الاثنين، 15 يونيو 2015

فاتورة نضالية باهظة!

الاعتراف الصادم الذي أدلت به الناشطة السودانية (ساندرا كدودة) مؤخراً والذي أقرت من خلاله وعبر مؤتمر صحفي مقتضب أنها (كذبت) حين أدعت منتصف ابريل الماضي أنها تعرضت لعملية اعتقال من قبل جهاز الأمن السوداني يمكن قراءتها في سياقات مختلفة، الرابط المحوري بينها جميعاً أن الكذب واحد من أهم أدوات النشطاء السياسيين المعارضين في ممارسة أنشطتهم السياسية.
ففي سياق أول، فإن ادعاء الاعتقال عبر اختلاق رواية محكمة وبتفاصيل قابلة للتصديق وفى ظروف سياسية ملتبسة (ظروف الانتخابات العامة) يمكن القول كان محاولة -حتى ولو بدت متواضعة- لصرف النظر عن الاستحقاق الانتخابي وتوجيه الأنظار باتجاه آخر تماماً.
الناشطة الكاذبة برعت في نسج رواية باستخدام الهاتف واستدارار عطف زملائها وأسرتها حينما نقلت عبر الهاتف مسمعاً درامياً وكأنها تخاطب  منسوبي سلطة أمنية تسألهم عن هويتهم وعن أسباب الاعتقال ثم قطع الاتصال بطريقة مفاجئة لإعطاء إيحاء ميلودرامي عالي التأثير!
هذا المسلك للأسف الشديد ومن حيث أرادت الناشطة ومن هم وراءها الإيحاء بحدث كان مؤملاً أن يوجه الأنظار إليها ويصرف النظر عن العملية الانتخابية الوشيكة في ذلك الحين، أعطى الدليل الدامغ على (القدرات المدهشة) من قبل مئات النشطاء على تزوير وتزييف المواقف لاستخلاص (موقف نضالي) ينضاف إلى سجل المناضل المعين من جهة؛  ويستعدي الحقوقيون ضد الحكومة من جهة أخرى.
ساندرا أعطت الدليل التاريخي على طبيعة الأكاذيب التي ظل بعض النشطاء والمناضلين يستخدمونها -بدأب ومثابرة- ضد الحكومة السودانية طوال العقود الماضية. الأمر لا يكلف سوى قدح الذهن واستدارار القريحة لاستخراج قصة دارية مؤثرة قابلة للتصديق.
خطأ ساندرا القاتل أنها اختارت المكان الخطأ والتوقيت الخطأ وغامرن بأسرتها وأصدقائها وزميلاتها مغامرة نادرة للغاية. المؤلم في الأمر هنا أن الكذب بدا (بارداً) ولم يطرف له جفن الناشطة إلاّ حين أدركت حقيقة المقولة الشعبية في شمال الوادي (الكذب خيبة)!
في سياق ثاني، فإن ساندرا ومن حيث لا تدري أفسدت على زملائها الآخرين -الأذكياء منهم وغير الأذكياء- متعة الاختلاق والتزييف وصناعة الكذب فهي من جانب أثبتت أنها لم تجد دورها بالطريقة التي رسمت لها والحبكة التي وضعت على يد سينارست بارع، وهو ما يهدم أي قدرة مستقبلية لأي ناشطة أو ناشط آخر على الدخول في تجربة كهذه مهما كانت موهبته؛ وهي من جانب ألحقت (إهانة) غير ضرورية لأسرتها، خاصة والدها الراحل كدودة، الذي كان برغم خلفيته الأيدلوجية المعروفة كقيادي في الحزب الشيوعي السوداني كان رجلاً متسقاً مع مبادئه ومواقفه السياسية.
السياق الثالث أن (ساندرا) ألقت عبئاً مهولاً على شخصها -عبر هذا التكذيب- لإثبات أمرين على قدر كبير من الصعوبة: أولهما، ما الذي أنجزته (سياسياً) من واقع هذه الأكذوبة الداوية وتكاليفها وفاتورتها الباهظة التي سددتها من حساب أسرتها الكبيرة والصغيرة وليس من حسابها الخاص فقط؟ ما هو المردود والمحصول السياسي المنتج من هذه الدراما المفجعة؟ ثانيهما، أين اختفت -طوال فترة الأكذوبة- بكل ما يعنيه مثل اختفاء كهذا من تساؤلات غاية في الإلحاح تتعلق بطبيعة تقاليد المجتمع السوداني وحرصه الشديد على مثل هذه الأمور؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق