الأحد، 2 أغسطس 2015

المنطقتين بين المنطق السياسي والمنطق القانوني!

من الناحية السياسية المحضة فإن المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) من القضايا التي من الممكن بل من المفروض أن تجري مناقشتها داخل فعاليات الحوار الوطني، فلو لم يكن هناك من سبب موضوعي ومنطقي، فعلى الأقل لكون قضية هاتين المنطقتين في الوقت الراهن وبالنظر إلى مفاوضي المنطقتين لن تصل إلى غاياتها، إذ أن الحلو وعرمان وعقار -للأسف الشديد- لديهم أجندات وأهداف أكبر من مجرد حل مشكلة هاتين المنطقتين، ولهذا فإن المنطق السياسي أن تحل مشكلة المنطقتين في إطار داخلي سوداني سوداني وعلى طاولة الحوار الوطني يبدو أقوى وأكثر موضوعية من المنطق القانوني المستند إلى قرار مجلس الأمن الصادر في هذا الصدد والذي جعل من أديس أبابا مقراً للمفاوضات!
سوف يكتشف مجلس الأمن قريباً جداً فداحة الخطأ الذي ارتكبه بإلزام الطرفين بالتفاوض -بموجب قرار صادر عنه- لقضية المنطقتين،  في حين أن هناك آلية أشمل للحوار الوطني تتيح نقاشاً أوسع وحلاً أشمل.
وبالطبع ليس من المألوف أن يتراجع مجلس الأمن عن قراراته ولكن ليس هناك ما يمنع من أن يراجع المجلس قراره هذا، إذ لا يمكن لعاقل أن يعتقد أن ياسر عرمان على سبيل المثال جزء من أبناء المنطقتين! صحيح أن مجلس الأمن قصدَ وبسوء نية واضح كان وراءه الأمريكيين إعادة إنتاج أزمة جنوب السودان ونظر إلى (مخلّفات) الحركة الشعبية في المنطقتين باعتبارها وريثاً شرعياً للحركة الشعبية في دولة جنوب السودان، ولكن من المؤكد أن مجلس الأمن رأى وشهد النتيجة المؤسفة لانفراد الحركة الشعبية في حكم دولة الجنوب والتي جرت مساعدتها للانفصال.
إن أحداً لن يساوره أدنى شك أن إصدار مجلس الأمن لقرار بإنشاء منبر تفاوضي للمنطقتين هو بمثابة استنساخ متعمد لما جرى في جنوب السودان بأمل أن تمضي الأمور بذات الاتجاه، إتفاقية سلام وتقرير مصير ومن ثم فصل للمنطقتين. وعلى ذلك فإن المنطق السياسي يفرض الآن أن تنظر القوى الدولية حتى ولو كانت مدفوعة بمصالحها الخاصة إلى المستجدات السياسية الماثلة الآن في السودان في سعيّ هذا البلد نحو معالجة قضاياه عبر الحوار! فطالما أن الحوار صار قضية قومية مطروحة حالياً في السودان فإن دعم المجتمع الدولي لهذه القضية وتشجيع الأطراف السياسية والمسلحة للدخول في قضية الحوار يوفر جهداً ووقتاً ويعطي نتائج ايجابية باهرة.
ولهذا فإن من مساوئ عزل قضية المنطقتين عن بقية قضايا السودان وإفراد منبر خاص لها في أديس أبابا: أولاًً التفريق السلبي بين أبناء الوطن الواحد بإعطاء ميزة سياسية للبعض على حساب البعض الآخر وهذه النقطة إذا كانت قد أضرت من قبل في نموذج جنوب السودان حتى وصل الأمر إلى درجة إعطائه حقه في تقرير مصيره، فإنها ستحلق أبلغ الضرر حالياً بشأن قضية الحوار الوطني نظراً للازدواجية السياسية التي ستحدث جراء مشاركة قوى سياسية (من ذات المنطقتين) في الحوار وفي ذات الوقت وجود (مفاوضين) أبعد ما يكونوا عن المنطقتين يتفاوضون بإسمها على طاولة أديس!
ثانياً، من المؤكد أن إنتهاء مفاوضات المنطقتين قبل عملية الحوار سوف يحد من مساحة الحوار الوطني ويجعلها محددة بالمدى الذي وصلت إليه مفاوضات أديس بشأن المنطقتين، وهذا أمر فيه انتقاص لقضية الحوار كونها سوف تمنع المشاركة فيه من أبناء المنطقتين (من الداخل) في طرح رؤى مغايرة لما جرى في مفاوضات أديس!
أما إذا انتهى الحوار وخرج بنتائج قبل انتهاء مفاوضات المنطقتين فإن هذا سوف يجعل مفاوضات المنطقتين ملزمة (سياسياً وأخلاقياً) بمخرجات الحوار وهو ما لن يرضي قادة مفاوضات قطاع الشمال ومن ثم تظل الأزمة قائمة وأكثر تعقيداً.
ثالثاً، القوى الدارفورية المسلحة دون شك سوف تماطل بكل ما في وسعها في أن تجلس للتفاوض قبل أن تنجلي مفاوضات المنطقتين، فهي سوف تنتظر حتى ترى ثمرة مفاوضات المنطقتين، حتى تكون وحدها في الساحة ومن ثم تراهن على مكتسبات غير مسبوقة.
وهكذا فإن مفاوضات المنطقتين في الوقت الراهن تشكل خطراً على مجمل المشهد السياسي السوداني وتحد من فاعلية الحوار الوطني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق