تغدق عليهم مالاً دون حساب.
أنظر كيف تتلقى حركة عبد الواحد من الحكومة الإسرائيلية ( 10 ألف دولار) شهرياً! لماذا لا أحد يعرف! أنظر كيف يتم تمويل ما يسمى بتجمع المهنيين طوال شهر أو يزيد في ظل انشغال أعضائه بأنشطتهم الهدامة؟ من هو الدكتور محمد يوسف مصطفى؟ مجرد أستاذ جامعي لا يمكن لعاقل أن يتصور كيف يحصل على أموال يجوب بها العواصم و يستغل الطائرات وينزل أفخم الفنادق. وإذا سألت الرجل حدثك عن الديمقراطية!
وحين ظهر ما عرف بجبهة التغيير التى تولى إطلاقها د. غازي صلاح الدين ومبارك الفاضل انتفض د. محمد يوسف مصطفى رافضاً لهم! أنظر كيف فقد على محمود حسنين أي منطق حين تحدث من منفاه في لندن عن (جزّ الرؤوس)! وأنظر كيف تحدث قادة الحزب الشيوعي -سراً- عن علمانية الدولة القادمة وحق الشواذ و حق الأشخاص في اعتناق أي ديانة أو ترك أي ديانة، فهو كما زعموا (عهد الحرية الكاملة)!
هذه كلها مؤشرات موضوعية على ان الملامح الأساسية للمرحلة التى يتهيأ لها هؤلاء هي ملامح الفوضى. فوضى لا حدود لها، وتضييق على القيم السودانية الاسلامية الأصلية وفتح الباب واسعاً للأفعال المنافية للتقاليد السودانية بغية إخراج السودان تماماً من جلده! تلك هي رؤية قادة الاحتجاجات لمستقبل السودان المنتظر. 

الأحد، 20 يناير 2019

التداول السلمي للسلطة -أياً كانت المثالب- المخرج الوحيد!

من المؤسف جدا ان يعتقد بعض الساسة المعارضين في السودان بعد كل التغيرات التي طالت هذا البلد المثخن بالجراح ان بالإمكان تكرار نماذج ثورية قديمة طواها الماضي و تجاوزتها السنوات في  اكتوبر 1964 و  ابريل 1985. المفارقة بين ذلك الماضي التاريخي و الحاضرة القائم لا يمكن مقايسته، بل ربما استحال عمليا إجراء المقارنة او المقابلة من الأساس.
الأوضاع القائمة ألان في السودان هي أوضاع سياسية ناتجة عن عملية تراضي وطني مهما قال البعض عنها، فهي على الأقل ليست أوضاع ذات طابع شمولي او عسكري بحال من الأحوال، و يعلم خبراء الاستراتيجيات ان الأوضاع الحالية في السودان جاءت نتاج تسوية سياسية شاملة حازت رضا كل القوى السياسية والقوى المسلحة بدأت على الاقل عقب اتفاقية السلام الشاملة في نيفاشا 2005 ولا ينكر أعتى مكابر ان الدستور الانتقالي 2005 الساري حالياً وتجاوز عمره الـ13 عاماً هو نتاج إرادة سياسية سودانية، توافقت في البرلمان عام 2005 وأقرت فترة الانتقالية التى بلغت 6 سنوات وقوانين عديدة أسست لما يعرف في حينها بالتحول الديمقراطي، قوانين الاحزاب و قوانين الصحافة، و الانتخابات العامة وعشرات القوانين التى أشار إليها الدستور الانتقالي، و الذي وصف من قبل كل القوى السودانية حاكمة ومعارضة بأنه الأفضل و الأقرب إلى وجدان الكافة.
بل ان اكبر دليل مادي على القبول السياسية الذي يحظى به الدستور الانتقالي انه نال أطول فترة سريان في تاريخ السودان منذ نيله استقلاله، وهو الدستور الوحيد ألان في السودان الذي جرت في ظله عمليتين انتخابيتين احدهما في 2010 و الثانية في 2015 وينتظر إجراء العملية الانتخابية الثالثة في 2020 إن لم يتم حتى ذلك الحين إنشاء دستور دائم جديد.
ثم العملية السلمية التى تأسست وفق اتفاق نيفاشا 2005 تلتها عمليات سلمية أخرى: الشرق 2007م، ابوجا 2006م، الدوحة 2012م، و توجت كل هذه العملية السلمية بمشروع وطني ضخم هو الأخر ظل وما يزال مهوى قلوب القوى السياسية السودانية و هو مشروع الحوار الوطني  2014 المشروع الذي أتاح – للمرة الأولى في التاريخ السياسي الحديث للسودان – جلوس كل القوى السودانية والفئات المهنية والاجتماعية و التحاور بأوراق ليست من إملاء احد او جهة، في نقاش حر، حول مائدة مستديرة دون شروط مسبقة، حضر من اجل هذا الحوار أكثر من 20 حركة مسلحة ومعارضة في الخارج مطلوبين جنائياً داخل السودان ولم يعتقلهم احد او يطاردهم احد، قالوا ما في جعبتهم ثم مضوا إلى حال سبيلهم، ثم خرجوا بمخرجات فاقت الـ900 هي ألان قيد التنفيذ.
مخرجات مشروع الحوار هي نفسها التى جاءت بالحكومة الوفاقية الحالية المكونة من عدد من الاحزاب والقوى السياسية و الحركات المسلحة . وبرنامج حكومة الوفاق الوطني هو نفسه مخرجات الحوار الوطني وعلى ذلك فان هذه المكتسبات الوطنية لا يمكن بحال من الأحوال القفز عليها او اعتبارها (مجردة نظام شمولي) يستحق الإسقاط! لا يمكن لسياسي عاقل و موضوعي ان يزعم  ان السودانيين الذين صبروا على بناء الدولة السودانية طوال العقود الثلاثة الماضية وأسهموا في وقف الحرب في الجنوب والشرق والنيل الأزرق ودارفور وأسسوا مشروع الحوار الوطني الذي بات أنموذج سياسي يحتذى في دول الجوار الإقليمي، هم ألان يريدون إسقاط أنفسهم وتغيير دولتهم عبر احتجاجات مستغلة سياسياً تجري باتجاه المجهول.
القوى السياسية المعارضة التى تتوارى خجلاً و تحرك من وراء ستار هذه الاحتجاجات و ترتكب خطيئة تعطيل وعرقلة بناء الدولة وتدفع الأمور إلى الهاوية وما يسمى بتجمع المهنيين المتواري خوفاً وخجلا كيان هلامي يقتضي الشجاعة السياسية و النخوة الوطنية ان يظهر بوجهه السافر على الساحة، فطالما ان العمل الذي يقوده يعتقد انه عمل وطني فيه مصلحة شعب السودان فما الحاجة للتخفي و المداراة خلف الشعارات؟
إن الدولة السودانية قد تأسست على هدى من الحوارات و النقاشات الطويلة، و العمليات السلمية و التفاهمات بين القوى السودانية المختلفة وراكمت هذه الحوارات ذخيرة إستراتيجية عرف عبرها الكل كيف يمكن إدارة الدولة لصالح المستقبل، وقد تأسس التداول السلمي للسلطة عبر دورتين من الانتخابات خاضتها بعض القوى المعارضة ولم توفق؛ وتحالف بعضها مع بعض القوى وأحرز نجاحات، وهي تجربة متدرجة تحتاج المزيد من الوقت و الصبر ولهذا فان الذين يطلقون الآن أحلام اكتوبر 1964 وابريل 1985 عليهم ان يتدبروا التاريخ وسطوره جيداً، الفارق جوهري وأدوات الصراع السياسية تجاوزت الإسقاط و الهبّات ودعم النشطاء. الدولة السودانية أقوى من كل القوى.

الخميس، 17 يناير 2019

السودانيون يعضّون بالنواجذ على وثيقة الحوار الوطني

لم تكن الملحمة الشعبية الرائعة التى سطرتها قطاعات الشعب السوداني في الساحة الخضراء ظهيرة الأربعاء الماضي التاسع من يناير 2019 مجرد حشد، أو مسيرة تأييد للرئيس البشيرة فحسب، ولكنها في حقيقة الأمر كان بمثابة (قوة دفع) لواحدة من أهم و أبرز الوثائق الاستراتيجية السودانية التى تمثل موضع فخر سياسي لمختلفة أطياف السياسة في السودان وهي (وثيقة الحوار الوطني).
وثيقة الحوار الوطنية الذى انطلق في عام 2014 ولامس العام 2016 وقدمت فيه مئات الأوراق، و مئات الرؤى في المجالات السياسية و الاقتصادية و الثقافة و الإدارة وقالت فيها القوى السياسية السودانية وفئات المجتمع السوداني و منظمات المجتمع المدني كل رؤاها بحيث خلصت الوثيقة لما يجاوز الـ971 نقطة ونتيجة التزمت الحكومة السودانية التزاماً قاطعاً بإنفاذها على الأرض.
 هذه الوثيقة السودانية التى أنجزها السودانيون دون وسطاء او مسهلين او ترويكا أو غيرهم، هي الوثيقة التاريخية المفصلية في التاريخ السياسي السوداني الحديث. ولهذا فان المسيرة الشعبية الأضخم من نوعها – ظهيرة الأربعاء الفائت – لم تزد عن كونها تأكيد عملي بواسطة قوى الشعب المختلفة على أهمية هذه الوثيقة وضرورة الالتزام بها.
وعلى ذلك فان عبقرية شعب السودان في واقع الأمر يمكن ان تلحظها في هذه الممارسة السياسية العالية الوعى وذلك لان وثيقة الحوار في ذهن كل السودانيين هي وثيقة أساسية ، إستراتيجية تكمن أهميتها في:
أولاً، هي العاصمة  السياسي الكبير ضد عمليات الاحتقان السياسي و الاستقطاب الحاد ومن تقاطعات الرؤى ، فطالما نالت رضا الجميع وشرعت الحكومة الوفاقية المنبثقة أصلاً من بين ثنايا الوثيقة في تنفيذها عملياً؛ فهي إذن بمثابة (مرجعية إستراتيجية) لا تقل أهمية عن بنود الدستور و القانون الأساسي، فهي أقرت عدد من الأمور السياسية المهمة التى تقطع الدائرة الخبيثة ما بين الانقلابات العسكرية، و التعددية والفترات الانتقالية لأنها اعتمدت (التداول السلمي للسلطة ) و أقرت ان آلية الانتخابات العامة وحدها هي السبيل للتداول السلمي للسلطة وألا مجال للقفز فوق المراحل او حرقها، او فرض إرادة من قبل قوى معينة على قوة أخرى.
ثانياً، وثيقة الحوار الوطني أيضاً وضعت حدود فاصلة في ما يخص القضايا الكلية المتعلقة بالحرب والسلام و تجنب حمل السلاح و التخريب و تعطيل نهضة الدولة، ومن المؤكد ان التظاهرات المصحوبة بعمليات قتل و تخريب و إضرار بالممتلكات العامة مخالفة لكل مرجعيات وأسس وثيقة الحوار الوطني لأنها تهدم ولا تبني و تؤخر ولا تقدم وتشيع الفوضى وتطعن القانون في صميم نصوصه.
ثالثاً، من المؤكد ان التخلي عن وثيقة الحوار او انتهاك لبنودها او طي أوراقها من شأنه (إعادة إنتاج الأزمة) وقد تعافي السودان لتوه من حروبه، ومنازعاته وحالة الاحتقان السياسي غير المجدية ، وبدأ يخط طريقه في الاستقرار و التداول السلمي للسلطة .
رابعاً،/ المصاعب و المتاعب الاقتصادية التى يعانيها السودان ليست وليدة اليوم او الأمس القريب، بدليل ان الجانب الاقتصادي نال نقاشا مطولاً في مشروع الحوار و بدأت حكومة الوفاق الوطني في تنفيذ مخرجات الحوار ومن الضروري هنا إتاحة الفرصة كاملة لحكومة الوفاق –مهما كان صعوبة الأمر– لكي تصل إلى حلول جذرية للازمة.
خامساً، الحشد او المسيرة في الساحة الخضراء كانت (تذكير) من قبل العقلاء من شعب السودان المتحلي بدرجة عالية من الوعى بأن الحكومة التى يجري التظاهر ضدها ليست حكومة تخص جهة سياسية بعينها، ولا هي حكومة حزب او فئة سياسية معينة ، هي حكومة وفاق تضم عشرات الاحزاب السياسية المؤمنة بالحوار والقابضة على جمره، و القدرة على صيانته و المحافظة عليه.
ان وثيقة الحوار الوطني -لمن نسي او أخذته العزبة بالتظاهرات- هي عنوان الممارسة السياسية الحضارية للسودانيين وهي ملك الشعب آمن بالحوار، ولغة الأخذ و الرد وصولاً إلى مصلحة البلاد العليا على طريقة تأسيس الدولة السودانية الحديثة .

الاثنين، 5 نوفمبر 2018

السودان مركزاً إقليمياً لفض النزاعات وترسيخ الأمن الإقليمي

 استحق السودان ان يطلق عليه خبير السلام وفض النزاعات المتوج في الاقليم، ففي أواخر الأسبوع الماضي كانت عاصمة دولة جنوب السودان – جوبا تحتضن محفلاً إقليمياً بهيجاً للسلام، حتى بدا لبعض الفرقاء الجنوبيين فى ميدان الحرية الفسيح ان الأمر أشبه بالحلم أو المعجزة!
نجح السودان فى إحالة مناظر القتل و الدماء و جموع الفارين التى كانت سمة بارزة للعاصمة الجنوبية جوبا قبل أشهر الى واحة سلام أعادت البسمة الى الوجوه السمراء التى طال امد الاحتراب فى ما بينها حتى تملك اليأس الكثيرين وهاجروا لأوروبا والولايات المتحدة.
ولعلها مفارقات القدر التى أدهشت العالم بأسره ان السودان الذي كان يُعيّر الى عهد قريب بأنه بلد فاشل و يعج بالنزاعات وأعمال العنف والحروب و المجاعات، ها هوالان يتحول فى اقل من عقدين من الزمان –بجهده ومثابرته– الى بلد يحمل لواء إحلال السلام ويبذر بذور الاستقرار. ومن المهم هنا ان نمعن النظر في الانجازات السلمية التى نجح السودان فى تحقيقها طوال العقدين الماضيين وأصبحت عنواناً للاقليم.
ففي يناير 2005 نجح السودان وبشهادة المجتمع الدولي فى ارساء عملية سلام تاريخية بين شماله و جنوبه على نحو استراتيجي مستدام، اذ شهد العالم يومها ان السودان خاطب أساس وجذور المشكلة المزمنة بين شماله وجنوبه بحيث ضحّى بمنح الجنوب حقه فى تقرير مصيره دون أي تردد. وقد استخلص المجتمع الدولي من ذلك ان السودان وهو يقدم هذه التضحية التاريخية – بالتخلي عن جزء عزيز من أرضه – يهدف فى الأساس لإجتراح حل جذري استراتيجي لنزاع مزمن ومتطاول استمر لأكثر من نصف قرن وكلف الدولة والإقليم والأمن والسلم الدوليين ما كلف من المال والجهد والدماء.
اتفاقية السلام الشاملة (نيفاشا 2005) كانت فى واقع الأمر الدليل العملي على ان السودان ينظر الى ما هوأعمق من مجرد انهاء حرب او وضع حد لنزاع، فهو ينظر نظرة شاملة لأمن الإقليم ودول الإقليم وضرورة استتباب الأمن بصورة مستدامة. الأمر نفسه فى اتفاق الشرق 2007 إذ أنه قَبِل وساطة أسمرا وأجرى عملية إعادة تأمين للمنطقة بحيث تلاشت مكدرات الأمن فى شرق السودان وصمد أمن واستقرار الشرق منذ ذلك الحين وحتى الآن دون ان يلوح ما يمكن ان يكدر صفو الأمن على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، ومناطق الشرق بحيث باتت أسمرا نفسها آمنة.
وفى اتفاقية الدوحة الخاصة بالسلام في دارفور 2012 عمل السودان على توطيد أمن إقليمه الغربي جيداً بحيث تلاشت تدريجياً المواجهات المسلحة واندثرت عمليات العنف حتى قررت قوات حفظ السلام المشتركة (يوناميد) الخروج من الاقليم وبدأت بالفعل تخفيض عناصرها تدريجياً، كما ان السودان أقام قوات مشتركة مع جاره تشاد تجاوزت حتى الآن عامها الخامس بحيث ترسخت عملية استقرار الحدود وحركة المواطنين وتم القضاء تماماً على منغصات الأمن فى الحدود الغربية.
 هذا التاريخ الطويل المشرف للسودان فى تأسيس أمن إقليمي وجوار استراتيجي آمن فى الاقليم أهّله دون شك ليكي صبح هذا البلد صاحب اكبر تجربة وخبرة فى فض النزاعات ونزع فتيل المواجهات وأمن المنطقة، فإذا أضفنا لذلك دوره المحوري فى تأسيس لجنة أمن ومخابرات شرق ووسط أفريقيا (السيسا) وما حققته هذه المجموعة الإقليمية من تبادل الرؤى والافكار لصالح أمن المنطقة نفسها منذ ادارة بوش الابن مروراً بأوباما وحتى الإدارة الحالية ثم جهوده فى مكافحة تجارة البشر والجرائم العابرة للدولة وجرائم غسيل الأموال، فان هذا البلد بلا أدنى شك اصبح يتمتع بمزايا إستراتيجية ممتازة جعلت منه مركزاً اقليمياً ودولياً لفض النزاعات ولترسيخ عمليات الأمن والسلم والاستقرار.

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

إنجازات إستراتيجية للسودان لا تقدر بثمن!

المتأمل في المسار الاستراتيجي للدولة السودانية في نصف العقد الفائت فقط –قبل حوالي 5 اعام مضت، بإمكانه ان يلحظ حجم الانجازات الاستراتيجية ذات الطابع البنيوي التى حققه هذا البلد، بحيث نجح -بامتياز- في ان يضع أقدامه على عتبات النهضة الشاملة التى بات قريبا منها.
لقد حقق السودان في الأعوام الخمس الماضية فقط عدة انجازات من الصعب ان يتجاوزها أي باحث موضعي منصف. أولاً، على صعيد الحلول السياسية الاستراتيجية للمشاكل و التعقيدات السياسية، فان السودان أنجز (مشروع الحوار الوطنية 2014  - 2016) .
هذا المشروع السياسي الوطني الضخم لا يمكن الاستهانة به قط، فهو فتح الباب واسعاً لمختلف القوى السياسية و الاحزاب و القوى المسلحة و منظمات المجتمع المدينة لكي تدلو بدلوها في وضع الأسس اللازمة لبناء الدولة السودانية ، سواء على صعيد العناصر اللازمة لوضع دستور دائم، او عملية التداول السلمي للسلطة، او كيفية توزيع الموارد بعدالة، وهوية السودان نفسها التى يثور الجدل و التنازع بشأنها باستمرار.
مشروع الحوار الوطني قتل هذه القضايا الكلية بحثاً بحيث أصبحت المخرجات التى تم التوصل اليها بمثابة خارطة طريق واضحة ليست في حاجة لتفسير او توضيح. وهذا يعتبر انجازاً سياساً استراتيجياً كبيراً بالنسبة للدولة السودانية التى ظلت هذه القضايا الكلية المهمة موضوع تنازع و خلافات منذ نيل هذا البلد لاستقلاله عن بريطانيا في 1956.
لن يحتاج السودان بعد مشروع الحوار الوطني لنقاش جديدة حول هذه القضايا، ولن تخرج رؤى اي مجموعة مهما كانت مخالفة للأخر عن مجمل مخرجات الحوار الوطنى، فهو بهذه المثابة بات يشكل (الأساس) لبناء الدولة السودانية في المستقبل القريب و البعيد معاً.
ولهذا فان من سوء الفهم و التقدير التقليل من هذه الانجاز السوداني الكبير، دون تخصيص شخص او جهة بعينها ورد الفضل إليها. ثانياً، على صعيد المشكل الامني و التعقيدات الامنية و النزاع في اقليم دارفور فان السودان نجح في أعادة الأمن و الاستقرار إلى الاقليم و اكبر دليل مادي على ذلك، القناعة التى توصل اليها مجلس الامن الدولي بعودة الامن والاستقرار للاقليم و موافقة مجلس الامن على سحب قوات حفظ السلام – البعثة المشتركة – المعروفة اختصاراً بـ(يوناميد) والتى من المقرر ان تسحب قوتها -ديسمبر 2020- بحيث تصبح دارفور آمنة ومستقرة ولا حاجة لها لوجود قوات حفظ السلام .
هذا الانجاز الفخم لا تقف قيمته في سحب قوات حفظ السلام و انتهاء الصراع الذي عالجته الحكومة السودانية بحكمة و لكن تكمن قيمته حقيقة فى إبراز السودان لقدراته و إرادته السياسية في معالجة مشاكله و نزاعاته الداخلية، ففي نموذج دارفور فان الجهود الحكومية و الجهود الشعبية الوطنية هي التى قادت في خاتمة المطاف لمعالجة الازمة، وهي نقطة مهمة تعني ان السودان اذا ما تم دعمه و مساندته فانه قادر - لوحده- على حلحلة مشاكله الداخلية عبر حلول وطنية .
ثانياً، أنجز السودان ملف إنهاء الصراع الدامي في دولة جنوب السودان. وللمفارقة فان السودان حين ارتضى انفصال الجنوب كان يعاني من أزمات ومشاكل متفاقمة في دارفور و كان يعاني من مشاكل في حدوده مع دولة جنوب السودان، وكان يعاني من نظرة المجتمع الدولي الظالمة بأنه بؤرة لأنظمة حربية و صراعات و ارهاب! ولكي يثبت السودان عكس ما يتم إتهامه به فانه نجح في حلحلة مشاكله ثم تناول مشاكل جيرانه و نجح في إيجاد حلول لها.
الآن السودان قدم للمجتمع الدولي خدمة تاريخية استراتيجية لا تقدر بثمن بنجاحه في حلحلة مشاكل الدولة الجنوبية، بحيث يرتاح الاقليم و تقل الحروب الاهلية في المنطقة ولا تحتاج مفوضيات اللاجئين لأموال طائلة، ولا يتكبد المجتمع الدولي عناء ابتعاث قوات حفظ سلام بحيث يفخر الاتحاد الافريقي و تفخر دول الايقاد بأنهم قادرون على حل مشاكل الاقليم، ولهذا فان هذه واحدة من أهم انجازات السودان في الفترة القليلة الماضية، لهذا فان النظر إلى هذه الانجازات الاستراتيجية المؤثرة ينبغي ان يقود إلى دعم و مساندة هذا البلد الذي يبني ويعمر و يضع الأساس للمستقبل دون أن يلتفت لمن يعيقون مسيرته!

الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

دستور السودان الدائم.. قضية المرحلة الراهنة الملحة!

تدخل قضية كتابة دستور دائم جديدي لجمهورية السودان في الأيام القليلة المقبلة حيز التنفيذ، فقد حرص الرئيس السوداني المشير البشير لدى مخاطبته شعب السودان إبان مناسبة عيد الأضحى المبارك -الأسبوع الفائت- على التأكيد على هذه النقطة التى تعتبرها الحكومة السودانية نقطة إستراتيجية مهمة.
الرئيس البشير قال في خطاب التهنئة بالمناسبة ان الرئاسة السودانية سوف تصدر قرارا بتشكيل لجنة تختص بإبتدار المناقشة حول دستور السودان الدائم .
 ومن المؤكد ان قضية الدستور الدائم في السودان من القضايا الاستراتيجية الملحة حيث يدرك المهتمون بالشأن السياسي السوداني ان واحدة كبريات معضلات هذا البلد خوله من دستور دائم يرسي عملية التداول السلمي للسلطة و يقسم الدستور السلطات والصلاحيات بين المركز و الولايات ويرسخ الاستقرار السياسي المنشود.
لقد ظلت قضية الدستور الدائم تترحل عاما بعد الآخر منذ ان نال السودان استقلاله في يناير 1956 و حينها لم يتسن للساسة السياسيين وضع دستور دائم ومكتوب، و لهذا فقد تمت صياغة دستور مؤقت في العام 1956 سرعان ما اضطر الساسة لإدخال تعديل عليه في العام 1964.
دستور 1956 المعدل لم يكن سوى ترجمة مباشرة للوثيقة التى تمت كتابتها إبان قيام المجلس الاستشاري للسودان في العام 1953 و الذي سبق استقلال السودان. وظلت الأمور تمضي بدساتير مؤقتة حتى بعد ثورة اكتوبر 1964 التى أعطت زخماً ثورياً و سياسياً كان من المؤمل ان يسفر عن دستور دائم.
وحين شرعت الجمعية التأسيسية التى جاءت بعد اكتوبر 1964 في الإعداد لدستور دائم تمت صياغة مسودة جرت مناقشتها في العام 1968 فان أحداث مايو 1969 التى غيرت الأوضاع سرعان ما قضت على ذلك المشروع واصدر نظام مايو دستور 1973 وأطلق عليه وصف الدستور الدائم، و لم يصمد الدستور المايوي سوى لأقل من 12 عاماً لتتم الإطاحة بمايو في انتفاضة ابريل 1985 .
وسرعان ما تم الاتفاق في عهد السلطة الانتقالية على دستور 1985 الانتقالي والذي لم يتسن إصدار دستور بعده حتى جاءت الانقاذ في 30 يونيو 1989 لتصدر مراسم دستورية متتالية ثم جاء دستور 1998 و استمر العمل به حتى تم توقيع اتفاق السلام الشامل في 2005 لتيم سن الدستور الانتقالي الساري حالياً و الذي تم إدخال عشرات التعديلات عليه ليتواءم مع المستجدات التى طرأت مثل الانفصال النوبة وسلطات الولايات وكيفية اختيار حكام الولايات وغيرها.
من الواضح إذن أن الدستور الدائم للسودان ظل حلماً بعيد المنال، في كل مرحلة من مراحل الحكم تتم كاتبة دستور انتقالي او مؤقت ثم ما يلبث ان تجري عمليه تفضي في نهاية الأمر إلى ضرورة قوية لكتابة دستور دائم.
والواقع ان معطيات كتابة دستور دائم في هذا الوقت أصبحت واضحة، لا لبس فيها: أولاً نجح السودانيون في خلق (حالة توافق وطني) تاريخية نادرة عبر مشروع الحور الوطني الممتد من العام 2014 حتى العام 2016. مخرجات الحوار أصبحت افصل مادة سياسية وقانونية لصياغة دستور دائم فالكل أدلى بدلوه و اتضحت كافة الرؤى و الأبعاد بصورة لم تسبق لها مثيل ، ولهذا فان كل من يزعم وجود ممانعين او مخالفين او حتى حلمة سلاح خارج نطاق التوافق فانه يبالغ و يحمل الأمور فوق ما تحتمله إذ أن مخرجات الحوار نالت رضاء غالب السودانيين بمختلف رؤاهم ومشاربهم و مواقفهم، وفى الواقع ليس من الممكن حدوث حالة إجماع شاملة.
ثانياً، كثرة التعديلات التى باتت تدخل على الدستور الانتقالي 2005 جراء المستجدات المتوالية تتطلب وضع دستور دائم لا يستحمل التعديل على المدى القريب، فقد ثبت ان تقاطع الآراء و عدم الاتفاق على رؤى كلية للقضايا الوطنية قد تسبب في السابق في هذه المشكلة أما الآن فان السودانيين قتلوا قضاياهم بحثاً و حواراً و آن الأوان لصياغة دستور دائم.
ثالثاً، يس من المنساب -مهما كانت المبررات- الإكثار من إدخال التعديلات على الدستور وهو أصلاً دستور انتقالي الغرض منه حكم فترة الانتقالية المحددة، فهو ليس دستور دائم وهو ارتبط بحقبة اتفاقية السلام الشاملة التى مضى عليها أكثر من 13 عاماً حتى الآن تغيرت فيها أمور كثيرة.
ان قضية الدستور في هذه المرحلة قضية إستراتيجية حياتية مهمة اذ من الضروري وضع دستور دائم يرسخ استقراراً لهذا البلد الذي بدأ يتعافى من مشاكله و أزماته المزمنة.

الثلاثاء، 14 أغسطس 2018

الخرطوم وجوبا.. إستراتيجية بناء المصالح و ترسيخ السلام!

 (شعب الجنوب شعبي، ولن أخذله) (لدينا مسئولية أخلاقية تجاه شعب جنوب السودان). هذه العبارات من بين عبارات عميقة ذات دلالة إستراتيجية أعمق وجدت صدى واسعاً في نفوس مواطني دولة جنوب السودان عشية الاحتفالية التاريخية الضخمة التي أقامها السودان بقاعة الصداقة بالخرطوم -الأحد الخامس من أغسطس 2018- بتوقيع اتفاقية تقاسم السلطة و الترتيبات الأمنية بين الفرقاء المتصارعين بدولة جنوب السودان.
الكلمة الواضحة الصادقة التي ألقاها الرئيس البشير على مسامع الحضور أعطت دفعة قوية ليس فقط لإحلال السلام الدائم في دولة الجنوب؛ ولكن ايضاً لإعادة العلاقات الاستراتيجية و ترسيخ المصالح المتبادلة و تعميق مفهوم حسن الجوار و بناء الدولة تأسيساً على المصالح و المنافع الاستراتيجية .
 من المفروغ منه في هذا الصدد ان مصالح الدولتين سرعان ما عادت إلى رونقها حال توقيع الاتفاق وكان مدهشاً بحق ان قيمة الجنيه السوداني حيال العملات الأجنبية سرعان ما قويت وتوقف تصاعد ارتفاع قيمة الدولار على وجه الخصوص.
أغلب الخبراء الاقتصاديين عزوا تراجع سعر الدولار مقابل الجنيه إلى وثيقة الاتفاق، مع ان الاتفاق لم يزد عن كونه مبدئياً ولم يتحول بعد الى تفاصيل تمشي على الأرض. هذه الحقيقة في واقع الأمر تعود إلى عدة اعتبارات من المهم هنا النظر اليها بعين إستراتيجية شاملة:
أولاً، من المؤكد  احلال السلام في جنوب السودان سيؤدي الى توقف الحرب و الصراع  من ثم يعود الأمن و حقول النفط الجنوبي لمعاودة انتاجها وعملها. و نحن نعلم ان إنتاج النفط الجنوبي قد توقف خلال السنوات الـ5 الماضية بسبب الحرب و الصراع هناك. كما نعلم ان معاودة ضخ النفط منعناه اعادة تشغيل الأنابيب للنقل و التصدير الممتدة إلى ميناء بوتسودان، ومن ثم حصول السودان تبعاً لذلك على مقابل نقل النفط أو قيمة إيجار النقل بما يعود على السودان بالعملة الصعبة التى يعاني الاقتصاد السوداني من شحها و ندرتها.
دولة الجنوب من جانبها سوف ينتعش اقتصادها و هذا بدوره يعني انها ستصبح قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه السودان مثل التعويض المتفق عليه عقب الانفصال بان ينال السودان مبلغاً معيناً نظير أيلولة حقول النفط لدولة الجنوب و فقدان السودان لهذا المورد الحيوي الهام جراء الانفصال.
ثانياً، إحلال السلام و توقف الصراع و الحرب في دولة الجنوب يعني ايضاً ان الجارتين سوف تنشطا على الفور في ممارسة تجارة الحدود، احد أهم و أعمق وسائل تنشيط الاقتصاد وتفعيله؛ فدولة الجنوب وفضلاً عن طول حدودها مع السودان ، فهي دولة وليدة بالكاد تحصل على احتياجاتها لمواطنيها من دول الجوار، والمسافة بين مدن واقاليم دولة الجنوب مدن واقاليم السودان هي الأقصر والأقل تكلفة مقارنة ببقية دول الجوار.
 ومن المؤكد ان عودة تجارة الحدود بين الدولتين سوف يسهم في إنعاش أسواق و اقتصاد الدولتين وتشجيع الاستيراد والتصدير.
ثالثاً، عودة الأمن و الاستقرار لدولة جنوب السودان بالضرورة سوف يخلق رأياً شعبياً عاماً وقوياً ينهي أنشطة الحركات المسلحة التى تنشط في مواجهة الخرطوم . الرئيس الجنوبي كير، وفى سبيل رد الجميل قال لنظيره السوداني البشير: انه على استعداد للتوسط – تماما كما فعلت الخرطوم – لإنهاء الصراع بين الحكومة السودانية و الحركات المسلحة السودانية – اضافة إلى ذلك فان من الممكن ان تدخل جوبا والخرطوم في تجربة القوات المشتركة على غرار ما سبق وان فعلت كل من الخرطوم إنجمينا، ذلك ان من الضروري بمكان ان تصبح الحدود المشتركة مسرحاً لتبادل المنافع و المصالح الاقتصادية المشتركة لا سيطرة القوى والحركات المسلحة.
خلاصة القول ان الخرطوم وجوبا هما الآن تمثلان أنموذجاً يحتذى في الاقليم، فقد عاد ا لتضميد جراحهما ورعاية مصالح شعبيهما وترسيخ فكرة السلام و التطلع للمستقبل.

مكافحة الفساد في السودان.. حقائق محاذير!

يحمد للحكومة السودانية أنها أقرّت بوجود فساد، ومن ثم شرعت على الفور وعبر إجراءات تنفيذية واضحة وملموسة في استئصال شأفة هذا المرض الإداري السياسي اللعين.
ومن أهم الآليات الفاعلة لمكافحة الفساد التى تمت ترجمتها على ارض الواقع: 1/ إنشاء وحدة متخصصة للتحقيق وتلقى الشكاوي ومتابعة الملفات مزودة بصلاحيات قانونية وقضائية كافية. 2/ إنشاء محاكم مختصة متفرغة للفصل في قضايا الفساد باشرت أعمالها بالفعل وشرعت في نظر القضايا المحالة إليها والتى تنشر الصحف ووسائل الإعلام وقائعها بصورة راتبه. 3/ توقيف وملاحقة كل من تدور حوله أحاديث فساد محتملة إذ أن هناك بالفعل عشرات المقبوض عليهم والذين يضعون لتحقيقات مكثفة.
هذه الإجراءات التى يعرفها الكل في السودان يمكن اعتبارها إجراءات عملية من شأنها بالفعل محاصرة هذا الداء الذي بات يتهدد هيكل الدولة و يؤثر في حركتها اليومية. ولا شك ان إقرار الحكومة السودانية بوجود فساد ومفسدين يحسب لصالحها، فهي مارست شفافية كاملة وأقرت بوجود بعض المفسدين، ولكن من الجانب الآخر فان من المهم ان نمعن النظر الى أمر أكثر أهمية وخطورة.
 فمن جانب أول فان مقتضى ملاحقة الفساد والمفسدين تنظيف ثوب الدولة – بكافة أجهزتها ومؤسساتها – من درن الفساد، وهذا الإجراء يتطلب ان يكون كل إجراء أو تحرك مستنداً الى نصوص القانون ودون الحاجة إلى اخذ الناس بالشبهات والشائعات والأحاديث المرسلة، هذا فان وحدة مكافحة الفساد تم تزويدها بوكلاء نيابات وقضاة لكي يكونوا (مصفاة) عدلية تمنع أي تغول على حقوق الناس او تأخذ الناس بالشبهات.
هذه النقطة مهمة للغاية، ان المقصد الاستراتيجي لعملية مكافحة الفساد هو القضاء عليه و تنظيفه ثياب الدولة منه وفي ذات الوقت إخافة وردع الذين يودون ممارسة هذا الفساد بإيصال رسائل واضحة لهم ان عين السلطة تراقب كل شيء ولن تتوانى في ضبطهم.
ومن جانب ثاني فان عملية مكافحة الفساد وان كانت قد تؤثر على بعض الناس في سمعتهم و في تأهيلهم وفي الثقة فيهم إلا ان كل ذلك ما ينبغي ان يضعف همة الأجهزة المختلفة في المضي قدما باتجاه القضاء على هذا الداء.
ومن جانب ثالث فان أجهزة الاعلام مطالبة -في هذا الظرف الدقيق بحق- بتوخي أقصى درجات الحيطة في النشر واطلاق الاتهامات لان وجود وحدة متخصصة لمتابعة الشكاوي و الملفات المشتبه بوجود فساد فيها يغني عن اخذ الناس بالشبهات و الشائعات، وان الجانب الأهم في هذه المعادلة تجنب تشويه صورة المؤسسات الحكومية او السياسية لمجرد وجود مشتبه به لم تقرر جهات التحري و الحقائق بعد ما اذا كان هذا المشتبه به متهماً محتملاً أم لا.
أخيراً، فان من الممكن ان يستغل البعض هذا المناخ لصالح أجندات شخصية لتصفية حسابات سياسية وهذا قد يهدم جوهر فكرة القضاء على الفساد حين يرتكز على أسس الخصومات السياسية و التنكيل بالآخر. وعلى ذلك فان قضية الفساد من القضايا الاستراتيجية التى لا ينحصر أثرها فقط على معاقبة المفسدين او استرداد المال وإنما يتعدى ذلك لإصلاح الممارسة السياسية والإدارية في هيكل الدولة، وكلما كان هيكل الدول ممثلاً في الخدمة المدنية و الاجهزة المؤسسات النظامية و المنظومات السياسية هيكلاً مستقيماً قوياً؛ كلما كنت الدولة السودانية قوية وقادرة على البقاء و استشراف المستقبل.

الأحد، 5 أغسطس 2018

الخرطوم تغزل ثوب السلام بخيوط من حرير

الامين العام للامم المتحدة، مساعد وزير الخارجية الامريكي للشئون الافريقية (ياما ماتو)، الامين العام للجامعة العربية (احمد ابو الغيط)، دول الترويكا، رئيس الاتحاد الافريقي (بول كي جامي) ، رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي (موسى فكي)، رؤساء يوغندا وجيبوتي واثيوبيا وكينيا.
هؤلاء جميعاً كانوا حضوراً في المحفل التاريخي الخاص باحلال السلام في دولة جنوب السودان في العاصمة السودانية الخرطوم، العاصمة التى استطاعت ان تعيد ترتيب اوراق الفرقاء الجنوبيين وان تعيد حمائم السلام البيضاء التى طال غيابها عن العاصمة الجنوبية جوبا.
المحفل الاقليمي والدولي الناصع هو في واقع الامر بمثابة (عرس افريقي) بامتياز اعاد كتابة تاريخ السودان الناصع في حلحلة النزاعات و تضميد الجراح و ترتيب القضايا السياسية لتصبح قضية الامن القومي الافريقي قضية استراتيجية ضخمة تولى السودان باقتدار ادارة عجلتها إلى الامام .
و المتأمل في هذا الحدث التاريخي الكبير بامكانه ان يقرأ اللافتات الفرح و الترحيب وما وراء الابتسامات السمراء الكثيرة جداً: أولاً أثبت السودان أنه يمتلك ارادة ودوراً و فاعلية لا مجرد زعم و إدعاء، اذ لم يكن سهلا على الاطلاق مهما حسنت النوايا ان يتم حل النزاع الدامي الذي دخل عامه السادس في بضع اسابيع.
القضية الجنوبية من التعقيد بمكان حيث لم يكن من احد مهما كانت درجة تفاؤله ان يتوقع حلها بهذا الزمن القياسي. مما يؤكد ان الارادة السياسية و عنصر الجدية و الرغبة الصادقة في الحل توفرت للوسيط السوداني وأهلته لادارة عملية وساطة اثمرت هذه الثمار اليانعات.
ثانياً، السودان اثبت ايضاً انه قادر لوحده على حل مشاكله الداخلية، إذ ان المفارقة السياسية الكبرى التى يتعين الانتباه لها في هذا الجانب، ان اكثر ما أعان السودان و أهله لقيادة وساطة ناجحة اسفرت عن هذه النتائج، صلابة علاقاته القوية الجيدة بالفرقاء الجنوبيين وهي صلات نابعة من قوة الانتماء السابق كون ان الجميع كانوا سودانيين قبل الانفصال وان الروابط و آصرة الدم والقربى لعبت درواً في تسهيل انجاز المهمة.
هذه النقطة شديدة الاهمية من واقع ان السودان ظل باستمرار يؤكد انه قادر على حلحلة مشاكله الداخلية بين مكوناته السياسية المختلفة نظراً لان التقاليد السودانية اكثر عمقاً و اقدر على تسهيل مهمة التفاهم و تبادل الرؤى بيسر و سهولة.
السودان ظل ولسنوات يطالب معارضي الحكومة بالجلوس معها بلا وسطاء، وبالابتعاد عن تدويل قضاياه حتى لا تتعقد ، بل ان مؤتمر الحوار الوطني 2014- 2016 الذي جرت وقائعه في السودان لما يجاوز العام و نيف ينهض دليلاً على قدرة السودانيين على التفاهم فيما بينهم وحل مشاكلهم لوحدهم دون الحاجة لوسطاء او ضامنين.
هذه الحقيقة من المؤكد ان السودان الان يتباهي بها ، كون أنه –الوحيد – الذي نجح في احلال السلام في دولة الجنوب بالنظر إلى الرباط القومي الشامل و الروابط السابقة قبل الانفصال، و ان بامكان السودان ان ينهي صراع دارفور وجنوب كردفان والنيل الازق بذات الطريقة.
ثالثاً، تأكد للعالم و قادة  دول الاقليم - من واقع هذا النجاح الباهر- ان السودان لم يكن قط منحازاً لطرف او داعماً لطرف او مجموعة متنازعة من الفرقاء الجنوبيين، لانه لو كان هذا الزعم صحيحاً لما تسنى قبول وساطاته، و لو قبلت وساطته لما تسنى التوصل إلى تسوية سياسية في هذا الوقت القياسي بهذه السلاسة و السهولة .
ان اللوحة السياسية الجميلة التى بدت بها الخرطوم في يوم العرس هذا هي أكبر دليل على ان السودان يمتلك موارد سياسية طبيعية عالية القيمة وان هذا البلد الافريقي الذي حاصره سوء الظن والظلم اقوى بكثير من ما يبدو عليه .