الاثنين، 5 يناير 2015

وما آفة الأمم المتحدة إلا موظفيها!

الامر المثير للتساؤل بشأن العلاقة التي ظل طابعها العام التوتر فيما بين الامم المتحدة والسودان، ان الامم المتحدة اذا كانت تسعى لخير ومصلحة السودان، وتدرك طبيعة أزماته لم تختار دائماً موظفين دوليين لا يضعون اعتباراً للحد الفاصل ما بين المهام الدولية ذات الطبيعة الانسانية والخدمية التي تقدمها المنظمة الدولية للدول المنضوية تحت لوائها وفق الميثاق المعروف في هذا الصدد، وما بين العمل السياسي والرأي فى الشأن الداخلي السوداني.
وقع العديد من كبار موظفي الامم المتحدة طوال العقدين الماضيين فى اخطاء جسيمة وفادحة كهذه؛ بعضهم كلفته هذه الأخطاء منصبه ووجوده فى السودان كما حدث لممثل الامين العام الخاص (يان برونك) قبل نحو من أربعة اعوام وبعضهم فقد القدرة على القيام بمهامه ليس لأن الحكومة السودانية أعاقته عن ذلك ولكن لأنه لم يدرك ما هية طبيعة مهامه.
ومن المعروف أن السودان كغيره من دول العالم التي تقع فيها حوادث مسلحة وحروب اهلية ومن ثم تثور فيها أزمات دولة ذات سيادة ووجود الازمات لا ينزع عنها هذه الصفة السياسية المهمة، كما ان الوجود الدولي الكثيف فى السودان لا يعني ان السودان بلد بلا إرادة أو سيادة او قدرات.
هذه في الواقع هي معضلة هذه العلاقة المتقلبة والنقطة الرئيسية المركزية فى الموضوع برمته. فسواء كان الموفدين الأممين الذين يتم ابتعاثهم الى السودان يخطئون فى تقديراتهم حيال أوضاعه المختلفة ظناً منهم ان هذا البلد بمعاناته لن يقوى على الاعتراض على ما يقولونه أو يفعلونه أو كان هؤلاء الموظفين -بغض النظر عن جنسياتهم- ينفذون أجندات مشبوهة لقوى لدولية بعينها دفعت بهم لأهداف خاصة بها وتنتظر ان يحققوا لها ما تريده، فإن هؤلاء الموظفين الدوليين على اية حال ظلوا وباستمرار يزيدون من معاناة المواطنين السودانيين فى الوقت الذي كان من المفترض فيه انهم يخففون هذه المعاناة أو يزيلونها تماماً.
على سبيل المثال فإن علي الزعتري الذي قررت الحكومة السودانية طرده من البلاد هو المسئول عن الشئون الانسانية وكان بإمكان الرجل –وهو من جنسية عربية معروفة– أن يبذل ما في وسعه لمساعدة السودان ومواطنيه فى الاستفادة من الخدمات الانسانية التي تقدمها المنظمة الدولية للبلدان العضو فيها. وكان من الممكن ان يحقق الرجل انجازات كبيرة فى ايصال المساعدات للمحتاجين فى مناطق النزاعات ولكن عوضاً عن ذلك حشر نفسه فى زاوية حرجة حين اتجه الى التقليل من كرامة السودانيين ووصفهم بأنهم سوف يعيشون حياتهم كلها اعتماداً على الإغاثات وألاّ مجال لتحسن الاوضاع فى السودان!
لقد تعرض الرجل -بجرأة نادرة- حتى لرمز سيادة الدولة بغض النظر عن الاتفاق او الاختلاف حول رمز سيادة الدولة. في مثل هذه الحالات فإن الامم المتحدة تصبح على الفور -عبر موظفيها- طرفاً في المعادلة السياسية في البلاد. فالذي يوجه النقد للحكومة وكيفية إدارتها لشئونها ويوجه إساءة الى شعب الدولة ويقلل من شأنه لا يمكن ان يصلح بحال من الاحوال فى مهمة دولية كهذي من جهة دولية يفترض فيها الحياد حيال أنظمة الدول الاعضاء. بل إن الامانة العامة للمنظمة الدولية نفسها -للأسف الشديد- تعطي اعتباراً كبيراً لتقارير موظفيها وتصر -دون مبرر- على ان ما يقولونه او يفعلونه هو الصواب وحده وليس سواه بدليل ان الامين العام للأمم المتحدة بان كي مون فى سابقه دبلوماسية غير مألوفة اخرج بياناً يستنكر فيه طرد الزعتري ومعه (ايفون هيل) المدير القطري للبرنامج الانمائي ويطالب الحكومة السودانية بإعادتهما!
هذا المسلك يُفهم منه أن الامم المتحدة لا تضع ادنى اعتبار بل ولا تكترث لسيادة الدولة المعنية وهو أمر يتصادم مع طبيعة مهام المنظمة الدولية وقس على ذلك عشرات الامثلة التي ظلت قائمة على مدى عشرين عاماً الماضية. ولا يمكن والحال كهذه تبرئة الامم المتحدة بصفة عامة من التأثير -بطريقة او أخرى- بأجندة وأهداف قوى دولية معينة لا تخفي عداءها ضد السودان وتسعى لإذلاله بشتى السبل.
وعلى ذلك فإن اصلاح طبيعة العلاقة بين الامم المتحدة والبلد الذي تعمل فيه هو في الواقع جزء لا يتجزأ من الاصلاح الشامل المطلوب للمنظمة الدولية سواء على صعيد مجلس الامن او الجمعية العامة أو حتى الوكالات المتخصصة التابعة لها، ففي ظل الاهداف النبيلة البراقة التى انشأت من أجلها المنظمة الدولية فإن الواقع على الارض لا ينبئ عن وجود لهذه الاهداف النبيلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق