مشهد قل أن
تجد له مثيلاً ولا نظيراً في أي مكان في العالم، إلا في السودان. حوالي 259
سجيناً كانوا ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام بناء على أحكام قضائية استوفت
المعايير القانونية واستنفدت كل طرق الطعن و تمتع خلالها المحكومين بحقوقهم الدستورية في الدفاع عن أنفسهم، خرجوا الأسبوع الماضي من باحة السجن الاتحادي العتيق بمدينة الخرطوم بحري وضاحية كوبر إلى الحياة!
ولدوا من جديد، فقد كانوا على مرمى أمتار قليلة من فتلات الحبل الشهير، ولكن عفواً رئاسياً وصفه كلهم بأنه (كريم) أبعد عنهم الحبل الغليظ، ومنحهم فرصة أخرى للحياة.
ولدوا من جديد، فقد كانوا على مرمى أمتار قليلة من فتلات الحبل الشهير، ولكن عفواً رئاسياً وصفه كلهم بأنه (كريم) أبعد عنهم الحبل الغليظ، ومنحهم فرصة أخرى للحياة.
هذا المشهد الذي اختلطت فيه المشاعر السياسية والمشاعر
الاجتماعية، ما بين النشطاء السياسيين والحقوقيين، والمفرج عنهم وذويهم، و
أجهزة الإعلام المحلية والدولية، هو مشهد سوداني بامتياز. قرار الرئيس الذي
حمل الرقم 21 الذي تمت تلاوته من قبل سلطات السجن الاتحادي، ومرفق معه
كشفاً بأسماء المفرج عنهم، كان عنواناً تاريخياً فارقاً لمرحلة جديدة ولج
إليها السودان، البلد الأكثر جراحاً جراء المؤامرات والدسائس الدولية التى
عانى منها لعقود، لكي ينهض من فراش الاستشفاء إلى حدائق المستقبل والأمل
المنتظر.
عفا رئيس الجمهورية السوداني عن مدانين بجرائم عقوبتها الإعدام،
وكانوا خصوماً لشعب السودان و ليسوا خصوماً للحكومة وحدها جراء ما وقع منهم
من ترويع للآمنين في اجتياح أم درمان الشهير 2008 و (قوز دنقو) و (دونكي
البعاشيم) و (كلبس) و (فنقا). إذ ان الاعدام الصادر بحقهم من محكمة مختصة و
استنفذوا فيه –قانوناً- كافة طرق الاستئناف والطعن والمراجعة وطرقوا أبواب
المحكمة الدستورية نفسها، كان حكماً صحيحاً وفق الاجراءات القضائية
المعروفة، ولهذا فإن استخدام الرئيس لسلطاته المقررة في الدستور الانتقالي
2005 والعفو عنهم وإسقاط العقوبة أو ما تبقى منها، لا يمكن قراءته إلا في
سياق استشراف مرحلة سياسية جديدة كلية لترسيخ قيم التسامح والتوافق الوطني.
والذي يعرف السودانيين بالضرورة يدرك عمق مثل هذه المشاعر والمواقف و يدرك
دون أدنى شك أنها تجاوز للماضي، و تجديد للحاضر، وتأسيس نظيف للمستقبل.
ويكفي هنا ملاحظة العدد المهول من الأسر السودانية إلى جاءت من ارجاء
مختلفة للاستماع بأجواء هذه اللحظة التاريخية، و الدموع إلى اختلطت بضحكات
الفرح، والكلمات التى احتبس بعضها في الحلوق، والبعض الآخر تحدث عن الروح
الوفاقية والتأسيس للبناء الوطني. من المؤكد إذن إن السودان يتغلب الآن
بجدارة على المشهد النمطي الكاذب الذي قام بسجنه فيه الإعلام الأجنبي
الدعائي، كما أن السودان يتجاوز بشجاعة أوصاف و مخاوف البعض من مشروع
الحوار الوطني، هذه بعض ثماره اليانعات التى حان أوان قطافها قبل الموعد
المنتظر، فمشروع الحوار الوطني مشروع سوداني بتمويل سوداني محلي وبخارطة
هندسية سودانية، يجري الآن ترجمها على ارض الواقع وهي جديرة بالاحتفاء!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق