الأحد، 17 مايو 2015

الحوار الوطني بين المسئولية الوطنية والمصالح الخاصة!

حتى هذه اللحظة، وربما لعقود قادمات سيظل الاعتقاد الراسخ لدى العديد من فرقاء العملية السياسية السودانية (لا سيما القوى الحزبية التقليدية) أن الحوار الوطني هو الاسم الكودي لتفكيك النظام القائم، ومن ثم الإفضاء إلى وضع انتقالي ومن ثم تأتي انتخابات عامة وتحرز فيها هذه القوى التقليدية أغلبيتها الميكانيكية الكلاسيكية المعروفة وتعود المعاقل القديمة، وتعود ذات السمة المعروفة، حكومة ائتلافية تنفض؛ حكومة أخرى متعددة الأحزاب، وهكذا!
كل قادة القوى المعارضة منشغلون تماماً بكيفية إعادة مصالحهم السياسية وينظرون إلى مائدة الحوار الوطني على أنها مائدة تفاوضية من أجل استرداد الماضي السياسي. ولهذا فإن مصطلح الحوار الوطني وبغض النظر عن الدوافع التي حدت بالوطني لإطلاقه، ما زال هو نفسه في حاجة إلى حوار حوله! إذ لا يزال مطلوباً معرفة طبيعة هذا الحوار ومفهومه وأهدافه وذلك على الأقل حتى يتسنى لجموع الشعب السوداني مقايسته بواقعها.
ومن المؤكد أن المفهوم العلمي الصحيح لعملية الحوار الوطني، هكذا مجرداً، هو التشاور -بقلب وطني سليم- حول القضايا والتحديات الكلية المهمة التي تواجه السودان: السلام، الاقتصاد، الهوية، الأسس الكبرى التي تتأسس عليها الأوطان، الغايات الكبرى التي لا مجال لإنشاء وطن إلا للوصول إليها بحيث تصبح الممارسة السياسية مستقرة، والسلام سائد، والنمو في كل المجالات الحياة، الاقتصاد، الثقافة، اجتماع ملحوظ وملموس.
لا نري حتى الآن من الذي قال للقوى السياسية قاطبة حاكمة ومعارضة إن الحوار الوطني هو مائدة للتفاوض حول من يحكم وكيف يحكم وكم مدة الفترة الانتقالية، كيف ستجري الانتخابات؟
كيف اتفق أن تحولت القضايا الرئيسية المهمة للسودان وكيفية نهضته مسرحاً للرضا والغضب من قبل القوى السياسية المختلفة؟ لماذا تركزت حتى الآن كل الأمور حول طرح المواقف السياسية؟ ذلك الحزب لا يقبل الحوار إلا بضمانات! وذلك الحزب الآخر لا يقبل الحوار إلا في الخارج وبحضور وإشراف إقليمي ودولي؟ وآخرين ليست لديهم أي أطروحات سياسية جادة ولكنهم ينتظرون فقط كيفية إسقاط النظام وإضعافه بأي ثمن.
إن قضية الحوار الوطني الحقيقة هي قضية تنادي أهل الفكر والسياسة والمتشبعون بالوازع الوطني لكي  يضعوا الأساس لبناء الدولة السودانية، بصرف النظر عن من يحكم، ذلك أن المشكلة الأولى والأساسية الآن أن التجاذب القائم بين الفرقاء السياسيين لا يتيح لمن يحكم القيام بواجبه الوطني، ومن ثم لا يتيح لشعب السودان الذي لا ذنب له التمتع بحقوقه في الحصول على الخدمات الأساسية والتمتع بالأمن والاستقرار.
ولا ندري ما الذي يضير القوى السياسية المختلفة القبول بفرضية الأمر الواقع طالما أن العمل السياسي قائم أساساً على فرضية الأمر الواقع. ما المشكلة إذا جاءت هذه القوى -دون أي شروط مسبقة- للتحاور والخروج برؤية شاملة لبناء الدولة السودانية، وترك قضية السلطة والحكم هذه للدورة الانتخابية المقبلة يقرر خلالها شعب السودان -وحده- من يحكمه؟
إن الشيء الذي بدا واضحاً في الآونة الأخيرة أن شعب السودان أذكى بكثير من أن تتم استمالته قسراً لصالح طرف أو آخر فذكاؤه وحده هو الضمانة الكبرى لضمان التداول السلمي للسلطة. إن قضية الحوار الوطني بدون شك هي مسئولية وطينة جبارة وتاريخية، وعلى القوى السياسية قاطبة إدراك هذه الحقيقة قبل فوات الأوان فالتاريخ لا يرحم ولا يجامل أحد.
وهذه المسئولية الوطنية تقتضي القبول بنتيجة الانتخابات الأخيرة على أن يجري الكل استعداداته للدورة الانتخابية المقبلة. أما الآن فإن الظروف تحتم الجلوس والاتفاق على القضايا الوطنية الكلية دون أدنى مزايدات سياسية أو مراهنة على مصالح خاصة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق