لفت
انتباهي أن أسرى العدل والمساواة الذين تم إطلاق سراحهم، كانوا أحرص ما
يكون – من خلال تصريحاتهم على تعديل الواقع المر الذي عاشوه وعاشه السودان
فقد تمنى الأسير الأشهر عبد العزيز نور عشر الأخ غير الشقيق لرئيس
حركة العدل والمساواة الراحل جبريل إبراهيم، أن يستفيد الفرقاء السودانيون
من الأجواء الحالية لطي الخلافات بينهم وهو ذات ما جرى على لسان عدد من
الأسرى الآخرين، وخاصة سلطان دار قمر ابراهيم ابكر الذي دعا بجرأة شديدة
إلى ضرورة العمل من أجل بناء سودان يسع الجميع، حتىلا يضطر بعض افراده لحمل
السلاح بل ان السلطان حرر شهادة براءة للحكومة من تعمد إساءة معاملتهم داخل
السجن، وقال إن معاملتهم كانت تتم بذات الطريقة التي يتم بها معاملة
المحكومين في قضايا أخرى.
الشاهد أن اللغة الميالة
إلى تبرئة السجان لم تكن حصراً على منسوبي حركة العدل والمساواة، فقد سبقهم
إليها عدد من الأسرى الذين أطلقت الحركة الشعبية سراحهم مؤخراً، وخاصة
الأسير شهاب برج، الذي أشار إلى أن الحركة الشعبية ظلت تعاملهم بطريقة
انسانية، ولم تتعمد تعذيبهم وهي الافادة التي صدع بها "شهاب" في حواره مع ثلاث
صحف مختلفة هي "الصيحة" و"التيار" و"المجهر السياسي" بل ان ذات الافادة جرت
– مع تعديل طفيف – على لسان البيروني بابكر، الذي مضى في ذات الدروب التي
سار عليها شهاب برج، وسلطان دار قمر ابراهيم ابكر.
حسناً فالروح التي يتحدث
بها الأسرى تبدو مختلفة تماماً ومباغتة للكثيرين، وخاصة الذين هيأوا أنفسهم
لسماع حديث غير ذلك، وهو ما يجعلنا تهمس في اذن كل المؤسسات المعنية بأمر
الحرب والسلام والتسوية الساسية، بضرورة الناي عن اللغة المنفرة، وانتاج
خطاب يتوافق مع هذه الروح المتسامحة التي يتحدث بها الأسرى، ويتوافق مع
تساميهم على الجراحات، لأن مجرد غيابهم عن "أهاليهم" حتى لو كانوا يتمرغون
في نعيم السجان، يعتبر في حد ذاته تجربة قاسية.
وظني أن هذه الأجواء ربما
لا تتوفر في القريب العاجل، ولذلك فالواجب يحتم أن يصمت تجار الحروب في كل
التشكيلات السياسية والعسكرية، سواء كانوا حاكمين او معارضين أو متحالفين
مع الحاكم او متعاطفين مع المعارضة لجهة أن ذلك سيضمن لنا فرصة جيدة لتطوير
حالة التلاقي الانساني التي تحدث حالياً لارساء السلام والمصالحة، خاصة أن
اصحاب الوجعة من المحكومين والأسرى، تخلوا عن الغبن وتجاوزوا الظلامات التي
جعلتهم يقطعون الفيافي من منطقة الطينة في غرب السودان، وحتى ام درمان من
أجل إنهاء حكم المؤتمر الوطني بقوة السلاح.
قناعتي أن الوقت موات اكثر
من ذي قبل، لطرح مبادرة حقيقية لتسوية الازمة السودانية وثقتي أن تلك
المبادرة ستكون اعمق اذا انخرط فيها او تبناها الاسرى، ولا سيما عبد العزيز
نور عشر برمزيته الكبيرة تأثيره في حركته وايضا شهاب برج والبيروني خاصة
أن المتغيرات كلها تصب في امكانية حل الازمة السودانية اذا صدقت النوايا، واذا تخلى
الفرقاء السودانيون عن الاجندات الصغيرة، وما يدعم ذلك هو أن المتغيرات
الدولية والاقليمية تصب بصورة مباشرة في صالح تلك المبادرة، فهل سينخرط
الأسرى في بناء السلام أم انهم سيعودون إلى مربعات الدم والقتل والبارود..!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق