الأحد، 23 يوليو 2017

بسبب العقوبات، السودان ينتقل من محاصَر إلى محاصِر!

بغض النظر عن الأسباب الكامنة وراء قرار إدارة الرئيس ترامب تمديد مهلة رفع العقوبات الامريكية عن السودان لـ3 أشهر إضافية؛ وبغض النظر عن المآلات  النتائج عقب انقضاء المهلة الإضافية؛ فإن من الضروري ملاحظة أمور مهمة وحيوية جدا، حققها السودان فى علاقاته المتأرجحة مع القوى العظمى كانت منعدمة تماماً ولم يكن سهلاً تحقيقها:
أولاً، استطاع السودان ان ينقل الملف نقلة إستراتيجية واضحة المعالم من محطة انعدام الآفاق، وعدم وضوح الرؤيا والوعود السراب التى ظلت تلاعب بها واشنطن، إلى محطة وضوح الحقوق والالتزامات بين الطرفين.
 فقبل نحو من 20 عاماً على سبيل المثال لم يكن واضحاً ما هي الأمور التى تدور في ذهن واشنطن وما هي أسباب فرضها لعقوبات أحادية الجانب، وكيف يمكن التفاهم في الأمر، وما المطلوب من السودان، وما هي التزامات واشنطن ومتى تقوم بتنفيذها؟ كانت الأمور كلها محض وعود تطلقها واشنطن بغرض إلهاء الحكومة السودانية والحصول منها على شيء تريده!
النقلة الاستراتيجية التى أحدثها السودان أنه جعل واشنطن تحدد على وجه التحديد المطلوبات التى تريدها من السودان لرفع العقوبات وهي المطلوبات الخمس المعروفة، ثم تلى هذه النقلة ان السودان جعل واشنطن تحدد قيداً زمنياً للرفع النهائي وهي مدة الأشهر الست التى كان قد حددها الرئيس السابق أوباما، والأهم من كل ذلك ان واشنطن باتت تتحمل التزاماً سياسياً وقانونياً وأخلاقياً –ولم تكن تتحمل هذا الالتزام في السابق– وأصبح يتعين عليها ان تفصح عن موقفها من التزامها.
هذا التطور في حد ذاته يعد مكسباً استراتيجياً غالياً للسودان، و ينبغي دائماً وضعه نصب الأعين عند النظر إلى طبيعة العلاقات بين البلدين وآفاق مستقبلها.
ثانياً، حدثت أيضاً في سياق هذا التطور مفارقة جعلت السودان يتحول من (طرف مطلوب) ظلت واشنطن تطالبه بتحسين سلوكه وإعادة تنظيم أموره إلى (طرف طالب) يلاحق الولايات المتحدة بضرورة تنفيذ التزاماتها واسترداد حقوقه، ولعل ابلغ دليل على هذه المفارقة ان واشنطن وهي تقرر تمديد مهلة الرفع لم تستطع إيراد حيثيات تشير إلى إخفاق السودان في تنفيذ المطلوبات الخمس!
 هي فقط مددت المدة المقررة لـ3 أشره أخرى، ولو كان هناك أدنى احتمال إلى ان السودان لم يفي بتلك المطلوبات لأشارت حيثيات قرار التمديد إلى ذلك صراحة وطالما أنها لم تفعل فهي على الأقل كمن تلقي باللوم على نفسها كونها لم تستطيع معالجة الملف وأن المزيد من الوقت مطلوب!
ثالثاً، النقلة التى حدثت أخرجت ملف العقوبات من مساره القديم –غير الواضح– إلى مسار مضيء ، فالإدارة الامريكية الآن أصبحت (تربط نفسها) بجداول زمنية، ففي المرة الأولى وضعت فترة 6 أشهر، وهاهي الآن تضع فترة 3 أشهر، هذه الجداول الزمنية في العادة تلزمها في كل مرة أن تفصح عن نتيجة ما، وليس كما كان في السابق حين كانت تلتزم الصمت، او تلقي تبريرات سطحية. الآن أصحبت مطالبة بتبريرات واضحة وموضوعية.
 رابعاً، إطلاق الوعود عبر الجداول الزمنية و تقليص مدة الجداول الزمنية من عام إلى 6 أشهر إلى 3 أشهر تشير إلى إن الأمر يتخذ طابعاً تدرجياً، إذ لا تريد واشنطن فيما يبدو أن تقرر رفعاً نهائياً على نحو سهل وسلس، مخافة بعض جماعات الضغط وتلافياً لأي مستجدات. مجمل القول ان السودان مهما كانت مواقف واشنطن منه دفعها لاستنفاذ كل حججها، ونزع منها كل مبرراتها وأجبرها على أن تضغط على نفسها بنفسها!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق