الاثنين، 2 نوفمبر 2015

الأزمة السودانية: لا مياه مرت تحت الجسر

على ضوء الإطار الكلي الذي أوردناه آنفًا اعتمد مجلس السلم والأمن الإفريقي ما يمكن اعتباره خريطة طريق للتمهيد لانطلاقة "الحوار الوطني" كعملية سودانية - سودانية عبر خطوات محددة لـ"تأكيد عمل منسق ومركز من قبل الآلية رفيعة المستوى في مساندة مجهودات أهل الشأن السودانيين في مخاطبة القضايا التي تواجه بلادهم" على النحو التالي:
أولاً: وقف الأعمال العدائية وذلك عبر مفاوضات تؤدّي فورًا لاتفاق شامل للترتيبات الأمنية، وتكون تحت رعاية الآلية رفيعة المستوى وبالتنسيق مع الممثل المشترك وكبير الوسطاء المشترك.
ثانيًا: المفاوضات بشأن وقف القتال في المنطقتين ودارفور ينبغي أن تتم بطريقة متزامنة.
ثالثًا: عقد اجتماع للأطراف السودانية لمناقشة القضايا ذات الصلة بعملية الحوار، من أجل تمهيد الطريق للحوار الوطني، وذلك في مقر الاتحاد الإفريقي وبتيسير الآليّة الإفريقية رفيعة المستوى.
رابعًا: الهدف من هذا الاجتماع التمهيدي بناءً على طلب أصحاب الشأن السودانيين لـ"تأكيد أن إجراءات بناء الثقة الضرورية قد اتخذت، وأن الخطوات الأساسية لعملية الحوار الوطني متفق عليها تمامًا، وأن العملية عادلة وسوف تنتج عنها أهداف متفق عليها تبادليًا".
خامسًا: ضمان التزام أصحاب الشأن السودانيين الفوري بإقامة بيئة مواتية لعقد مؤتمر الحوار الوطني، ويحثّ جميع أصحاب الشأن السودانيين المشاركين في الحوار الوطني على الامتناع عن خطاب الكراهية وعن شن الحملات الإعلامية السلبية ضد بعضهم.
سادسًا: يشجع الحكومة على تسريع جهودها نحو تنفيذ تدابير بناء الثقة المتفق عليها، وهي في الواقع منصوص عليها في خريطة طريقة لجنة الحوار (7+7) ومن ضمنها:
- الإفراج عن جميع المعتقلين والسجناء السياسيين.
- اعتماد وتنفيذ جميع الخطوات اللازمة لضمان الحريات السياسية والضمان الكامل لحرية التعبير والنشر، بما في ذلك سنّ التشريعات اللازمة لإتاحة هذه الحريات.
- ضمان أن القضاء سوف يكون المؤسسة الوحيدة للفصل في المسائل المتعلقة بممارسة حرية التعبير والنشر، دون اللجوء إلى إجراءات استثنائية.
- توفير الضمانات اللازمة للجماعات المسلحة للمشاركة بحرية في الحوار الوطني، وذلك لدى إبرام اتفاقيات وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية الشاملة.
- تسهيل وصول المساعدات الإنسانية لجميع السكان في المناطق المتأثرة بالحرب.
شكّل هذا التدخل الإيجابي للاتحاد الإفريقي حينها إطارًا موضوعيًا وفرصة مثالية، بالنظر إلى الطبيعة المعقدة للأزمة السودانية وامتداداتها المتشابكة، للأطراف السودانية للعمل بنيّة حسنة وبجديّة وحس بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية من أجل أن تضع الحرب أوزارها، التي يدفع ثمنها الباهظ ضحايا من غمار الناس، والشروع في عملية سياسية ذات مصداقيّة تفضي إلى وضع أسس لتسوية تاريخية، لكن كما أسلفنا فقد هزمت هذه الفرصة السانحة عقلية المناورة الضيقة، فالحزب الحاكم صاحب المبادرة لـ"الحوار" لم يبدِ أي حرص على الوفاء باستحقاقاته دعوته لأن ذلك كان من شأنه أن يعرقل إصراره على إجراء الانتخابات، خارج سياق مسار الحوار، فلجأ إلى المناورة لكسب الوقت ريثما يجري انتخابات من طرف واحد تضمن له غطاءً لتمديد سلطته، وهو ما يعني أن البقاء في السلطة كان أكثر محورية وأهمية في أجندته من البحث عن تسوية وطنية شاملة.
وفي الواقع فإن الأطرف الأخرى في الأزمة لم تكن أكثر حرصًا من الحزب الحاكم في إفشال جهود الاتحاد الإفريقي بعدم التعامل بالجدية اللازمة مع خطته للمساعدة في إنهاء الأزمة السودانية، لا سيما أنه لا يملك وسيلة حقيقية للضغط عليها أو معاقبة أي طرف يتسبب في عرقلة مسار التسوية، فالمعارضة لم تكن جاهزة لا سياسيًا ولا نفسيًا للانخراط في عملية تسوية جدية، وبدا مريحًا للكثير من فصائلها أن الدخول في عملية تسوية سلمية أكثر كلفة بالنسبة لها من استمرار حالة الأزمة الراهنة التي تضمن لها دورًا أكبر من حجمها الجماهيري الحقيقي إذا خضعت العملية السياسية برمتها للاختبار الانتخابي الحقيقي الذي قد يكشف تمتعها بأوزان ضئيلة لا تتناسب وحجم الدور المتضخم الذي تلعبه حاليًا.
ولذلك مثلما عمدت الحكومة إلى استخدام تكتيكات التعطيل لكسب الوقت بمبرّرات غير موضوعية، فقد عملت أطراف معارضة على إخراج خطة الاتحاد الإفريقي خارج سياقها التمهيدي الموضوعي بمحاولة تحويلها إلى منبر حوار استباقي حول قضايا من شأنها أن تكون من صميم أجندة الحوار نفسه.
مما يؤسف له أنه لا يبدو أن هناك تغيرًا في ذهنية المناورات الضيقة قد طرأ على أطراف الصراع السوداني، فلا يزال الجدل حول مسائل إجرائية بحتة هو المسيطر، من قبيل من يحضر الاجتماع التمهيدي ومن لا يحضره، لجوء الأطراف إلى طرح مواقف خارج سياق تفاوض منظم بغرض تسجيل نقاط تكتيكية مثل إعلان الحكومة وقف إطلاق النار لشهرين، وعرض حركات مسلحة وقفًا للعدائيات لستة أشهر، والسؤال هل توفرت للأطراف المتصارعة أي رؤية إيجابية حقيقية للبحث عن مشتركات للتسوية السلمية، وهو سؤال لا تصلح معه إجابة من باب توفر حسن النية، بل يتحقق من خلال إرادة فعلية تدرك أن الإجراءات التمهيدية الموضوعية يلزم توفرها لانطلاقة حوار جاد، ولا يجب أن تكون وسيلة للعرقلة المتبادلة.
وتبقى العبرة من كل هذا الدرس أن الأطراف السودانية، في الحكم والمعارضة، عادت لتثبت بعد أكثر من عام من المناورات المتبادلة أنها لا تزال تفتقر إلى النضج الوطني لتحمّل مسؤولية الوصول إلى تسوية تاريخيّة بأيدٍ سودانية خالصة، ولذلك عادت لتؤكد أنها لا تزال بحاجة إلى وصاية أطراف خارجية لتأخذ بيدها، وعادت الخرطوم بعد كل الذي أذاقته للرئيس إمبيكي ولجنته من مماطلات أو حتى "إهانات" لتخطب ودّه من جديد، وتسأله العون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق