نظراً للطابع التقليدي الممعن في التقليدية للممارسة السياسية في السودان
كونها ممارسة سياسية ارتبطت تاريخياً بقوة سياسية تقليدية نشأت على أساس
طائفي، ولم تستطع رغم مرور أكثر من 6 عقود أن تطور نفسها وهياكلها
وأطروحاتها، فإن النظر إلى حال الممارسة السياسية في السودان منذ حصول هذا
البلد على استقلاله عام 1956 دائماً يعتمد على أن الأنظمة الشمولية أو
العسكرية تعيق تطور الممارسة الديمقراطية.
صحيح إن الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على حكم السودان في الغالب كانت تحظر الوجود الحزبي؛ وصحيح أيضاً أن العمل السياسي الحزبي هو أحد أهم ركائز الممارسة الديمقراطية، باعتبار أن الأحزاب السياسية هي المنظمات المدنية المعنية بقيادة وإدارة العملية السياسية، ولكن بالمقابل فإن الحقيقة التي لا مراء حولها أن القوى الحزبية بأشكالها التقليدية ما تزال قاصرة وربما ستظل لعقود أخرى قاصرة من أن تلبي حاجة الممارسة السياسية الديمقراطية التي تعود بالنفع على شعب السودان.
من جانب آخر فإن التجربة أثبتت –أكثر من مرة– إن الأوعية الحزبية أضيق من أن تستوعب طاقات السودانيين بحيث يمكن القول إن الوعاء الحزبي العريض في السودان كله، يمناً ويساراً ووسطاً لا يساوي إلا نسبة بسيطة قد لا تجاز الـ25% من اهتمامات السودانيين! بل إن العملية الانتخابية التي جرت مؤخراً في ابريل 2015 أثبتت أن السودانيين ما يزالون بعيدين عن الأوعية السياسية الحزبية سواء لأن الأحزاب السياسية كما قلنا قاصرة من استيعاب تطلعاتهم، أو حتى لأن المزاج السوداني العام لا يستسيغ الأحزاب.
وعلى ذلك فإذا جاز لنا وضع اليد على العقبات الرئيسية التي تعترض تطورات الممارسة الديمقراطية في السودان فإننا نجد الآتي: أولاً، عدم قدرة الأحزاب التقليدية المعروفة ذات الطابع الطائفي على تطوير نفسها، وحتى حين يحاجج هؤلاء بأن الانقلابات العسكرية لم تعيق تطورهم فإن العكس تماماً هو الصحيح، إذ من المفروض أن الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على الحكم تعطي هذه القوى دوافع أقوى لتطوير نفسها بحيث تتعلم الدرس وتدرك لماذا ظل الشعب السوداني -لأكثر من ثلاث مرات- يهلل ويرحب بملء قلبه بالانقلابات العسكرية المتعاقبة التي عادة ما تطيح بحقب تعددية حزبية؟ حدث ذلك في نوفمبر 1958 ثم في مايو 1969 ثم يونيو 1989.
من المؤكد أن القوى الحزبية لم تفهم مكمن إعاقتها للتطور السياسي الديمقراطي في السودان ولم تدرك بعد لماذا لا تطيق غالب السودانيين الممارسة الحزبية التعددية.
ثانياً، الفهم الخاطئ الذي ترسخ لدى القوى الحزبية التقليدية النابع من أن الشعب السوداني طالما كان يحترم زعماء الطوائف ويحيطهم بقدر من التقديس، فهذا يعني أنهم على حق وأنهم خياره الوحيد!
هذا الفهم الخاطئ هو الذي يجعل زعماء الختمية والأنصار وباستمرار يراهنون على فترة انتقالية تعقبها انتخابات يكتسحونها في معاقلهم التقليدية. حتى هذه اللحظة وحتى يوم غد ما يزال الصادق المهدي والسيد الميرغني على يقين أن معاقلهم التقليدية ما تزال موجودة وأن المتغيرات لم تطالها بعد، وأنهم عائدون لا محالة لسدة السلطة لأنهم -سياسياً- مفضلون لدى السودانيين.
وهذا الاعتقاد الخاطئ هو الذي يعرقل الآن إمكانية إحداث نقلة سياسية تاريخية في الممارسة السياسية في السودان، بحسبان أن أي عمل سياسي (خارج هذين المواعين الطائفية) لن يحقق الإجماع السياسي المطلوب.
ثالثاً، تنامي ظاهرة القبلية والتي ظهرت بصفة خاصة بسبب انفجار طارئ حدث في الوعاء الطائفي، في بعض الأطراف حين ضاقت المواعين الطائفية التقليدية بالبعض، استعصموا بالقبيلة، ثم قاموا بتعزيز القبلية بالسلاح (دارفور نموذجاً)!
الأمر لا يحتاج إلى كبير عناء لإدراك ما أفرزته ممارسة القوى التقليدية (بمعاقلها المضمونة) في وأد طموحات بعض التيارات الحديثة في تلك الأصقاع؛ ولهذا فإن من المضحك والمؤلم هنا، أن رجلاً في قامة السيد الصادق المهدي يساوره اعتقاد أن بإمكانه التحالف مع القوى المسلحة الناشطة في تلك المناطق والمتحالفة فيما يسمى بالجبهة الثورية.
هؤلاء الذين تحالفوا في الجبهة الثورية إنما يستهدفون أول ما يستهدفون ذات هذه القوى التقليدية الطائفية التي لا مستقبل لها. وهكذا إذن يمكن القول إجمالاً إن واحدة من كبريات أزمات السودان ومعوقات نضوجه وتطوره السياسي هذه المعوقات الأساسية الثلاثة التي أشرنا إليها ولا شك أن الحوار الوطني الذي أساء هؤلاء فهمه كان وما يزال من المؤمل أن يعين الأطراف على وضع يدها على مكمن الداء الحقيقي، فالقضية اكبر من المحاصصات السياسية وإبرام الاتفاقات والخروج بمخرجات سياسية ترضي بعض القوى وتغضب الآخرين؟.
صحيح إن الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على حكم السودان في الغالب كانت تحظر الوجود الحزبي؛ وصحيح أيضاً أن العمل السياسي الحزبي هو أحد أهم ركائز الممارسة الديمقراطية، باعتبار أن الأحزاب السياسية هي المنظمات المدنية المعنية بقيادة وإدارة العملية السياسية، ولكن بالمقابل فإن الحقيقة التي لا مراء حولها أن القوى الحزبية بأشكالها التقليدية ما تزال قاصرة وربما ستظل لعقود أخرى قاصرة من أن تلبي حاجة الممارسة السياسية الديمقراطية التي تعود بالنفع على شعب السودان.
من جانب آخر فإن التجربة أثبتت –أكثر من مرة– إن الأوعية الحزبية أضيق من أن تستوعب طاقات السودانيين بحيث يمكن القول إن الوعاء الحزبي العريض في السودان كله، يمناً ويساراً ووسطاً لا يساوي إلا نسبة بسيطة قد لا تجاز الـ25% من اهتمامات السودانيين! بل إن العملية الانتخابية التي جرت مؤخراً في ابريل 2015 أثبتت أن السودانيين ما يزالون بعيدين عن الأوعية السياسية الحزبية سواء لأن الأحزاب السياسية كما قلنا قاصرة من استيعاب تطلعاتهم، أو حتى لأن المزاج السوداني العام لا يستسيغ الأحزاب.
وعلى ذلك فإذا جاز لنا وضع اليد على العقبات الرئيسية التي تعترض تطورات الممارسة الديمقراطية في السودان فإننا نجد الآتي: أولاً، عدم قدرة الأحزاب التقليدية المعروفة ذات الطابع الطائفي على تطوير نفسها، وحتى حين يحاجج هؤلاء بأن الانقلابات العسكرية لم تعيق تطورهم فإن العكس تماماً هو الصحيح، إذ من المفروض أن الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على الحكم تعطي هذه القوى دوافع أقوى لتطوير نفسها بحيث تتعلم الدرس وتدرك لماذا ظل الشعب السوداني -لأكثر من ثلاث مرات- يهلل ويرحب بملء قلبه بالانقلابات العسكرية المتعاقبة التي عادة ما تطيح بحقب تعددية حزبية؟ حدث ذلك في نوفمبر 1958 ثم في مايو 1969 ثم يونيو 1989.
من المؤكد أن القوى الحزبية لم تفهم مكمن إعاقتها للتطور السياسي الديمقراطي في السودان ولم تدرك بعد لماذا لا تطيق غالب السودانيين الممارسة الحزبية التعددية.
ثانياً، الفهم الخاطئ الذي ترسخ لدى القوى الحزبية التقليدية النابع من أن الشعب السوداني طالما كان يحترم زعماء الطوائف ويحيطهم بقدر من التقديس، فهذا يعني أنهم على حق وأنهم خياره الوحيد!
هذا الفهم الخاطئ هو الذي يجعل زعماء الختمية والأنصار وباستمرار يراهنون على فترة انتقالية تعقبها انتخابات يكتسحونها في معاقلهم التقليدية. حتى هذه اللحظة وحتى يوم غد ما يزال الصادق المهدي والسيد الميرغني على يقين أن معاقلهم التقليدية ما تزال موجودة وأن المتغيرات لم تطالها بعد، وأنهم عائدون لا محالة لسدة السلطة لأنهم -سياسياً- مفضلون لدى السودانيين.
وهذا الاعتقاد الخاطئ هو الذي يعرقل الآن إمكانية إحداث نقلة سياسية تاريخية في الممارسة السياسية في السودان، بحسبان أن أي عمل سياسي (خارج هذين المواعين الطائفية) لن يحقق الإجماع السياسي المطلوب.
ثالثاً، تنامي ظاهرة القبلية والتي ظهرت بصفة خاصة بسبب انفجار طارئ حدث في الوعاء الطائفي، في بعض الأطراف حين ضاقت المواعين الطائفية التقليدية بالبعض، استعصموا بالقبيلة، ثم قاموا بتعزيز القبلية بالسلاح (دارفور نموذجاً)!
الأمر لا يحتاج إلى كبير عناء لإدراك ما أفرزته ممارسة القوى التقليدية (بمعاقلها المضمونة) في وأد طموحات بعض التيارات الحديثة في تلك الأصقاع؛ ولهذا فإن من المضحك والمؤلم هنا، أن رجلاً في قامة السيد الصادق المهدي يساوره اعتقاد أن بإمكانه التحالف مع القوى المسلحة الناشطة في تلك المناطق والمتحالفة فيما يسمى بالجبهة الثورية.
هؤلاء الذين تحالفوا في الجبهة الثورية إنما يستهدفون أول ما يستهدفون ذات هذه القوى التقليدية الطائفية التي لا مستقبل لها. وهكذا إذن يمكن القول إجمالاً إن واحدة من كبريات أزمات السودان ومعوقات نضوجه وتطوره السياسي هذه المعوقات الأساسية الثلاثة التي أشرنا إليها ولا شك أن الحوار الوطني الذي أساء هؤلاء فهمه كان وما يزال من المؤمل أن يعين الأطراف على وضع يدها على مكمن الداء الحقيقي، فالقضية اكبر من المحاصصات السياسية وإبرام الاتفاقات والخروج بمخرجات سياسية ترضي بعض القوى وتغضب الآخرين؟.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق