الأحد، 1 مارس 2015

اليوناميد.. الإقتراب من متحف التاريخ!

أخيراً لم تجد الأمم المتحدة مناصاً من الرضوخ إلى الرغبة السودانية الملحة بشأن الإعداد لإستراتيجية خروج البعثة الأممية الافريقية المكلفة بحفظ السلام فى إقليم دارفور والمعروفة بـ(يوناميد).
الاجتماعات التمهيدية المشتركة التي ضمت ممثلين للأطراف الثلاثة (السودان والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي) والتي انعقدت بالخرطوم في الايام الفائتة خلصت الى ضرورة وضع إستراتيجية خروج، بعد ان جرت مناقشات موضوعية ساخنة حول الأوضاع فى الاقليم.
صحيح إن الخروج النهائي لم يتم البت فيه بصورة حاسمة وقاطعة، ولكن كان يكفي فقط أن يتم التوافق -من حيث المبدأ- على التفكير الجدي فى وضع الجداول الزمنية. ومن المؤكد –وفق مصادر دبلوماسية مطلعة– أن لا يتجاوز وجود اليوناميد في الإقليم عاماً واحداً على أبعد تقدير، وذلك بالطبع لاعتبارات تتصل بعدد موظفي اليوناميد والتسلسل الزمني اللازم لسحبهم من الإقليم.
ولا شك ان السودان بهذه الخطوة الإستراتيجية البالغة الأهمية لم يسترد سيادته الوطنية على إقليمه الذي ظلمته الدعاية الأجنبية الموتورة فحسب؛ لكنه في الواقع استطاع أن يرسي سابقة دولية مهمة، أهم عناصرها تتمثل في:
أولاً، ان فكرة حفظ السلام التي عادة ما تضطلع بها المنظمة الدولية ما تزال فكرة ذات أبعاد نظرية بأكثر مما هي ذات أبعاد عملية فاعلة إذا على الرغم من الصرف المالي الكبير على البعثة (قرابة الـ6 مليار دولار) إلا أنها لم تقم بالدور المنوط بها فى مهمتها، فقد وقعت ضحية لحوادث كثيرة، كما أنها كانت كثيرا ما تنشد حماية الحكومة السودانية في مفارقة غريبة تتعارض مع المهام الموكلة لها والهدف الرئيس من استجلابها!
السودان عبر خوضه للتجربة أثبت للمجتمع الدولي ان مهمة حفظ السلام فى إقليمه الغربي فى دارفور كانت شكلية إلى درجة كبيرة ولم تكن أبداً فاعلة.
ثانياً، التجربة على علاتها أعطت المجتمع الدولي صورة واضحة عن الطريقة التى تتعامل بها الحركات المسلحة فى الإقليم، فهي تبحث فقط عن المال والدعم، ولهذا فهي غالباً ما تهاجم حتى قوات حفظ السلام وهذه لتلبية احتياجاتها. وما من شك أن الحركات المسلحة التى تفعل (كل شيء) بلا وازع وطني يصعب التعامل معها كمكونات سياسية قابلة للتسوية وليس أدل على ذلك من أن هذه الحركات المسلحة وحالما توفرت لها (أجواء حرب) مواتية فى دولة جنوب السودان، سارعت بالذهاب الى هناك ودخول الحرب كـ(مرتزقة) للذي يدفع اكثر! وسبق أن فعلت ذات الشيء في ليبيا حين قاتلت الى جانب قوات القذافي ضد شعبيه!
من المؤكد ان تقارير البعثة المشتركة قد حوت المثير من ممارسات الحركات المسلحة وهو ما يستدعي أن يلفت انتباه المجتمع الدولي قبل فوات الأوان، فالمجتمع الدولي الذى يواجه الأمرّين الآن بشأن (داعش و بوكو حرام) إنما دفع هذا الثمن الأمني الباهظ جراء تساهله منذ البداية مع مثل هذه الحركات الموتورة التي لا مبدأ لها ولا دين ولا اعتبار لأي قواعد إنسانية. حركات دارفور المسلحة بلا شك مشروع لحركات ارتزاقية  ارهابية متطرفة اذا ما تجاهل المجتمع الدولي أمرها بذات القدر الآن.
ثالثاُ، تجربة البعثة المشركة أعطت المجتمع الدولي -ايضاً من خلال التقارير الدورية للبعثة- صورة متكاملة عن مدى تمتع الحكومة السودانية بإحكام السيطرة على الأوضاع، ومدى قدرتها على التعاطي مع الأوضاع ومعالجتها، إذ من المؤكد أن المجتمع الدولي الذي ربما كان يظن أن الحكومة السودانية فقدت للسيطرة على الإقليم ولذا سارع باستجلاب هذه القوات للقيام بمهام حفظ الأمن، قد أدرك على الفور أن تصوره كان دون شك خاطئ ومنقوص. بالطبع لابد أن المجمع الدولي قد دهش وهو يرى الحكومة السودانية -رغم كل ما ظلت تواجهه من مصاعب- وهي تبسط حمايتها الكاملة على قوات البعثة المشتركة وتوفر الأمن والحماية بدلاً من أن حدوث العكس.
لابد أن هذه النقطة الحيوية المركزية قد لفتت بقوة أنظار المجتمع الدولي ولابد أيضاً أنها أسهمت بطريقة أو أخرى فى الدفع باتجاه القبول بإستراتيجية الخروج. وعلى أي حال تظل تجربة قوات البعثة المشتركة التى أمتدت لحوالي7 أعوام في اقليم دارفور يمكن اعتبارها من التجارب المهمة بالنسبة لمهام حفظ السلام فى العالم، فقد نجح السودان فى إدارتها بقدر وافر من الحنكة والمثابرة دون أن يكلفه ذلك الاصطدام المباشر بالمجتمع الدولي، وكسب بذلك سيادته الوطنية وفي الوقت نفسه أثبت أن السودان يصعب ضمه في جناح الوصاية الدولية بحال من الأحوال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق