الأحد، 2 أغسطس 2015

أخطاء إستراتيجية تعرقل عملية الحوار الوطني في السودان!

الحوار الوطني قضية إستراتيجية وطنية فرضت نفسها بقوة على الساحة السياسية والوطنية السودانية وهو بهذه المثابة أمر لا يمتلك أحد القدرة على تجاوزه أو إسقاطه من الأجندة الوطنية، كما أنه أمر يصعب إلقاء اللوم على تأخره أو تعثره على طرف بعينه.
طبيعة الحوار نفسها وباعتباره عملاً سياسياً لا يخلو من تعقيدات تتطلب هذا التعثر، فلو أن الفرقاء السودانيين بكل هذا الاتفاق والتوافق، بل والتقارب الذي يتيح سرعة وسهولة الجلوس والتحاور، لما كانت هنالك حاجة من الأساس لهذا الحوار، حيث إن الحوار الوطني وبعد مسيرة سياسية شاقة وصعبة في السودان بدا هو الخيار السياسي الأفضل والأنجع لمعالجة مشكلات البلاد وهي مشكلات ليست وليدة اليوم أو الأمس وإنما ظلت عالقة حتى قبل أن ينال السودان استقلاله في العام 195م.
التعثر الماثل الآن حيال عملية الحوار لا يمكن من الناحية الموضوعة رد أسبابه إلى طرف ما بعينه، ولكن بالمقابل فإن هناك أخطاء إستراتيجية ما فتئت تترتب بشأن عملية الحوار بإمكاننا هنا إجمالها في نقاط محددة: أولاً، الاعتقاد الخاطئ بأن الحوار -عملياً- في يد الحزب الحاكم وأنه هو المسيطر عليه، هذا الاعتقاد خاطئ لأن الحزب الحاكم وحتى مع كونه هو المسيطر على أوضاع لدولة السودانية ومكلف -انتخابياً- بإدارتها إلا أنه وحين طرح الحوار، طرحه كقضية سياسية عامة تهم القوى السياسية وتهمّ كافة قطاعات المجتمع.
الحزب الحاكم لم يحدد أي طار سياسي أو مدى زمني أو قيود سياسية معينة لعملية الحوار، وقد قررت الجمعية العمومية في أول اجتماع لها -ابريل 2014- تشكيل آلية 7+7 لتكون هي المنسقة للعملية، والآلية نفسها ليست حكراً على أحد ويتجلّى الخطأ الفادح هنا في أن الجميع أعطى انطباعاً على سيطرة الحزب الحاكم، ومن ثم أصبح الجميع في انتظار قرارات الحزب الحاكم!
تصحيح هذا الخطأ إنما يتم فقط بالرجوع إلى اجتماع الجمعية العمومية التي عقدت أول اجتماع لها كما أسلفنا بقاعة الصداقة أمسية السادس من ابريل 2014م. المؤسف في هذا الوضع أن غالب القوى السياسية ما تزال تلقي باللوم على الحزب الحاكم وتلاحقه فيه هذا الصدد!
ثانياً، استعجال في انعقاد جلسات الحوار ليس هدفاً في حد ذاته، إذ أن المطلوب هو ضمان مشاركة الجميع في فعاليات الحوار ولو لم يتسنّ ذلك فعلى الأقل غالب القوى السياسية وحملة السلاح والقوى المجتمعية، ولهذا فإن استعجال البعض في وجهه الآخر هو إفساد لعملية المشاركة الكاملة.
وبالمقابل فإن الحوار إذا كان انعقد الآن وبأي كيفية -وطبعاً في ظل غياب قوى أخرى- فإن البعض سوف يوجه إليه النقد كونه انعقد (بمن حضر)! وهكذا فإن المعادلة السياسية بهذا الصدد صعبة ومن الممكن أن يتحول الحوار إذا ما تعجل البعض إلى الحوار جزئي ولا يخدم قضية البناء الوطني مهما كانت قوة مشاركة الذين شاركوا. الاستعجال هو في حد ذاته خطأ من أخطاء التعامل مع قضية الحوار.
ثالثاً، شعور بعض القوى السياسية بأن عملية الحوار -في حد ذاتها- هي الباب الاستهلالي الأول لتغيير معادلة السلطة (تغيير النظام) وهو دون شك شعور خاطئ وتفكير غير استراتيجي وأبعد ما يكون عن الموضوعية . صحيح إن عملية الحوار في جزء منها هي وسيلة لخلق أفضل مناخ سياسي مواتي لترسيخ عملية التداول السلمي للسلطة ومعالجة كافة إشكالات الحكم؛ ولكن ليست من أهداف الحوار القيام بعملية (إحلال وإبدال) سياسي في منظومة السلطة لإخراج مكون سياسي بعينه وإحلال مكون سياسي آخر، في هذه الحالة فإن الساحة السياسية تكون قد أعادت إنتاج ذات الأزمة.
رابعاً، مثلما أن بعض القوى اعتقد -خطأً- أن هناك شروطاً للحوار ينبغي أن يفي بها الحزب الحاكم أولاً وقبل جلوسها معه، ومع كون هذا الموقف خاطئ تماماً، فإن ذات هذه القوى نفسها هي الأخرى مطالبة باستيفاء شروط مهمة قبل الجلوس للحوار، أقلها نفض يدها عن التحالف مع حملة السلاح والجلوس معهم، إذ أن الجلوس للحوار وفي جيب الجالسين رصاص معناه الضغط على المتحاورين؛ كما أنه يعني أن المتحاورين يستندون إلى السلاح بأكثر من استنادهم إلى المنطق السياسي وهو أمر كفيل بإفشال الحوار من أساسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق