‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة عالمية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة عالمية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 23 أبريل 2019

السودان يحتاج إلى الحكماء وليس الحماس السياسي

ما يحدث في السودان هذه الأيام يحتاج إلى قراءة متأنية.. ذلك أن (المجلس العسكري) المؤقت اتخذ قرارات حازمة كثيرة تنسجم مع مطالب الجماهير وقوى التغيير والمنظمات التي تقود المظاهرات في الشوارع، لكن ما يمكن ملاحظته أيضا أن (قوى التغيير) ترفع سقف مطالبها في كل مرة يستجيب (المجلس العسكري) المؤقت لمطالبها!
ففي البداية طالب المتظاهرون بانحياز الجيش السوداني إلى جانب الجماهير ضد حكومة (عمر البشير)، ثم طالبوا بإسقاط الرئيس «البشير» ذاته وليس الحكومة فقط، وحين تحققت لقوى التغيير مطالبهم بذلك، وتم تشكيل مجلس عسكري مؤقت لتحقيق مطالبهم، صاروا يطالبونه بإلغاء (المجلس العسكري) واستبداله بحكومة مدنية تقود المرحلة الانتقالية لإجراء انتخابات نيابية ورئاسية جديدة.
لكن السؤال: من الذي لديه (الصلاحية) لتشكيل الحكومة المدنية المؤقتة؟ هل هم قادة (قوى التغيير) وتجمع المهنيين المعارض؟ أم المعارضة المقيمة في الخارج؟ أم الأحزاب المسلحة في (دارفور)؟ أم الأحزاب السياسية التقليدية في السودان؟ وحتى لو اجتمع رأي هؤلاء جميعا على تشكيل (حكومة مدنية مؤقتة) فهل من المعقول فرضها بالقوة على (المجلس العسكري) المؤقت بعد أن أنجز لهم كثيرا من المطالب، ومهد لهم الطريق لتحقيق الانتصار في الشارع؟
المجلس العسكري قال إنه سوف يتشاور مع (المعارضة) لتشكيل الحكومة المؤقتة، وهذا هو الرأي السليم لخروج السودان من عنق الزجاجة والفراغ السياسي.. لكن أن تتحرك (المعارضة) لتنفرد وحدها بتشكيل الحكومة فهذا ابتزاز سياسي سوف يقود السودان إلى حمام دم لا تُحمد عقباه.
الوضع في السودان يحتاج إلى العقل والعقلانية وليس إلى التطرف من قبل المعارضة وتصعيد المطالب السياسية، ويحتاج السودان إلى (حكماء) يأخذون بالكلمة السديدة والرأي الراجح، ويوجد في المجتمع السياسي السوداني الكثير من هؤلاء الحكماء.. فقط احذروا من الدخول في النفق السوري أو الليبي، لأن انفلات الوضع الأمني يكون عادة هو بداية الجحيم والكوارث والحروب والقتل والتشريد والجوع والفقر والمرض.. أبعد الله عن إخواننا في السودان هذا المصير.

الاثنين، 22 أبريل 2019

تجربة تونس تقدّم دروسا للجزائر والسودان

حالة تونس أظهرت أن أي انتقال، حتى لو اعتبر ناجحا، سيظل محفوفا بالمخاطر ما لم يرافقه انتعاش اقتصادي يخلق فرص عمل ويدفع نحو النمو، وهذا أمر لا يسهل القيام به.
إن كانت الاضطرابات قد دفعت الرئيسين اللذين حكما لفترة طويلة في الجزائر والسودان إلى التخلي عن كرسييهما، في ترسل رسالة إلى الجيل السياسي الجديد بأن يستخلص دروسا من التحولات الأخرى التي شهدتها المنطقة العربية منذ اندلاع الربيع العربي سنة 2011.
يقول الدرس الأول إنه على الرغم من التداعيات الإقليمية للاضطرابات والاحتجاجات في البلدان العربية، فإنه لا يمكن تجاهل العوامل والأسباب الداخلية لها.
قد تبدو نظرية الدومينو أكثر إثارة وجاذبية عند دراسة طبيعة العوامل التي أدت إلى سقوط رئيسي الجزائر والسودان. لكن، يحمل واقع كل دولة دوافع أكبر تبرر الاحتجاجات وتجعلها العامل الحاسم الذي دفع عمر حسن البشير وعبدالعزيز بوتفليقة خارج دائرة السلطة، أكثر من كونها ارتدادات موجة خارجية.
خرج المحتجون في الجزائر والسودان إلى الشارع مدفوعين بالعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية في بلديهم، مثلما كان الأمر قبل سنوات في تونس وليبيا ومصر التي اختارت مجتمعاتها الوقوف أمام الأنظمة السلطوية.
لا يمكن إنكار فكرة حصول الجماهير الشابة على الإلهام والتشجيع من مشاهد المتظاهرين في البلدان العربية الأخرى. ولا تحتاج الصورة إلى محلل لمعرفة أن بعض الجهات الفاعلة الإقليمية التي تسعى إلى الحصول على نفوذ أوسع يمكن أن تجد في الاحتجاجات فرصة لتسوية الحسابات مع القادة الذين لا تحبهم. كما يمكن أن تروق فكرة تغيير النظام (في بلدان معينة أكثر من غيرها) لبعض القوى العالمية ذات الأجندات التدخّلية.
مع ذلك، تبقى عوامل الاضطرابات الأساسية داخلية. يمكن للسكان أن يتحملوا الرؤساء الذين تجاوزوا فترات ولاياتهم بأشواط، ولكن صبرهم ينفد في النهاية في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
في السنوات الأخيرة، وصلت العديد من المجتمعات العربية إلى نقطة لم تقدر عندها على مواصلة تحمل الأوضاع. أفاض المستبدون الذين تشبثوا بالسلطة لمدة عقدين أو ثلاثة عقود (إن لم يكن أكثر) الكأس في نهاية المطاف، ولم يعد مرحبا بهم.
فجأة، لم يعد السكان الذين بدوا على استعداد للعيش مع رئيس لا نهاية لفترة حكمه، راغبين في الانتظار لفترة أطول. لقد وصلوا إلى هذه النقطة بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الداخلية المتردية. هذا هو الدرس الثاني الذي  يجب أن يتذكره الحكام الجدد.
في الجزائر والسودان، تضرر الاقتصاد قبل أن يتوصل المتظاهرون إلى نتيجة مفادها أن على الحكام الرحيل. هناك بالطبع مسرعات للاحتجاجات، مثل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ومستوى القمع الذي تعرض له المتظاهرون وقدرة الحكام على قراءة شعارات المتظاهرين.
قد لا تمثل السياسات مشكلة. لكن، تنطلق ديناميكيات التغيير السياسي بسرعة بمجرد أن يرى الشباب في استمرار النظم السياسية التي عفى عليها الزمن عقبة بينهم وبين مستقبل أفضل.
زودت المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الأنظمة القائمة بإشارات إنذار مبكرة كان ينبغي أن تدفعها إلى تصحيح مسار سياساتها. لكن، تميل الأنظمة المعرضة لـ”خطر الانقراض” إلى المماطلة، وتحاول شراء الوقت.
جعلت الدولة البيروقراطية الجزائرية، إلى جانب المصالح العشائرية، النظام غير مستجيب للإرادات. وغرس ذلك يأسا لا يطاق في فئة الشباب. لم يستطع اقتصاد البلاد غير المتنوع التكيف مع انخفاض أسعار النفط من 100 دولار للبرميل في عام 2014 إلى 66 دولارا في الأشهر الأخيرة.
انخفض احتياطي النقد الأجنبي بمقدار النصف وتراجع نمو الناتج القومي الإجمالي إلى أقل من 1 بالمئة. لذلك لم تستطع الحكومة تمويل برامجها الاجتماعية.
نظرا إلى أن معدل بطالة الشباب بلغ حوالي 30 بالمئة، وأن نصف عدد السكان يقل أعمارهم عن 25 عاما، من غير المفاجئ أن الشباب كانوا أول من اعترض على محاولة الطبقة الحاكمة تمديد حكم بوتفليقة إلى ولاية خامسة.
كان السودان يعاني مع معدل تضخم يبلغ حوالي 70 بالمئة ومستوى ديون أجنبية تبلغ حوالي 50 مليار دولار واحتياطي عملة صعبة يكفي سبعة أسابيع من الواردات فقط.
لا يتجاوز نصف السكان في السودان سن الـ19 عاما، وتجاوزت نسبة البطالة في صفوف الشباب 27 بالمئة. كانت الأوضاع بمثابة قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت، إذ لم يكن حزب المؤتمر الحاكم على نفس صفحة مطالب السكان، ولم يعد حكمه الإسلامي يضمن سيطرة النظام على السلطة.
يجب على الأطراف الرئيسية، خاصة تلك التي تحاول التمسك بالسلطة، أن تنظر في دروس الانتفاضات العربية، وعليها أن تعي بأنه مع التحولات الديمقراطية من المرجح أن تعود الاقتصاديات لتطاردها في وقت أقرب مما تتوقعه.
أظهرت حالة تونس أن أي انتقال، حتى لو اعتبر ناجحا، سيظل محفوفا بالمخاطر ما لم يرافقه انتعاش اقتصادي يخلق فرص عمل ويدفع نحو النمو، وهذا أمر لا يسهل القيام به. في ظل المطالب التي لا نهاية لها والتوقعات الجامحة التي تأتي مع الحماس الثوري، ستكون سياسات الإنفاق الكبيرة أكبر من صرامة الميزانية. ولا يمكن الدفاع عن مثل هذه السياسات.
قد يركز الحكام المؤقتون في الجزائر والسودان على الاهتمامات العاجلة الآن. لكن، تنتشر مطالب بمحاكمة رجال الأعمال الفاسدين والتحقيق في مزاعم سوء الإدارة في شركة النفط الوطنية في الجزائر.
يلمّح الحكام السودانيون إلى أنهم يرون أن الصعوبات الاقتصادية ملحة، وشملت تعبيرات الدعم السعودي والإماراتي للخرطوم تعهدات بالإسراع بالمساعدة الاقتصادية للبلد شبه المفلس.
يجب على المؤسسة العسكرية والأمنية أن تضع في اعتبارها المخاطر الأمنية المنجرة عن الفراغات في السلطة مع الحدود غير الآمنة. ويجب ألا ترتكب أخطاء الحكام التونسيين الذين تركوا المتطرفين الإسلاميين يخربون بلدهم بعد الثورة. أدى ذلك إلى وقوع حوادث إرهابية كبرى قبل أن تدرك الطبقة السياسية الجديدة أهمية الحفاظ على الأمن القومي في ظل الديمقراطية.
في المقابل، يجب أن يسمح المجتمع للمؤسستين العسكرية والأمنية في السودان والجزائر بمواصلة أداء مهمتهما في مواجهة تحديات الأمن القومي، في حين ينبغي أن تتاح الفرصة أمام الجيل الجديد من السياسيين لتوجيه بلدانهم نحو الديمقراطية وإعادة البناء الاقتصادي. وهذا هو أهم درس يمكن استخلاصه في النهاية.

الثلاثاء، 2 أبريل 2019

البشير يشدد على الحوار لبناء وطن يسع الجميع

اتهم الرئيس السوداني عمر البشير جهات «لم يسمها» بالقفز على الاحتجاجات والعمل على استغلالها لتحقيق أجندات إقصائية، فيما أبدت الولايات المتحدة الأمريكية قلقها إزاء حالات الاعتقال التي تطال معارضي النظام والناشطين دون توجيه اتهامات مباشرة، واعتبرت تواصل الاحتجاز يناقض دعوات الحكومة للحوار مع معارضيها.
وفي كلمة له أمام البرلمان، أمس الاثنين، حذر البشير من «الاستغلال الخاطئ» للتظاهرات.
وقال البشير: «بعض الجهات حاولت استغلال التظاهرات في الشارع لخدمة أهدافها السياسية»، لكنه أشار إلى أن بلاده تشهد مرحلة جديدة في المسار السياسي، وأكد التزام الحكومة بأن تكون على مسافة واحدة من الجميع.
وتعهد البشير بقرارات وتدابير قال إن الأيام المقبلة ستشهدها لتعزيز مسار الحوار وتهيئ الساحة الوطنية لإنجاز التحول الوطني.
وجدد البشير، التزام الدولة بمحاربة الفساد والمفسدين، وقال إن السلام كان وما يزال هدفاً استراتيجياً، وإن الخطي ستمضي سراعاً، نحو إتمام حلقات السلام بالبلاد بكل الوسائل المتاحة والالتزام بوقف إطلاق النار الدائم حتى يكون العام 2019م هو عام السلام.
وجدد البشير، الدعوة لقوى المعارضة لوثيقة الحوار الوطني بقبول الحوار باعتباره الخيار الأول والأخير، والمعبر الآمن نحو بناء وطن يسع الجميع، وشدد على التزامه بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع. وشدد البشير على أهمية تمويل الحكومة للمشروعات الصغيرة للشباب، وتوفير الوحدات السكنية لهم.
من جهة أخرى، دعت السفارة الأمريكية في الخرطوم الأحد الحكومة إلى المضي قدما نحو حوار بناء حول الانتقال السياسي والاستجابة المثمرة دون عنف للاحتجاجات، مطالبة بإنهاء حملة الاعتقالات وسط المتظاهرين والقوى السياسية والصحفيين.
وزار القائم بالأعمال الأمريكي ستيفن كوتسيس القيادي في الحزب الشيوعي صديق يوسف بمنزله للاطمئنان عليه بعد إطلاق سراحه .
وقالت السفارة في بيان لها إن اعتقال قادة المعارضة والناشطين والصحفيين يتناقض ودعوة الحكومة لحوار مفتوح وشامل بشأن مستقبل السودان.
بدورها، أعلنت الشرطة، عن إصابات وسط المواطنين وعدد من منسوبيها، بجانب تدوين بلاغات ضد متظاهرين بأمر الطوارئ،خلال تظاهرات في الخرطوم ومناطق أخرى وأستخدمت الشرطة، الغاز المسيل للدموع لتفريقها.
ملاحظة: لن يتم إظهار الإعلانات عند الطباعة

الخميس، 28 مارس 2019

روسيا تدعو ترامب لإخراج القوات الأميركية من سورية

دعت وزارة الخارجية الروسية، اليوم الأربعاء، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى إخراج قوات الولايات المتحدة من سورية، ردًّا على مطالبة الأخير موسكو بسحب قواتها من فنزويلا.
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في حديث للقناة الأولى الروسية، "إنه تم الإعلان بأن الولايات المتحدة ستسحب قواتها من سورية، ومر شهر كامل على هذا الوعد.. فهل خرجت أم لا؟".
وأضافت زاخاروفا: "أود أن أنصح ترامب بالوفاء بوعوده التي قدمها للمجتمع الدولي.. قبل أن يحاول تقرير مصير الدول الأخرى". وفي وقت سابق من الأربعاء، قال الرئيس الأميركي إن "جميع الخيارات تبقى مفتوحة، لإخراج روسيا من فنزويلا"، خلال تصريحات إعلامية أدلى بها الأخير عقب لقاء جمعه بـ"فابيانا روساليس"، زوجة زعيم المعارضة الفنزويلية خوان غوايدو، بواشنطن.
وقال ترامب، تعليقًا على تقارير إعلامية تحدثت عن وصول دفعة من العسكريين الروس مؤخرًا إلى الأراضي الفنزويلية: "يتعين على روسيا الخروج".
وردًا عن سؤال حول سبل تحقيق ذلك، أضاف: "سنرى.. جميع الخيارات مطروحة".وقبل أسبوع، تحدثت وسائل إعلام فنزويلية عن وصول طائرتي شحن روسيتيْن، وعلى متنها نحو 100 ضابط روسي، و35 طنًا من المعدات الطبية.
ومنذ 23 يناير/ كانون الثاني الماضي، تشهد فنزويلا أزمة سياسية حادة، إثر إعلان رئيس البرلمان غوايدو "أحقيته" بتولي الرئاسة مؤقتًا إلى حين إجراء انتخابات جديدة. وسرعان ما اعترف ترامب بغوايدو رئيسًا انتقاليًا لفنزويلا، وتبعته كندا ودول من أميركا اللاتينية وأوروبا، مقابل رفض روسيا وتركيا وعدد من الدول لذلك.

الأحد، 24 مارس 2019

بروفايل: محمد طاهر أيلا رئيساً لوزراء السودان ... في مواجهة عاصفة الثورة

حين أعلن الرئيس السوداني عمر البشير فرض حالة الطوارئ و«حل الحكومة» في 22 فبراير (شباط) الماضي، انحناء لعاصفة المظاهرات التي اندلعت في عدد من البلاد 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018، وأبدى رغبته في تكوين حكومة مهمات ذات كفاءة، لم يكن يتصور أحد أن يأتي حاكم ولاية الجزيرة السابق محمد طاهر أيلا، رئيساً جديداً للوزارة محل معتز موسى، الذي لم يكمل أربعة أشهر في المنصب.
لكن البشير، بعد يوم واحد من حل الحكومة، أصدر قراراً بتعيين أيلا رئيساً للحكومة، مفجراً مفاجأة كبيرة وسط الطاقم الحاكم نفسه، ناهيك من الدهشة التي أصابت كثيرا من المراقبين، لأن الرجل عرف بأنه «خلافي» و«غير وفاقي» داخل الحزب الحاكم «المؤتمر الوطني» نفسه. بل سبق له أن خاض صراعات مع قياداته في الولايتين اللتين حكمهما وهما ولاية البحر الأحمر وولاية الجزيرة.
رغم خلافات رئيس وزراء السودان الجديد محمد طاهر أيلا مع قيادات الحزب الولائية، فمن المرجح أنه يحظى بتأييد وثقة كبيرين من الرئيس عمر البشير. إذ فاجأ الأخير الناس حين أعلن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 دعمه اللا محدود للرجل حتى إذا قرّر الترشح لرئاسة البلاد... ووقتها ارتبك المشهد، وثار السؤال: هل ينوي البشير التخلي عن منصبه لصالح أيلا، إذا ما قرر التنحي فعلاً؟
لم يحدث أن تحدث البشير صراحة عن «خليفته»، ما عدا تلميحات هنا وهناك، من بينها حديثه في مدينة عطبرة يناير (كانون الثاني) الماضي، بعدم ممانعته من تسليم الرئاسة لـ«عسكري». يومذاك قال: «لا مشكلة إذا جاء واحد لابس كاكي، والله ما عندنا مانع». وتابع مهدداً: «أقسم بالله العظيم لو دقت المزيكا كل فأر يدخل جحره»، في أول تهديد على مستوى الرئاسة للمتظاهرين الذين يطلبون منه «التنحي»، لكنه دعماً لرجله القوي، قالها بوضوح.
والحقيقة أنه منذ إعلان البشير ثقته في أيلا بهذه الطريقة، شرعت الأوساط السياسية في دراسة المستقبل السياسي للرجل الآتي من شرق البلاد، ومدى التزام البشير بدعمه رئيساً بديلاً. لكن المفاجأة جاءت أسرع من التوقعات فأعلنه «رئيساً للوزراء» في مكان الرجل «المقرب جداً» منه، معتز موسى.
كان أيلا من بين «الترشيحات» المتداولة لتولي منصب والي (حاكم) ولاية الخرطوم، لكنه في المرسوم الذي أصدره البشير عشية حل الحكومة، أتى به إلى العاصمة في عقر وزارتها «غازياً لا والياً»، في كرسي ثالث رؤساء وزارة في حكم الرئيس البشير المستمر منذ 30 سنة.
إداري متسلط
لقد شغل أيلا من قبل عددا من المناصب الدستورية والعامة، وخلال هذه المسؤوليات، يتردد أنه يستخدم نمطا إداريا «متسلطا» في التعامل مع مرؤوسيه، بل ولا يتيح حتى لـ«قيادة الحزب» التدخل في قراراته، ما أدخلهم في صدامات معروفة ومعلنة معه في كل من بورتسودان والخرطوم، بيد أنه كان يجد السند دائماً من المركزي الحزبي والرئيس، على وجه الخصوص. إلا أن مؤيديه المقرّبين منه، يفسرون انفراده بالقرار بأنه «نوع من الكاريزما» التي يمتاز بها، فهو يمسك بالملفات كافة بقبضة حديدية، ولا يتيح إلاّ لدائرة ضيقة من المقربين منه الاقتراب من مركز القرار.
والحقيقة، أنه من الشخصيات التي يتباين الناس في تصنيفها... يحبه كثيرون، مثلما يكرهه كثيرون، وكلهم من الحزب الذي يحكم باسمه «المؤتمر الوطني». فإبان ولايته على البحر الأحمر، خاض صراعاً مريراً مع قيادات حزبية وصلت إلى حد القطيعة، فتدخل الرئيس البشير لتهدئة الأوضاع. أما المعارضون فيرون أنه نموذج فعلي للقيادات الإسلامية التي تحكم البلاد. ففي ولاية الجزيرة، خاض أيلا صراعاً مريراً مع المجلس التشريعي (برلمان الولاية)، تدخل بسببه البشير وفرض حالة الطوارئ، ومن ثم حل المجلس الولائي رغم كونه منتخباً.
بطاقة شخصية
أبصر محمد طاهر أيلا النور عام 1951 في مدينة جبيت، بولاية البحر الأحمر في شرق السودان. وهو يتحدر من أسرة ثريّة تنتمي إلى قبيلة الهدندوة، التي تعد واحدة من أكبر مكوّنات قومية البجا المنتشرة في عموم شرق السودان وعلى الحدود المشتركة مع دولة إريتريا.
بعد دراسة الاقتصاد في جامعة الخرطوم، وبعد تخرجه مباشرة عمل في هيئة الموانئ البحرية. ثم ابتعث إلى بريطانيا، حيث التحق بجامعة كارديف للحصول على درجة الماجستير. وتولى قبيل وصول البشير للحكم، وعلى أيام العهد الديمقراطي بقيادة الصادق المهدي، سُمّي أيلا وزيرا ولائياً في شرق البلاد، قبل أن ينتقل مديراً لهيئة الموانئ البحرية بعد انقلاب الإسلاميين في 1989.
ثم في «حكومة الإنقاذ» اختير وزيراً للتجارة، ووزيراً للنقل، ثم وزيراً للاتصالات. وظل يتقلب في الوظائف حتى عاد في 2005 إلى بورتسودان والياً على ولاية البحر الأحمر التي ظل يحكمها حتى عام 2015. وبعد 2015 نقله الرئيس والياً لولاية الجزيرة وسط البلاد، بسبب خلافات بينه وبين قيادات تشريعية وحزبية تابعة للحزب الحاكم في عاصمة الولاية. وهناك تباينت حوله الآراء؛ الموالون يرونه حاسماً وإدارياً صارماً، أما مناوئوه فيصفونه بأنه «إقصائي، متفرد برأيه، لا يعمل ضمن فريق».
يقدم أيلا نفسه بأنه حرب على الفساد. ولتأكيد ذلك كتب بعيد تعيينه رئيسا للوزراء على صفحته في «فيسبوك» الكلمات التالية «لأجلكم قبلت التكليف وبكم نجتاز الصعاب، وسأضرب بيد من حديد، وحربي سأعلنها من لحظة أدائي للقسم، هي ضد الفساد والمفسدين».
ثم إنه من المسؤولين القلائل الذين يعملون على «تسويق أنفسهم» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويحرص على علاقة تواصل مباشرة بين مؤيديه ومعجبيه، ويتابع صفحته أكثر من 50 ألفا، ويعجب بها أكثر من 60 ألفا. وفي هذا الصدد، يقول البعض إن جهده على مواقع التواصل هدفه الوصول إلى أكبر عدد من المُريدين، باعتباره خليفة محتملا للبشير.
صراعاته الحزبية والسياسية
صراعات أيلا مع خصومه الحزبيين تدور عادة حول «الصلاحيات»، ما يكسبه عداء رجال الحزب الأقوياء، لكنه كان ينتصر عليهم بـ«الضربة القاضية»، عادة. وكما سبقت الإشارة، درج الرئيس البشير على الانتصار له، ففي صراعه مع المجلس التشريعي «برلمان الولاية»، وقيادات الحزب الحاكم، أصدر البشير مرسوما حل بموجبه المجلس التشريعي، وفرض حالة الطوارئ لصالحه. وعندما حاول الحزب الحاكم في الجزيرة «عزله» وقدم مذكرة للرئيس بهذا المعنى، حسم الرئيس الصراع لصالحه بضربة قاضية ثانية حين قال في مخاطبة جماهيرية إنه يؤيد بقاءه حاكماً للجزيرة حتى انتخابات 2020. وأضاف: «سيبقى في المنصب إلاّ إذا قدر الله ورفضه أهل الجزيرة». وهو عادة ما كان يقول عنه دائماً إنه «هديته لأهل الجزيرة». ولم تفلح كل محاولات حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الإسلامية في ولاية الجزيرة في الإطاحة بالرجل.
ولم تكن المطالبات بعزل أيلا من قبل البعض في ولاية الجزيرة حالة وحيدة، فإبان ولايته على البحر الأحمر - وعاصمتها مدينة ود مدني - نشطت حملة في 2014 لجمع «مليون توقيع» لإقالته من منصبه، وكوّنت لذلك لجنة حملت اسم «اللجنة العليا للمطالبة بسحب الثقة عن الوالي»، لكن النصر على خصومه الحزبيين، عادة ما كان يأتيه عاجلاً من القصر الرئاسي في الخرطوم. وبحسب صحيفة «الصيحة» المحلية، فإن الصراع بين أيلا وحزب المؤتمر الوطني الحاكم - والغرابة أنه كان يترأس الحزب بحكم منصبه - مرحلة عظيمة، واستخدمت فيه مختلف الأساليب، ووجهت خلاله انتقادات حادة لـ«مشاريع أيلا في مدني»، وخاصة الطرق، التي كشفت الأمطار، بحسب الصحيفة، عن وجود أخطاء هندسية لافتة في تصميمها.
ونقلت الصحيفة عن عبد القادر أبو ضريس، رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية في المجلس - وهو من المؤيدين لأيلا - أن الحملة ضد الرجل لا تتعدّى كونها «ناموسة في أذن فيل»، وأنها لا يمكن أن تؤدي إلى إزاحة الرجل، لأن المجموعة التي تشن الحملة، تعمل ضد الرجل لأنه «ضرب مصالحها». وتابع: «ما يثيرونه من إخفاقات ومخالفات مالية ضد أيلا لا تتعدّى كونها محض إشاعات وافتراءات مغرضة»، مضيفا: «كانت هناك مراكز قوى في الولاية، ضُربت بمجيء أيلا للولاية».
ويرى كثيرون في الجزيرة، أن أيلا نفذ مشاريع كثيرة خلال إدارته للولاية، وعلى وجه الخصوص، الطرق والسياحة، ويقللون من أخطاء هندسية صاحبت إنشاء طرق وأرصفة، باعتبارها أخطاء عمل، وأن تضخيم الأخطاء يقلل من العمل.
لكن مناوئي أيلا ينظرون إلى الرجل بعين السخط ويقللون منه. وفي هذا نقلت «الصيحة» عن وزير الشؤون الاجتماعية الأسبق بالولاية الحارث عبد القادر، أن أيلا «يتخذ القرارات منفرداً ولا يشاور حولها»، وهو ما أنتج أخطاء دفعت أعضاء بالمجلس التشريعي لصياغة «مخالفاته» في مذكرة قدمت له، لكنه «صم آذانه» عنها ما أدى لتفجر الصراع. ويعرف عن أيلا بحسب الحارث، أنه ينشئ فرقاً موازية موالية له في كل الوزارات يدير من خلالها العمل بعيداً عن الرقابة، وهو الشيء الذي جعل المجلس التشريعي يسقط قانون «صندوق إنفاذ التنمية» المقدم من قبله.

الخميس، 21 مارس 2019

زوايا المشهد السوداني

ينفتح المشهد السوداني على وقائع تزداد رسوخاً بشكل تدريجي لكنه ثابت، ومن أبرزها عزلة التنظيم الإسلامي وتلاشي نفوذه وسطوته القديمة سواء كان ذلك على مستوى المجتمع أو على مستوى تسلله المتشعب والمعقد داخل أروقة السلطة ومؤسسات الدولة السياسية والأمنية و الاقتصادية.
فبعد قرار الرئيس عمر البشير التخلي عن رئاسة حزب المؤتمر الوطني الذي يتخندق خلفه التيار الإخواني المتشدد، بات من الواضح أن قرارات رئاسية تالية ستأتي تباعاً لتحرم التنظيم الأكثر نفوذاً من مصادر تمويله ومواقعه المميزة داخل الهيئات الأمنية والعسكرية وتحاصر أذرعه الممتدة في مؤسسات الحكومة والمجتمع.
وطوال الأسابيع الماضية تواترت تصريحات قادة التنظيم وهي تتحدث عن مصير مجهول يهدد مستقبل بقائهم في الواقع السياسي، واشتكت قيادات التنظيم من مخططات لعزلهم وإقصائهم وحصارهم ومطاردتهم، وتحدث آخرون عن تذويب الحزب نفسه وإنشاء حزب جديد.
باختصار كانت التصريحات تمثل نعياً رسمياً للتنظيم. ولم تهتم مؤسسة الرئاسة كثيراً بالرد على تصريحات القيادات الإخوانية ولا سعت لتطمينها بشأن الترتيبات المستقبلية المرتقبة. بل جاءت التصريحات التالية لتعمق مخاوف قادة التنظيم الإخواني، وقال الرئيس المكلف لحزب المؤتمر الوطني أحمد هارون إن ابتعاد البشير عن الحزب ليس مناورة سياسية بل هو خطوة لصالح الشعب السوداني.
والأمر الواضح الآن أن حزب المؤتمر الوطني الذي يمثل كتلة التنظيم الإخواني وبؤرة نشاطه ونفوذه وتأثيره يتراجع ويختفي بشكل تدريجي وثابت، وفي المقابل يبرز تحالف الحرية والتغيير ليملأ الفراغ ويكتسب أهمية سياسية وتتعاظم شعبيته وسط المجتمع السوداني بشكل تدريجي وثابت. وتحالف الحرية والتغيير هو عبارة عن مظلة تضم طيفاً واسعاً من النقابات المهنية والأحزاب السياسية والجماعات المسلحة وهو القوة الدافعة وراء الحراك الشعبي الذي ينتظم المدن السودانية ويبقي الأزمة السياسية والاقتصادية في دائرة الضوء.
تراجع حزب الإسلاميين وفصل شرايينه وأوردته عن السلطة ومؤسساتها يبقي المشهد السوداني حيوياً وتتحرك فيه ثلاث قوى رئيسية هي تحالف الحرية ومؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية الرسمية.
وتأسيساً على هذا الواقع الجديد فقد أصبح الحزب الإخواني خارج حسابات التدابير المستقبلية ليس على صعيد الداخل فحسب، ولكن حتى القوى الإقليمية والدولية أسقطت الحزب من حساباتها وأعادت ضبط توصيلتها باتجاه أقطاب الأزمة الرئيسية الثلاثة «تحالف التغيير+ مؤسسة الرئاسة + الجيش». ويبذل الوسطاء الدوليون والإقليميون جهودهم للتوصل إلى تفاهمات وحلول مرضية للأزمة.
وفي إطار المقاربات الدولية فقد زار الخرطوم خلال الأيام الماضية رئيس لجنة الحريات بالكونجرس الأمريكي وتحدث في ختام زيارته عن ضرورات الحوار وأهمية الانتقال السياسي كخطوة أساسية لحل الأزمة. كما زار مبعوث روسي رفيع العاصمة السودانية من دون أن يفصح عن نتائج زيارته.
ويجري المعهد الملكي البريطاني للعلاقات الدولية سلسلة اجتماعات مع أطراف حكومية ومعارضة في إطار مبادرة جديدة تهدف إلى التوصل إلى رؤية مشتركة لحل الأزمة السياسية والاقتصادية في السودان.

الأربعاء، 20 مارس 2019

إنجلترا تواجه الجفاف خلال 25 عاما.. و«العطش» يهدد إفريقيا

تواجه مدن إفريقيا وإنجلترا مصيرا متشابها فيما يتعلق بأزمة الجفاف والتراجع الخطير فى موارد المياه العذبة التى تحتاج من إفريقيا استثمارات لا تقل عن 130 مليار دولار لتجاوزها، بينما تشكل تهديدا بإلقاء انجلترا بين «فكى الموت» خلال فترة لن تزيد على 25 عاما.
وأوضح تقرير نشره موقع «بلومبيرج» الاقتصادى الأمريكى أن كبرى المدن فى دول مثل غانا وموزمبيق وزيمبابوى وساحل العاج مهددة بنضوب مواردها من المياه بسبب مجموعة من العوامل من بينها تنامى الزيادة السكانية وتزايد موجات الجفاف، فضلا عن ارتفاع عدد المدن الحضرية، بالإضافة إلى تراجع فى الاستثمارات الموجهة إلى تشييد السدود وتطوير البنية التحتية بقطاع إدارة موارد المياه.
وأشار تقرير «بلومبيرج» إلى ما كشفت عنه منظمة الأمم المتحدة أخيرا من أن التهديد الذى يتربص بالعالم إجمالا أصبح أكثر وضوحا بسبب زيادة الاستهلاك بمقدار 1% منذ ثمانينيات القرن الماضي. وأن نحو مليارى نسمة يعيشون حاليا فى مدن تعانى نقصا وأزمات تتعلق بتوفير المياه الصالحة للشرب. وفيما يتعلق بإفريقيا تحديدا، نقل تقرير «بلومبيرج « عن خبراء الأمم المتحدة أن تعداد سكان إفريقيا سيقفز إلى 4٫5 مليار نسمة بحلول عام 2100، وأن نسبة 59% من تلك الكتلة السكانية المنتظرة ستتركز بالمناطق الحضرية، وذلك بالمقارنة مع نسبة 43% حاليا. ويترتب على هذه التحولات، زيادة فى الإنتاج الزراعى لسد الاحتياجات، يصحبها تنامى الطلب المنزلى للمياه.
وأوضح أنه حتى أكثر دول إفريقيا ثراءا لن تتمكن من تشييد العدد الكافى من السدود وشبكاتهالأنابيب ومراكز تنقية المياه للتعامل مع التحولات المنتظرة. ونقلت ما أوردته دراسة لبنك التنمية الإفريقى حول حاجة دول القارة إلى إنفاق ما لايقل عن 130 مليار دولار للتعامل مع أزمة تراجع البنية التحتية بقطاع المياه.

الخميس، 14 مارس 2019

الحراك الشعبي في السودان والجزائر ونظرية المؤامرة؟

يشهد الشارع السوداني والجزائري حراكاً جماهيرياً تحت عدة عناوين سواءً كانت اقتصادية أو سياسية أو تجمع الاثنين معاً، هذه العناوين خلقت مناخات مساندة لمن يريد أن يعبث بخارطة القرار السيادي لهذه الدول.
التجربة السورية والعراقية واليمنية حقيقة لمثل هذه السناريوهات، فقد بدأت سلمية وانتهت اليوم بواقع مؤلم مزق كينونة هذه المجتمعات بحرب أهلية كان وقودها ومازال العامل الخارجي الذي يراقب ويتدخل في الوقت المناسب.
في السودان والجزائر توجد مناخات ذات أبعاد اقتصادية وسياسية تخلق البيئة الملائمة التي تجبر الناس بكافة مشاربهم على الخروج والمطالبة بالتغيير، وفي المقابل هنالك عيون تراقب وتنتظر الفرصة المناسبة للتدخل لتغذي هذه التظاهرات من أجل مصلحتها السياسية.
هنا نحن لنا وقفة في نظرية يتبناها كثير من أصحاب الأقلام السياسية، ويسقطونها على البلدان التي شهدت مظاهرات تطالب بالتغيير سواء في فترة ما يسمى (الربيع العربي)، أو فيما يحصل في الساحة السودانية والجزائرية اليوم.  إنها  نظرية المؤامرة التي تقول: إن ما يحصل من اضطرابات في أي دولة هو ناتج عن مؤامرة خارجية، الغرض منها مصلحة سياسية أو اقتصادية وراء ذلك ، ودائماً أصحاب هذه النظرية يعلقون اخفاقاتهم بسبب وجود عامل خارجي، وبذلك يبررون أي تحرك شعبي في بلدانهم لهذا العامل، ويهملون جانب الفساد الإداري والسياسي والاقتصادي الذي حرك شعوبهم.
نظرية المؤامرة لا نستطيع أن نأخذها بحذافيرها ونسقطها على واقع الشارع العربي الثائر في فترة الربيع العربي، أو في الساحات الملتهبة حالياً، ولا نستطيع كذلك أن ننفي وقوعها، فهي لا تقدر أن تلج إلى أي دولة إلا إذا توفر عاملان هما : الأسباب والمصالح، وإذا عالجنا العامل الأول سقط العامل الثاني، ولو كانت المصالح مهمة للعنصر الخارجي،  فحينما تختفي الأسباب تضيع المصالح.
الأسباب تكمن دائماً في العامل الاقتصادي والسياسي، والمصالح هي في أهمية هذه الدول جغرافياً وسياسياً واقتصادياً لصناع القرار في المنطقة، لذلك فإن الأسباب هي التي تخلق الأرضية الخصبة للعامل الخارجي للتدخل في هذا البلد أو ذاك ، تحت عناوين مختلفة وجاهزة عن الغرب وخاصة أمريكا منها حقوق الإنسان وحرية التعبير ومكافحة الإرهاب وغيرها.
إن ما يحدث في السودان والجزائر لا يخرج عن هذا النطاق وهو محصور بين نظرية المؤامرة، والتقصير الاقتصادي، والمحسوبية السياسية التي كما قلنا أهم مداخل الأيادي التي تريد أن تعبث بمقدرات الشعوب وتغتال – إن صح التعبير- الإرادة والقرار السياسي لهذه البلدان .
 الحراك الشعبي والسياسي لهذه الساحات حالياً ، سواءٌ كنا مؤيدين لها أو معارضين، لابد لنا أن  نضع لها قاعدة ننطلق منها عندما نتحدث عن تجربة هذه الدول، القاعدة تقول: إن هنالك نظاما سياسياً لكل بلد ، هذا النظام السياسي هو الذي يوجهها ويرسم خارطتها السياسية، فهل هو نظام ملكي أو برلماني؟ يعني الأول ينحصر الحكم فيه في أسرة واحدة كما هو الحال في دول الخليج العربي مع الأردن والمغرب، والآخر ارتضى لنفسه الديمقراطية وهي الشراكة في الحكم، أي وجود أحزاب سياسية تحمل أجندات مختلفة في السياسة والاقتصاد، وكل حزب يرتكز على قاعدة شعبية تؤيده، وتوصله عن طريق الانتخابات إلى الحكم، فهي الفاصل والمعيار في المفاضلة السياسية بين هذا الحزب أو ذاك، وهذا ما يسمى عند الغرب باللعبة الديمقراطية فهل نحن طبقناها في بلداننا العربية ذات البعد الحزبي ؟؟.
إن الحل هو في القبول بالمشاركة السياسية الحقيقية التي تحصن البلدان من العامل الخارجي، بتبني ثوابت وطنية تكون خطوطاً حمراء لا يتجاوزها أحد من السياسيين وهنالك أمثلة على ذلك، فمثلاً النظام الأمريكي يحكمه حزبان الجمهوري والديمقراطي، وهما يختلفان في التوجهات الاقتصادية والناخب الأمريكي هو الذي يختار الأصلح بينهما، ولكن في المنحى السياسي هنالك قاعدة ثابتة تصوغها ما يسمى “الدولة العميقة في أمريكا” فربما تتغير الوجوه ولكن تبقى السياسية الخارجية ثابتة.
 ولو نظرنا أيضا إلى نظام الحكم في إيران لوجدنا أن الوجوه تتغير كذلك بين المحافظين والإصلاحيين وكلٌ له طريقته في السياسة والاقتصاد، ولكن هنالك خطوط حمراء في السياسية الخارجية ميزت هذا النظام عن نظام الشاه وجعلت أمريكا تصنفها العدو الأول لدعمها القضية الفلسطينية مادياً ومعنوياً وعسكرياً.
 هذه هي اللعبة الديمقراطية لمن أراد أن يعيش في كنفها، ولكن الذي يحصل في هذه البلدان أنها نظام ملكي برداء ديمقراطي شفاف لابد ليوم من الأيام أن يتمزق ويحدث ما نراه من مظاهرات تطالب بالتغيير، فلماذا  لا تتغير الوجوه ؟ التي ستغير حتماً من الواقع الاقتصادي مع بقاء الثوابت التي تحفظ الوحدة الوطنية واستقلال القرار السيادي والسياسي لهذه البلدان؟!.
الحراك الشعبي في الجزائر ضغط من أجل تثنية الرئيس “عبد العزيز بو تفليقة” من ترشيح نفسه لولاية خامسة، وقد نجح، وأصدر الرئيس بوتفليقة قراراً إنعكس إيجاباً على الجزائرين بتأجيل الانتخابات الرئاسية وعدم ترشحه لها ،وهذا الأمر كان ينتظره الشارع الجزائري لمعرفته بشخصية الرئيس بوتفليقة الوطنية بأمتياز، فهو الذي وحد البلد وقضى على إرهاب في ما يسمى بالعشرية السوداء في تاريخ الجزائر.
هذا الحراك حقق مطالب الجزائريين، وهو بذلك لم يسمح بدخول العامل الخارجي في الشأن الجزائري ، أما في الحالة السودانية فالتنازلات الحكومية لم تحقق بعد إرادة المتظاهريين، ومازال  الشارع السوداني ينتظر تغييرحقيقي على الأرض، يغير من الواقع السياسي السوداني الحالي إلى واقع ديمقراطي يحفظ وحدة السودان وسيادتها.

العرب وأفريقيا 2019

كان تعيين السفير أحمد قطان وزيرا للشؤون الأفريقية في المملكة العربية السعودية إشارة إلى زيادة الاهتمام بالقارة الأفريقية، وهو ما ظهر في الدور الدبلوماسي الذي تلعبه السعودية في إقامة السلام الإثيوبي الإريتري وفي التعامل مع قضايا القرن الأفريقي. ولم تكن المملكة وحدها في هذا الاهتمام فقد قامت الإمارات بكثير من النشاط السياسي والاقتصادي في منطقة القرن الأفريقي، كما كانت الكويت قوة استثمار وإغاثة في القارة منذ وقت طويل. ومن الطبيعي أن مصر تاريخيا اعتبرت أفريقيا واحدة من الدوائر الرئيسية في سياستها الخارجية، بالإضافة إلى الدائرتين العربية والإسلامية؛ ولكن هذا الاهتمام تقلص في أعقاب محاولة اغتيال الرئيس الأسبق حسني مبارك، فإن العلاقات المصرية الأفريقية تقلصت إلى حد كبير حتى تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئاسة المصرية، حيث إن قدرا كبيرا من الحيوية دخل إلى العلاقات المصرية الأفريقية. وفي الحقيقة فإن تخطيط الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية جعل من البحر الأحمر، ومضيق باب المندب في جنوبه وقناة السويس في شماله، جسرا مهما للعلاقات العربية الأفريقية عامة استراتيجيا واقتصاديا مما جعل السعودية تضع له إطارا سياسيا ودبلوماسيا. ومن المعروف أن مصر سوف تتولى رئاسة الاتحاد الأفريقي خلال هذا العام وهو ما يعطي فرصة واسعة لدعم العلاقات العربية الأفريقية.
وفي الحقيقة فإن العلاقات العربية الأفريقية تمحورت تاريخيا حول التحرر من الاستعمار ومناوأة النفوذ الإسرائيلي في القارة الأفريقية. وفي مطلع الستينات من القرن الماضي حدث في القاهرة عملية تاريخية لاستعادة أفريقيا لذاتها واستقلالها منذ بدأت الدول الأوروبية تمارس استعمارها للدول الأفريقية، فتنزح ثرواتها تارة، وتختطف ثروتها البشرية بالعبودية تارة أخرى، وتعيد تشكيل كياناتها السياسية، ليس وفقا للهوية والروابط المجتمعية، وإنما وفق القسمة التي حددتها الاتفاقيات بين الدول في القارة الأوروبية.
مصر، وغالبية العالم العربي، في هذه المعادلة غير المشروعة كانت تخرج من عباءة الاحتلال الأجنبي لكي تستعيد أصولها الأفريقية والعربية التي لا يمكن إغفالها بتأييد ودعم زعامات التحرر في الدول الأفريقية المختلفة الذين اختاروا القاهرة ملتقى ومنطلقا للنضال، والمشاركة معها في إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية التي باتت عبر الزمن «الاتحاد الأفريقي». استقلت الدول الأفريقية في النهاية، وأصبح صوت جماعتها مسموعا في المنظمات الدولية، ومع الدول الآسيوية، ودول أميركا الجنوبية، وكل ما اصطلح على تسميتها «الجنوب» لتشكل مصالح مشتركة في عالم كان يعاني من الحرب الباردة، والانقسام بين الآيديولوجيات الاشتراكية والرأسمالية.
ولم تكن مسيرة الاستقلال أقل صعوبة من مرحلة النضال من أجله، ورغم كفاح مضن من أجل التنمية والتقدم فإن القارة الأفريقية ظلت الأقل حظا بين دول العالم نتيجة الميراث الاستعماري من ناحية، وغياب التجربة لدى الدولة الأفريقية من ناحية أخرى، والانقسامات الإثنية من ناحية ثالثة. وكانت العقود الأخيرة من القرن العشرين غير رحيمة بالقارة الأفريقية حينما احتدت النزاعات الداخلية واختلطت بها الانقسامات العرقية، والمؤامرات الدولية، وانتشرت فيها عمليات «التطهير العرقي» جنبا إلى جنب مع الأوبئة مثل «الإيدز» و«الإيبولا». وهكذا احتلت الدول الأفريقية المكانة الدنيا في معظم المؤشرات التنموية الكلية في العالم، وبدا العالم على استعداد لتجاهل الأحوال الصعبة لشعوب أفريقيا. ولكن بداية القرن الحادي والعشرين شهدت بداية جديدة للقارة، فقد كانت الدول المعرضة للتفرقة العنصرية قد تخلصت من «الأبارتهايد»، وحكمت الأغلبية الأفريقية، وتدريجيا تراجعت الحروب الأهلية، وجرت كثير من التسويات السياسية التي جعلت القارة تستعيد بعضا من عافيتها، وبات ممكنا حصار الأوبئة ومنع أحوال المجاعة من الاستفحال.
الآن وأفريقيا تعيش مرحلة من نقاهة ما بعد المحن التاريخية والمعاصرة، فإن القرن الحادي والعشرين يفرض تحدياته على القارة التي تأخرت كثيرا عن بقية دول العالم. التحدي الأول ينبع من أن القارة تأخرت عن الثورات الصناعية بسبب الاستعمار في الثورة الأولى، وبسبب أعباء التحرر والاستقلال في الثورة الثانية. الآن فإن أفريقيا تعيش مع بقية العالم الثورة الصناعية التكنولوجية الثالثة، كما تترقب الثورة الرابعة القادمة على الأبواب والقائمة على اندماج ثورتين: تكنولوجيا المعلومات أو InfoTech والتكنولوجيا الحيوية Biotech. إن أفريقيا لا تملك حفاظا على شعوبها واستقلالها إلا أن تلحق بالعالم هذه المرة دون تأخير أو تراجع أو انشغال بالنظر إلى الماضي وليس التطلع إلى المستقبل. التحدي الثاني، والذي يرتبط بالتحدي الأول، هو الخاص بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تتلاءم مع القرن الحادي والعشرين؛ والحقيقة هي أن أفريقيا عامرة بالموارد الكثيرة، وخلال العقدين الماضيين فإنها باتت غنية بالتجارب الناجحة التي وضعت بلدانا أفريقية في ساحة التنافس الدولي.
إن التعاون الأفريقي الإقليمي في مجالات الطاقة والمياه والسياحة والصحة والتعليم وغيرها من المجالات يمكنها أن تعزز من القدرات التنافسية للدول الأفريقية. التحدي الثالث أن العالم، والنظام العالمي كله قد تغيرا عما كانا عليه في القرن العشرين، فما عاد العالم يحكمه قطبان يتنافسان في حرب باردة، وما عاد العالمي تحكمه «عولمة» تقودها دولة واحدة هي الولايات المتحدة الأميركية؛ وإنما هناك قوى متعددة يوجد بينها مساحات للتعاون والوفاق والمنافسة حتى ولو كانت هناك أثقال خاصة للولايات المتحدة وروسيا والصين. والثابت أن هذه القوى الثلاث، مع قوى أخرى مثل أوروبا واليابان والدول البازغة في آسيا وأميركا الجنوبية تتنافس مع أفريقيا، وبات على الدول الأفريقية أن توظف هذا التنافس لصالح أفريقيا والإنسانية جمعاء. التحدي الرابع أنه حتى تستطيع أفريقيا أن تواجه تحديات عصرها، فلا بد لها من تصفية المنازعات والصراعات التي جذبتها إلى الخلف في عقود سابقة؛ ولعل الاتحاد الأفريقي يستطيع المساهمة في حلها من خلال آليات حل المنازعات، والتنمية المشتركة للموارد والإمكانيات.
إن العالم العربي بدوله الموجودة في الشمال الأفريقي، والبحر الأحمر الذي يربط بين دول آسيا العربية وأفريقيا شريك أساسي في مواجهة هذه التحديات من موقعها التاريخي، والجغرافي، على البوابة في الشمال الشرقي للقارة بذراع ممتدة إلى آسيا من خلال سيناء، وذراع أخرى ممتدة عبر البحر المتوسط إلى أوروبا. وسواء كان العرب جزءا أساسيا في حركة التحرر الوطني الأفريقية، أو كانوا الآن جزءا من عمليات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي؛ فإنهم الآن يسعون إلى الشراكة الكاملة في مواجهة التحديات المشار إليها. ولعل ذلك سيكون ممكنا إذا ما كان العالم العربي أكثر استعدادا للتعامل مع أفريقيا من خلال المعرفة أولا، والدراسة ثانيا، والمتابعة ثالثا لكل ما يجري في القارة. ورغم وجود عدد من المؤسسات التعليمية المهتمة بأفريقيا، مثل معهد الدراسات الأفريقية في القاهرة، فإنه لا يوجد مراكز بحثية عربية ينصب اهتمامها على القارة الأفريقية. ولعل ذلك يكون هو المهمة القادمة سواء تم ذلك في إطار الجامعة العربية أو التعاون المصري السعودي، أو في إطار التحالف الرباعي، أو تجمع البحر الأحمر أو كل هذه الأطر المختلفة؛ فالمهام كثيرة وملحة.

الثلاثاء، 12 مارس 2019

نظام البشير يستعيد توازنه ويُنذر معارضيه

 أصدرت محكمة سودانية، الأحد، حكما مخفّفا بالسجن على قيادية في حزب الأمّة المعارض، اعتبره مراقبون مجرّد إنذار للمعارضة من قبل نظام الرئيس عمر حسن البشير الذي بدأ يستعيد ثقته بنفسه مع ظهور بوادر عن نجاحه في احتواء الموقف والحدّ من زخم الاحتجاجات الشعبية ضدّه بعد سلسلة طويلة من الإجراءات كان قد اتّخذها؛ ومن ضمنها تخلّيه عن رئاسة حزب المؤتمر الوطني وإسناد أهم المناصب التنفيذية إلى ضباط بالمؤسسة العسكرية.
وفي مقابل ما يبدو أنّه نجاح للنظام، لم يبد أنّ المعارضة السودانية بصدد النجاح في تأطير الشارع وإعطاء دفع لاحتجاجاته التلقائية، فيما يقول متابعون للشأن السوداني إنّ مستوى ثقة السودانيين بالمعارضين لا يختلف كثيرا عن مستوى ثقتهم بالبشير وحكومته.
وقضت محكمة الطوارئ، الأحد، بسجن ابنة رئيس حزب الأمّة المعارض أسبوعا بعد توقيفها خلال تظاهرة كانت تتجه إلى البرلمان احتجاجا على فرض الرئيس البشير حالة الطوارئ بالبلاد، بحسب ما أعلن مسؤول في الحزب.
وقال محمد المهدي رئيس المكتب السياسي لحزب الأمة لوكالة فرانس برس “حكمت محكمة الطوارئ على مريم الصادق المهدي نائبة رئيس حزب الأمة الصادق المهدي الأحد بالسجن أسبوعا وغرامة بألفي جنيه، وفي حال عدم الدفع السجن أسبوعا آخر”. وأوقفت مريم المهدي وشقيقتها رباح وأخريات في وقت سابق الأحد. وكان منظمو الاحتجاجات في السودان دعوا إلى تنظيم مسيرة مناهضة لقرار البشير بفرض حالة الطوارئ في 22 فبراير الماضي، عقب حملة أمنية واسعة.
كما قرر البشير حظر التجمعات غير المرخص لها وأمر بإنشاء محاكم طوارئ خاصة للنظر في “الانتهاكات” التي يتم ارتكابها في إطار حالة الطوارئ.
وبالإضافة إلى ابنتي الصادق المهدي، أوضح محمد المهدي إنّ “قوات الأمن أوقفت خمس نساء أخريات من قادة الحزب”. وتابع “ما زلنا في انتظار صدور الحكم ضد رباح المهدي وخمس أخريات”. وأفاد بأنّ قوات الأمن أطلقت الغاز المسيّل للدموع على المتظاهرين. وقال شاهد إنّ “الشرطة فرّقت المتظاهرين قبل أن تبدأ المسيرة”. وتابع أنّ “المتظاهرين خرجوا في بعض مناطق أم درمان لكنّ الكثير منهم تم توقيفهم”.
ويشهد السودان تظاهرات شبه يومية على خلفية أزمة اقتصادية خانقة. وبدأت الاحتجاجات في 19 ديسمبر 2018 إثر قرار السلطات رفع سعر الخبز ثلاثة اضعاف، لكنّها سجّلت خلال الأيام الماضية تراجعا واضحا في زخمها.
وقال مراقبون إنّ نظام البشير راهن على طول النفس، ويبدو أنّه نجح في ذلك، حيث حافظ على ولاء العمود الفقري للنظام، وهو القوات المسلّحة.
وفي مؤشّر على عودة نسبية للهدوء، أعلنت وزارة التعليم العالي في السودان، الأحد، استئناف الدراسة بجميع الجامعات السودانية اعتبارا من يوم غد الثلاثاء، وجاءت الخطوة بعد قرار حكومي بإغلاق جميع الجامعات الحكومية في الولايات المختلفة مع اندلاع التظاهرات في المدن السودانية منذ ما يزيد عن الشهرين.

الأربعاء، 6 مارس 2019

الأزهر يحذر من خطورة الشائعات في تخريب الدول

حذر علماء أزهريون من خطورة الشائعات على الدولة والمجتمع، ومن تفشيها الذي يسبب الكثير من الإرباك والفوضى؛ حيث إن بعض الناس يتعامل مع الشائعات وكأنها حقائق.
وقال عبد المنعم فؤاد، المشرف على الرواق الأزهري، خلال الندوة، التي نظمها رواق الجامع الأزهر، مساء أمس الأول الاثنين، تحت عنوان «الشائعات وخطورتها على استقرار المجتمعات»، إن قضية ترويج ونشر الشائعات، أصبحت من أخطر القضايا، التي تهدد استقرار المجتمعات، وقد انتبه لها الإسلام، وحذر منها، مؤكداً أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت مصدراً مزعجاً لنشر الشائعات في الوقت الحالي.
وأضاف، أن الواجب على الشباب، خاصة الإعلاميين، أن يتنبهوا إلى خطورة الشائعات على استقرار المجتمع، حتى لا يتعرض الوطن إلى هزات فكرية واجتماعية. وأكد إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، أن مواجهة الشائعات أصبحت فريضة مجتمعية يجب أن يلتزم بها الجميع، لخطورتها الكبيرة على المجتمع، مستشهداً بالشائعة التي انتشرت أيام الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن السيدة عائشة رضي الله عنها، وما أحدثته من تأثير أشبه بالزلزال، في جيل يُعدّ هو أفضل ما عرفته البشرية، إلى أن أنزل الله براءة أم المؤمنين في سورة النور، موضحاً أن الناس يغلقون عقولهم أمام الشائعة ويعظمونها بأفواههم حين ينقلونها.

من تداعيات الحراك: البشير يفارق حزبه الحاكم

عندما أعلن الرئيس السوداني عمر البشير في خطابه الجمعة قبل الماضية عن وقوفه كرئيس قومي على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية السودانية ضمن مبادرة له دعا فيها لحوار وطني في أول رد فعل سياسي لمخاطبة الحراك الاحتجاجي المطالب برحيله المتواصل منذ أكثر من شهرين.
لم يأخذ أحد في الساحة السياسية السودانية هذه المسألة بجديّة لا في دوائر المعارضة، ولا حتى داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم نفسه الذي يترأسه البشير، باعتبارها خُطوة لها ما بعدها.
ما جعل الجميع يزهدون في إعطاء هذه الخطوة بعداً ذا قيمة سياسيّة، أنها ليست المرة الأولى التي يسمعون فيها مثل هذا الوعد فيما ظل البشير متمسكاً بحزبه الحاكم المحتكر للسلطة والثروة في البلاد على حساب جميع القوى السياسيّة الأخرى على مدار العقود الثلاثة الماضية، إلا من رضي منها أن يُردف على استحياء قانعاً يقتات على فتات من موائد السلطة دون مشاركة حقيقيّة، أما الأمر الآخر فهو أنه لم يكن حاسماً في إعلان إنهاء علاقته وتخليه عن رئاسة الحزب الحاكم نحو ما أبلغه على نحو واضح رئيس جهاز المخابرات السودانية للصحافيين قبيل ساعتين من الخطاب؛ ما أوحى بتراجع البشير عن هذه الخُطوة.
غير أنه لم تمض إلا بضعة أيام حتى فوجئ قادة حزب المؤتمر الوطني أن الرئيس عمر البشير جاد فعلاً في قراره بمغادرة الحزب الحاكم، دون حدوث أي تداول حول ذلك في هيئة قيادة الحزب، ولم يكتف البشير بتنفيذ قرار الابتعاد والتخلي عن رئاسة حزبه فحسب، بل أرفق ذلك بقرارات أطاح فيها دون تشاور بنائب رئيس الحزب فيصل حسن إبراهيم الذي لم يبق سوى سنة واحدة في المنصب، وعيّن مكانه أحمد هارون، وكان ذلك كفيلاً بإحداث صدمة عنيفة في دوائر حزب المؤتمر الوطني الذي بات عليه أن يواجه مرحلة جديدة كلية منذ تأسيسه قبيل منتصف تسعينيات القرن الماضي بعد بضع سنوات من الانقلاب العسكري الذي دبرته ونفذته الحركة الإسلامية السودانية بزعامة حسن الترابي في 1989 وحملت العميد آنذاك عمر البشير إلى سدة السلطة.
تأسس المؤتمر الوطني في كنف السلطة كحزب وحيد في الساحة بعد تحريم وحظر النشاط السياسي مع بواكير الانقلاب، غير أن فكرة الحزب، المقتبسة نوعاً ما من نظام المؤتمرات الذي أقامه القذافي في ليبيا، أن يكون وعاءً جامعاً كحزب حاكم بديلاً عن التعددية السياسية لم تفلح حتى في استيعاب كافة الإسلاميين الذين كانوا يشكلون عصبة النظام وقاعدته، لعدم قدرته على إقناعهم بتمثيلهم، فبقي حزباً للسلطة يضم المتطلعين للدوران في فلكها، وحتى عندما تولى الترابي قيادته بعد تأسيسه بعدة سنوات قادت محاولته إلى تحقيق نوع من الانفتاح على قدر من التعددية عُرفت بمصطلح «التوالي السياسي» إلى صراع مع طائفة من أتباعه المعارضين لهذا التوجّه، واستنصروا بالرئيس عمر البشير لتتم الإطاحة بالزعيم التاريخي للحركة، وليعقدوا لواء القيادة المنفردة للبشير منذ ذلك الانقسام الذي حدث في العام 1999.
مكّن ذلك الصراع البشير الذي خرج منه ظافراً بدعم تلاميذ الترابي المقرّبين الذي انشقوا عليه من فرض إرادته القيادية الكاملة، سواء على حزب المؤتمر الوطني أو على تنظيم الحركة الإسلامية، فصيل الظل، الذي تشكل حينها للمحافظة على نوع من المشروعية الإسلامية التي تشكل قاعدة النظام، ولحرمان الترابي من الانفراد برمزيتها بعد خروجه من النظام وتأسيسه لحزب المؤتمر الشعبي المعارض. واستمرّت سيطرة البشير متصلة حيث أطاح في العام 2013 برموز الحرس القديم الذين انحازوا له في مفاصلة العام 1999، من ضمنهم علي عثمان نائبه الأول في الرئاسة، ونافع علي نائبه في رئاسة الحزب، ليعزز قبضته على مقاليد الحكم، وإن أبقاهم في دور هامشي في قيادة الحزب.
بيد أن علاقة البشير بحزبه الحاكم بدأت في التوتر منذ عامين حين راجت مطالب وسط بعض قيادة الحزب ترفض توجّه البشير لإعادة الترشح في انتخابات 2020 لمعارضتها للدستور الذي يقصر العهدة الرئاسية بدورتين، فضلاً عن مخالفته للوائح الحزب التي تنحى في اتجاه مماثل، ومع تنامي التيار المعارض لإعادة ترشح البشير تم تمرير ذلك عبر مؤسسات الحزب، ونجح في عرقلة عمد إلى الإطاحة بقادة الحزب المناوئين لذلك، وجاء بطاقم داعم له في مطلع العام الماضي تمكّن من تمرير مسألة إمكانية إعادة الترشح في مستويات الحزب المختلفة، ولم يبق سوى تمرير تعديل دستوري في البرلمان الذي يسيطر على غالبيته الحزب الحاكم، إلى جانب تعديل لوائح الحزب وحسم ترشحه باختياره رئيساً له في مؤتمره العام الذي تمّ تقديمه ستة أشهر عن موعده ليكون في شهر أبريل المقبل.
وبينما كانت الأمور تمضي هادئة في هذا الاتجاه حسب أجندة البشير انفجرت الاحتجاجات الشعبيّة في منتصف ديسمبر الماضي المطالبة بسقوط النظام ورحيل البشير، وهو حراك شبابي فاجأ الحكومة كما فاجأ المعارضة على حد سواء، وفيما قللت السلطات بادئ الأمر من قيمة وتأثير هذه الاحتجاحات ما لبثت أن واجهتها بعنف مفرط أدّى إلى اغتيال العشرات واعتقال الآلاف من المُحتجين من الجنسين وحدوث انتهاكات واسعة، غير أن ذلك زاد من وتيرتها، مع ارتفاع كلفتها السياسية والأخلاقية لنظام يستند على «مرجعية إسلامية».
على خلاف ما بدا أن الحراك الاحتجاجي المتواصل منذ شهرين لم يحدث هزة للنظام، إلا أنه نجح بامتياز في خلخلة تماسك الطبقة الحاكمة، وظهر ذلك حين وجد البشير نفسه وحيداً يتصدى للحراك في جولات ميدانية داخل البلاد للدفاع عن النظام، فيما اختفى الحزب الحاكم من إبداء أية فاعلية في مقارعة المحتجين سياسياً وفي دعم الرئيس في مواجهة الحراك المطالب برحيله، وزاد من تعقيدات العلاقة بين البشير وحزبه الحاكم عودة التيارات المناوئة لإعادة ترشيحه وازدياد وتيرتها واتساعها مع مطالب برحيله كحل للأزمة السياسية الراهنة، وهي أسباب إضافية جعلته يعيد حسابات خاصة مع ظهور بوادر تشير إلى تباطؤ عملية تعديل الدستور، وتزايد احتمال عدم اختياره لرئاسة الحزب في مؤتمره المقبل في أبريل؛ ما يقطع الطريق على مسألة إعادة الترشح.
لكل هذه الأسباب مجتمعة قرر البشير «أن يتغدّى بحزبه قبل أن يتعشّى به»، معلناً تخليه عن رئاسة الحزب، ومُعلنا الطوارئ فيما يشبه انقلاباً ناعماً يهدف إلى تعديل موازين القوى بنقلها من الحزب الحاكم إلى المؤسسة العسكرية، حيث جرت في المرحلة الأولى عسكرة السلطة بالكامل في ولايات البلاد الثماني عشرة، مع إعادة تشكيل السلطة المركزية بعيداً عن هيمنة المؤتمر الوطني السابقة، لتبدأ فصول معركة جديدة مفتوحة لتشكيل مستقبل السودان السياسي ليس فقط مع المُحتجين في الشارع، بل مع رفاق الأمس أيضاً، فهل يكون ذلك «تسريحاً بإحسان»؟.

السلطة في السودان: من الحزب الحاكم إلى الجيش الحاكم

يشهد السودان موجة تظاهرات بدأت احتجاجا على رفع أسعار الخبز ثلاثة أضعاف، لكن تحوّلت إلى احتجاجات ضد حكم الرئيس عمر حسن البشير. لم تهدأ هذه الاحتجاجات منذ 19 ديسمبر 2018، وبقدر ما يعلو صوت الاحتجاجات أكثر يزداد تمسك البشر بالسلطة التي يحكم قبضته عليها منذ ثلاثين عاما.
وكلما بدا أن قبضة النظام سترتخي أمام قوة الغضب الشعبي، بحث الرئيس السوداني عن بديل جديد يحكم به هذه القبضة. وتجلّت أحدث خطوة في هذه المعركة المصيرية في تخلي البشير عن رئاسة حزب المؤتمر الوطني وانحيازه الكامل للمؤسسة العسكرية، بعد أن استنفد أوراق الإسلاميين وفقد المؤتمر الوطني كل فرصه.
أدرك الرئيس السوداني عمر حسن البشير متأخرا أن عهد الأحزاب السياسية التقليدية يتراجع. وبدأ في تغيير الدفة من حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم إلى المؤسسة العسكرية، وتفويض أحمد محمد هارون بإدارة الحزب، بدلا منه، كان خطوة مهمة نحو التخلّي عن الحزب ودخوله دوامة من المشكلات الهيكلية.
تستمد غالبية الأحزاب قوتها من اعتمادها على رئيس الجمهورية، وإذا كانت في غالبية دول العالم تصنع الرئيس فإنها في معظم الدول العربية التي ترتكن على البنية العسكرية كأداة للحكم يحدث العكس، حيث يصعد الرئيس ثم يفكر في تكوين حزب بالشروط والمزايا التي يريدها.
وحتى هذه بدأت تتوارى نسبيا، لأنها بدأت تضع الرئيس موضع تساؤل وانحياز للحزب الذي شكله، ما يفقده صفة الرئيس القومي، ولذلك يميل بعض الحكام المنحدرين من المؤسسة العسكرية إلى التخلّي عن صيغة حزب الرئيس في بلدانهم، وهو ما يفعله عمر البشير الآن، وهي وسيلة مستترة لقتل الحياة السياسية برمتها، وغلق المجال العام أمام القوى، من خارج الجيش.
يفوق الجيش السوداني غيره من الجيوش في المنطقة، من حيث عمق انخراطه في الحياة السياسية، ودرايته الكبيرة بما يدور في الشارع. وقد تكون طبيعة المشكلات التي تمر بها البلاد منذ عقود سببا رئيسيا في الجمع بين المعادلة الأمنية والسياسية؛ فالأزمات التي أصبحت المؤسسة العسكرية ضلعا فيها ليست بعيدة عن الحياة المدنية، وتتداخل فيها الأحزاب مع المكوّنات المجتمعية والطائفية.
زادت المحتويات السياسية في الجيش، مع صعود البشير إلى السلطة عام 1989، لأن ما يسمى بثورة “الإنقاذ” جمعت طبقة من العسكريين والسياسيين في بوتقة واحدة. ويتم ترجيح كفة كل طرف حسب التوازنات التي تقتضيها رؤية الضغمة الحاكمة، وتغييرها يخضع دوما لحركة الشارع.
كانت كفة الميزان متعادلة إلى حد كبير، تصعد وتهبط، لكنها في النهاية متقاربة، إلى أن اندلعت تظاهرات 19 ديسمبر الماضي في مدينة عطبرة، وقادت نتائجها إلى إعادة النظر في مسلمة حزب المؤتمر الوطني الحاكم كذراع سياسي للحركة الإسلامية، وتيقن الرئيس السوداني أن الذراع والجسد لن يستطيعا مجابهة الطوفان المقبل من وراء التظاهرات.
انتبه البشير إلى تراجع أهمية الأحزاب مع تصاعد حدّة التظاهرات، والتي أكدت أن السودان الحافل بقوى من مشارب واتجاهات متباينة غير قادرة على تحريك الشارع، بينما حركته جماعات غير مؤدلجة وغير منظمة سياسيا.
وتبيّن أن حزب المؤتمر الوطني نهشته الخلافات الداخلية. ونفذ رصيده الاصطناعي. ولم يستطع التكيف مع المستجدات. وأخفقت الكوادر في إثبات أنها رديف حقيقي للرئيس، وهو ما منح الفرصة للمحتجين للتمادي في وقفاتهم، بل دخلت عليهم فئات مهنية وسياسية لم تكن تعتقد أن الحزب الحاكم بهذه الهشاشة، ولن يتمكن من التصدي للتظاهرات بأخرى مقابلة.
أدّى إخفاق القيادات الحزبية في جميع الولايات السودانية إلى انكشاف عورات الحزب أمام مؤيديه الذين كانوا يعولون عليه في حمايتهم من طوفان المتظاهرين. ربما تكون الأزمة الاقتصادية المحتدمة عاملا مهما في هذا الفشل، لكن طريقة التعامل معها فضحت الكسل السياسي داخل لجان الحزب. وتأكد أنه يستقوي بالدعم الرسمي الذي يقدمه الرئيس والمؤسسات التابعة له ولا يملك ركائز مجتمعية.
عندما فرضت الأزمة على هؤلاء الانخراط مباشرة فيها، لم تكن الهياكل الحزبية مستعدة، وظهرت عليها علامات تآكل كبيرة، بدليل عجزها عن الإيحاء بأنها موجودة في الشارع، فهي لم تحرك ساكنا تقريبا، أو تتمكن من ممارسة دور يشعر معه النظام الحاكم بقدرتها على توفير الغطاء السياسي اللازم له وحمايته في الشارع، من خلال تقديم خطاب جديد يستوعب حملات التحريض لمواصلة الاحتجاجات.
بدت مناورات النظام الحاكم بالورقة السياسية منذ بداية الأزمة غير مجدية، واكتشف أن الجيش وقوى الأمن المفتاح الذي يعينه على التصدي للتصعيد المتزايد في الشارع، وأن الحزب مجرد غطاء لا معنى له في الوقت الراهن، ما ينسجم مع تصورات كثيرة تتبنّاها دول عدة في المنطقة لحماية نظمها السياسية.
يؤكد تخلّي البشير عن رئاسة حزب المؤتمر الوطني انحيازه الكامل للمؤسسة العسكرية، التي أصبحت ضامنا أساسيا له، وتخلّى عن الاعتماد عليهما بالتوازي، خوفا من أن يقطف الحزب الثمار من الأجهزة الأمنية التي بدأت أدوارها تلمع منذ بدايات الأزمة، باعتبارها الجهة الوحيدة المنظمة والمنضبطة وتستطيع مجابهة المتظاهرين بالحسم، ومعها من الإمكانيات والآليات ما يسمح للقيام بمهامها بغطاء قانوني، بينما يقف الحزب عاجزا، لأنه يفتقر للوسائل التي تساعده على التحرّك بمرونة كافية، وتم وضع كل طرف في حجمه الحقيقي.
تيقن النظام السوداني أن التعويل على الحزب يبعث بإشارات خاطئة للحكومة والمعارضة، فالأولى كان يساورها اعتقاد أن لها اليد السياسية الطولى في البلاد، ما يؤثر سلبا على تماسك الجيش، الذي حظي بمكانة خاصة في تقديرات البشير خلال العامين الماضيين، والثانية ستفهم أن وضع حزب المؤتمر الوطني في الواجهة معناه فتح طاقة أمل للحلول السياسية، بما يغري القوى الحزبية على التصلب في مواقفها.
والأكثر أهمية أن البشير أراد من وراء تنحية الحزب قليلا في المواجهة مع الشارع، توصيل رسالة في غاية الأهمية للدول القلقة من تراكم نفوذ الحزب، وتراه بحسبانه جناحا سياسيا صرفا للحركة الإسلامية، وحتى لو كان هذا الاعتقاد له كرامات واضحة في المؤسسة العسكرية أيضا، ففي النهاية هناك هامش للحركة يجعل الجيش أقل تمسكا بالثوابت الإسلامية في العلن، أو على الأقل تقتصر المسألة على القيادات العليا، فلا يملك الإسلاميون الكوادر الكافية للهيمنة تماما على الجيش وأجهزة الأمن.
وجدت معادلة التحوّل الكبير من الحزب الحاكم إلى الجيش الحاكم، أصداء إيجابية في الدول التي تميل إلى دعم الجيوش كأحد صمامات الأمان للحكم في المنطقة، وتلك التي تريد تخفيف قبضة الإسلاميين والقوى الداعمة لهم، وفي دولة مثل السودان مترامية الأطراف في جغرافيتها ومشكلاتها، يبدو الجيش مدخلا مناسبا لمنع الانهيار أو تأجيله لحين التوصل لمسكّنات تخفّف وطأة الأزمة الحالية أو تساعد في تسويتها.
قطع الرئيس السوداني الطريق على حزب المؤتمر الوطني في المستقبل، عندما قام بتغيير جميع حكام الولايات الـ18، وحلّ مكانهم قيادات عسكرية وأمنية صرفة، كي يمنحهم حرية التواصل مع القيادات العليا في الدولة، والتناغم مع الأدوات التي سيتم الاستقرار عليها للتعامل مع المستجدات، وهي إشارة بالغة تدعم الاستعداد للتعاطي مع التطورات في الشارع وفقا للخيار الأمني فقط.
أثبت المسؤولون المدنيون، ممن يفترض أنهم قادرون على معالجة الأزمات من دون تلويح بالعصا، عجزهم في المحكات التي مرت بها البلاد خلال الفترة الماضية، وتسلح البشير بالحكم العسكري بلا أقنعة هذه المرة، وهي علامة تشير إلى عدم الرغبة في تقديم تنازلات سياسية يمكن أن تحلحل الأزمة بعيدا عن الحلول الأمنية. يضعف اللجوء إلى هذا الخيار كل الحُجج السياسية والاقتصادية، ويعزز القبضة الحديدية كباب وحيد، ويدحض الرسائل الإيجابية التي حاول الرئيس البشير توصيلها للمتظاهرين من وقت لآخر، والأهم أنها توقف على أي دور سياسي يمكن أن يقوم به حزب المؤتمر الوطني الفترة المقبلة، بدءا من إجراء حوارات مع قوى المعارضة وحتى التحشيد داخل هياكله.
وإذا كان من دور يمكن أن يلعبه حزب المؤتمر في هذا المشهد سوف يكون دورا مكمّلا لمهام المؤسسة العسكرية، ولعل اختيار أحمد هارون والي شمال كردفان السابق، والمعروف بتوجهاته الأمنية في حرب كردفان، ولمع قبل ذلك دوره في أزمة دارفور، بكل أبعادها المسلحة، يعزز منهج الصرامة الذي قرر البشير التعامل به ويضعف الحجج التي يركن لها أي حزب تواجه قيادته العليا أزمة مركبة، تتشابك فيها الأبعاد الاقتصادية مع السياسية، وقد تقود إلى أبعاد أخرى مجهولة.
على هذا المنوال، تتجه الخطوات المقبلة للرئيس السوداني نحو عسكرة الحياة المدنية، لأن الاعتماد على الجيش لتأمين نظام الحكم يستوجب بالتبعية توسيع أدواره وإغراءاته، وهي المعضلة التي ستواجه البشير، لأنها قد تحرف المؤسسة التي يرتكن عليها عن مهمتها الرئيسية وتضعها في مواجهة مباشرة مع القوى المدنية، بما يحد من تأثير الأولى في المستقبل.

الاثنين، 4 مارس 2019

تشاد تعلن إغلاق حدودها مع ليبيا حتى إشعار آخر

أكد وزير الأمن التشادي محمد ابا علي صلاح، يوم أمس (الأحد)، إغلاق تشاد لحدودها مع ليبيا، وذلك بعد شهر من دخول رتل من المتمردين إلى أراضيها من الجنوب الليبي. وقال الوزير خلال زيارته شمال تشاد وفق التلفزيون الوطني: "لقد اتّخذنا قرار إغلاق الحدود بين تشاد وليبيا اعتباراً من الآن وحتى إشعار آخر".
وكانت نجامينا أعلنت مطلع العام 2017 إغلاق كامل الحدود مع ليبيا بطول 1400 كيلومتر لتعود وتقرر بعد بضعة أشهر إعادة فتحها جزئياً. وقال صلاح خلال زيارته كوري بوغودي في شمال غرب تشاد في تيبستي التي شهدت في الأشهر الأخيرة مواجهات بين عمال مناجم والجيش، إن "هذه المنطقة أصبحت ملتقى لأفراد العصابات والإرهابيين والمتمرّدين". وكوري بوغودي منطقة غنية بالذهب تقع في منطقة جبلية عند جانبي الحدود بين تشاد وليبيا وتستقطب عدداً من التشاديين والأجانب.
وفي وقت سابق من يوم أمس قال الوزير إن "كل من سيتواجد في هذا الموقع من كوري سيعتبر إرهابيا"، معلناً "نزع السلاح من الشعب ومنع التنقيب عن الذهب رسمياً".
وشمال التشاد على ارتباط وثيق بالجنوب الليبي الذي تمر عبره غالبية الإمدادات الغذائية.
وهذه المنطقة من الساحل صحراوية وقليلة السكان وتمركزت فيها مجموعات تشادية متمردة. ونهاية يناير (كانون الثاني) دخل متمردون تشاديون من ليبيا إلى شمال شرق تشاد. وقد أوقفت ضربات فرنسية تقدّمهم ما أثار الكثير من الانتقادات.
والحدود بين السودان وتشاد وليبيا والنيجر مليئة بالثغرات وتشهد عمليات تهريب على نطاق واسع.

أطفال السودان... صغار يشاركون في احتجاجات الكبار

في السودان، يتزايد القلق من مشاركة الأطفال في الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها البلاد منذ ديسمبر الماضي، مطالبة بإنهاء حكم الرئيس عمر البشير. لا تمرّ مشاركة الأطفال السودانيين في الاحتجاجات التي بدأت في ديسمبر/ كانون الأول الماضي مروراً عابراً، إذ يحذر مهتمون واختصاصيون من مخاطر عدة تواجه الصغار نتيجة لتلك المشاركة، أبرزها إمكانية تعرضهم للأذى بسبب الغاز المسيل للدموع وغيره من المخاطر، بالإضافة إلى الآثار النفسية الناتجة عن مشاهدتهم أعمال العنف.
بينما كان مبارك، التلميذ في مدرسة "الاتحاد" بالخرطوم، في طريقه إلى منزله مع مجموعة من زملائه وزميلاته، في باص المدرسة، صادفوا قوة أمنية ترابط في الشارع، تحسباً لاندلاع تظاهرات في سياق الحراك الشعبي المناوئ لحكومة الرئيس عمر البشير، فما كان من التلميذ، مبارك، إلّا الهتاف من داخل الباص بشعار الحراك الشعبي الأشهر "تسقط بس". وبعد هتافه أوقفت القوة الأمنية الباص، وصعد إليه أحد أفرادها، طالباً معرفة التلميذ الذي هتف، لكنّ مبارك سارع إلى الاعتذار لرجل الأمن الذي تركه في حاله، بعدما أمطره بعبارات التوبيخ.
تلك القصة، التي صورها أحد التلاميذ عبر مقطع فيديو قصير، لاقت رواجاً كبيراً، كما سلطت الضوء على مشاركة الأطفال وتلاميذ مرحلة الأساسي والثانوي، في الاحتجاجات الشعبية واهتمامهم بأمرها إلى حدّ بعيد. في الشهرين الماضيين، ظهر أطفال من الجنسين في عشرات من مقاطع الفيديو، وهم يشاركون في التظاهرات شبه اليومية في البلاد، كما شهدت غالبية المدارس في البلاد هتافات من التلاميذ، مع حرص منهم على حفظ هتافات وأشعار الحراك الشعبي وترديدها حتى داخل منازلهم وأزقة الأحياء.
تقول سناء عثمان إنّ لديها ثلاثة أطفال ما بين 9 و16 عاماً، تركوا متابعة مسلسلات الأطفال والأفلام الكرتونية، عبر التلفزيون، وتركوا ألعابهم، وباتوا مهتمين فقط بالسؤال عما يجري في بلدهم ومتابعة الأخبار السياسية في الفضائيات المهتمة بالأحداث السودانية، وأنّ الواحد منهم إن اختلف مع شقيقه ردّ عليه بعبارة "تسقط بس". تقول لـ"العربي الجديد" إنّ أطفالها أهملوا امتحانات نهاية السنة الدراسية، فتدنت درجاتهم، عما كانوا عليه في امتحانات الفترة الأولى، مشيرة إلى أنّها باتت قلقة عليهم، خصوصاً الأكبر، إذ تخشى خروجه في التظاهرات، فيصيبه مكروه، خصوصاً في التعامل العنيف من السلطات مع الاحتجاجات السلمية.
من جهته، يقول المعلم الثانوي، صابر أحمد، إنّ الوضع داخل المدارس أكثر خطورة، إذ يسيطر موضوع الاحتجاجات على التلاميذ، وفي كلّ فسحة يتجمع التلاميذ للهتاف والكتابة على الجدران، إذ ينقسم التلاميذ ما بين مؤيد لذهاب النظام وآخر مع بقائه، موضحاً أنّ بعضهم مضى أبعد من ذلك بكتابة شعارات الحراك الشعبي في أوراق الامتحان مثل شعار "تسقط بس" المعارض وآخرين كتبوا "تقعد بس" الموالي للبشير. يوضح أحمد لـ"العربي الجديد" أنّ كلّ ذلك أثر على مستوى التلاميذ، وهو خطير جداً من ناحية تربوية، إذ من الواجب النأي بالتلاميذ والأطفال عن الصراعات السياسية والاجتماعية والمذهبية. يشير إلى أنّ المعلمين حاولوا بقدر المستطاع معالجة الأمر من ناحية تربوية، لكنّ ذلك يحتاج إلى تكاتف جميع الجهود، بمشاركة من الأسرة والمجتمع والوزارة .
مع تفاقم هذا الوضع، أصدر المجلس القومي للطفولة بياناً قال فيه إنّه يتابع بقلق بالغ سعي البعض لاستغلال الأطفال واستخدامهم في الاحتجاجات، والحرص على إظهارهم خلالها في مختلف الأعمال سواء برفع الشعارات أو تقديم الخدمات، أو حتى جرهم إلى العنف عن طريق إشعال الحرائق ورمي الحجارة. أضاف أنّ المجلس لاحظ الرغبة غير المبررة للبعض في محاولة استدرار العطف باستغلال واستخدام وإشراك الأطفال وإظهارهم بمظهر الضحايا، مشيراً إلى أنّ كلّ ذلك سلوك غير سوي يتنافى مع طبيعة الأطفال وتكوينهم النفسي والعقلي والبدني وينتهك حقوق الأطفال الأساسية التي تعمل مؤسسات الدولة والمجتمع على تحقيقها.
وفي حديث إلى "العربي الجديد" تطالب الأمين العام للمجلس، سعاد عبد العال، بالحرص على توفير أقصى درجات الرعاية والحماية والأمان للأطفال في أقسى الظروف، مهما كانت الأسباب والمبررات، مشيرة إلى أنّ قانون الطفل لسنة 2010 يمنع هذا السلوك منعاً باتاً بالاستناد إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية والإقليمية التي صادق عليها السودان. توضح أنّ تعرض الأطفال لمشاهد العنف يؤثر سلباً على سلوكياتهم وصحتهم النفسية، وأنّ من الواجب العمل على حمايتهم من ذلك بكلّ السبل.
تشير إلى أنّ المجلس يفضل تفعيل دور الأسرة والمجتمع والمؤسسات التعليمية قبل الإجراءات القانونية المتاحة، ومنها الاستعانة بشرطة حماية الأسرة والطفل ونيابة الطفل ومحكمة الطفل، مؤكدة أنّ باحثين اجتماعيين يتبعون للمجلس ينشطون في الميدان في كلّ الولايات ويعملون على رصد أيّ استغلال أو استخدام أو تعنيف للأطفال أو استغلال المدارس والتعدي عليها. تضيف عبد العال أنّ لديهم إحصاءات عن تضرر عشرات الأطفال أثناء الاحتجاجات، وأنّ فرق المجلس حرصت على التدخل بأسرع وقت في الحالات التي يجرى فيها اعتقال الأطفال (أقل من 18 سنة) في الاحتجاجات، مبينة أنّ "الحكومة لحرصها على سلامة الأطفال منعت المدارس من إخراج التلاميذ في التجمعات، حتى تلك المؤيدة للحكومة".
من جهتها، تعتبر الباحثة الاجتماعية، ثريا إبراهيم، أنّ الموضوع، وبالرغم مما فيه من آثار سلبية، فهناك جوانب مضيئة له باهتمام الأطفال بالتطورات في البلاد، لأنّ ذلك سيخلق تنشئة اجتماعية جديدة وتربية وطنية مختلفة. لكنّها ترى في الوقت نفسه أنّ السلبيات أكبر بكثير من الإيجابيات في مشاركة الأطفال مشاركة مباشرة في الاحتجاجات الشعبية، إذ يتعرض الأطفال لمخاطر عديدة، منها السير لمسافات طويلة تحت أشعة الشمس ويواجهون الغاز المسيل للدموع الذي تستخدمه الشرطة في تفريق التظاهرات واحتمال تعرضهم لاعتداءات، فضلاً عن الضرر النفسي الناتج عن مشاهدة أعمال العنف حتى من خلال مقاطع الفيديو. تنبه إلى آثار سلبية أخرى تقع على الأطفال نتيجة اعتقال آبائهم أو تعرض الآباء للضرب. أما الأسوأ فهو أن يفقد طفل والده أو والدته، في الاحتجاجات، ما ستبقى آثاره مدى الحياة.
جيل جديد مختلف
تعتبر الباحثة الاجتماعية، ثريا إبراهيم، أنّ مشاركة الأطفال في الاحتجاجات بالرغم من سلبياتها، ستساهم في تنشئة جيل جديد يضع الهمّ الوطني في مقدمة أولويات حياته، في ظلّ الحديث المستمر عن انشغالهم بمواضيع هامشية. تضيف أنّ الأسئلة التي يطرحها الأطفال هذه الأيام على أسرهم، سترسخ لديهم مفاهيم جديدة حول الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان.

فك ارتباط جديد بين البشير والحركة الإسلامية

العلاقة بين الرئيس السوداني عمر حسن البشير والحركة الإسلامية قوية، لكنها محيرة لكثيرين، فهناك من يعتقد أنه المدافع الأول عنها ومن الصعوبة التفريط فيها، وهناك من يرى أنه يحتفظ بمسافة بعيدة عنها تمنحه درجة من المرونة السياسية، بينما يرى فريق ثالث أنه يقربها عندما تكون لها ضرورة، ويبعدها عندما تتطلب الانتهازية ذلك.
يبدو الفريق الثالث أكثر واقعية وأدق توصيفا لطبيعة العلاقة بين الجانبين. فالبشير لا ينكر انتماءه للحركة الإسلامية، ولم يتنصل من الروابط بينها وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، ويحرص في مؤتمرات الحركة على الجلوس وسط قياداتها من السودان وخارجه، ويبدو مزهوا ومتفاخرا بهم.
الأزمة التي يمر بها النظام السوداني كشفت عن فك عقدة جديدة في الارتباط المتجذر، اقتضته المصلحة السياسية، بعدما تبين أن جناحا في الحركة أراد توظيف التظاهرات التي اندلعت في البلاد قبل شهرين لتعظيم مكاسبه، حتى لو أدى ذلك إلى التضحية بالرئيس نفسه، وهو ما انتبه إليه البشير، ووجد أن معزوفة سياسية من الجماعات الإسلامية في الداخل والخارج تعمل على نجاح الاحتجاجات ومحاولة تهميشه، وربما التخلص من رئاسته.
التبدل الحاصل في المنظومة الإسلامية يواجهه البشير بطريقتين، إحداهما إقصاء بعض الوجوه التي يراها بابا للتنغيص على سلطته، اتساقا مع رغبته الدائمة في عدم الرضوخ للابتزازات التي يتعرض لها من جانب القيادات الإسلامية، ولذلك عندما ترك رئاسة حزب المؤتمر الوطني مضطرا اختار أحمد هارون، المعروف بولائه السياسي له، ولم يلجأ لأحد الوجوه الإسلامية البارزة. والطريقة الثانية تقوية جناح الحركة العسكري في مؤسسة الجيش، باعتبارها الأكثر انضباطا وتنفيذا لأوامره.
لم تتوقف عملية تكسير العظام بين البشير وخصومه في الحركة الإسلامية، وكانت تتخذ مراحل صعود وهبوط حسب التوازنات السياسية في البلادلم تتوقف عملية تكسير العظام بين البشير وخصومه في الحركة الإسلامية، وكانت تتخذ مراحل صعود وهبوط حسب التوازنات السياسية في البلاد
فك عقدة جديدة، أو المفاصلة كما يسميها أهل السودان بين البشير والحركة الإسلامية، فرضتها مجموعة من العوامل، في مقدمتها تصاعد التظاهرات واتساع نطاقها، وعدم إثبات كوادر الحركة الإسلامية قدرة على التصدي لها بالنزول إلى الشوارع بالتوازي، فضلا عن الميوعة التي بدت على مواقف بعض قيادات الحركة، وحملت رسالة بأنها الجهة الوحيدة القادرة على حماية النظام السوداني، وهو ما خشي البشير أن يؤدي إلى تقويتها بما يمنحها قدرة على إزاحته، كنوع من تصفية حسابات سابقة.
المنهج الذي يتعامل به البشير في قضايا كثيرة من الصعوبة توقعه، لأنه يقوم على المراوغات والمناورات والهروب إلى جهات غير معلومة أحيانا، ومن السهولة أن يبدل موقفه. وهو إحدى العلامات البارزة في حكمه، أفضت إلى عدم احتفاظه بأصدقاء أقوياء يمكن اللجوء إليهم وقت الضيق، لذلك يدير علاقته بالحركة الإسلامية وفقا للآلية التي خبرها منذ سنوات، وتعتمد على توجيه ضربات قوية لبعض أجنحتها، بما يفقدها قدرا من توازنها لفترة من الزمن، يتمكن فيها من إعادة ترتيب أوراقه.
الضربات التي وجهها لجسم الحركة لا تعني انفصاله أو النأي بعيدا عنها، بل تؤكد أنه عضو فاعل فيها بالطريقة التي يريدها والوسيلة التي يفهمها والأداة التي تحقق مصالحه النهائية، ولا يزال مسكونا بقناعة أن بعض القيادات تعمل على الانقضاض عليه، وتسعى لتغريمه ضريبة ما قام به من تصرفات تجاه عدد منها على مدار العقدين الماضيين.
من أهم الخطوات التي أقدم عليها البشير لتحجيم منافسيه في الحركة الإسلامية، ما قام به ضد حسن الترابي، الرجل الأول في الحركة، عام 1999، وبعدها انقسم جسم الحركة السياسي إلى المؤتمر الوطني بقيادة البشير، والمؤتمر الشعبي بقيادة الترابي. ودخل كلاهما في مناوشات ممتدة، وحاول كل طرف التأكيد أنه الرافد السياسي لها، وتراجع الخصام نسبيا بين الحزبين بعد وفاة الترابي وعدم ظهور قيادة تسد الفراغ الذي تركه الرجل، فأمن البشير استمراره دون منافسة قوية، خاصة أنه على ثقة في ولاء المؤسسة العسكرية.
لم تتوقف عملية تكسير العظام بين البشير وخصومه في الحركة الإسلامية، وكانت تتخذ مراحل صعود وهبوط حسب التوازنات السياسية في البلاد، وتتخذ وتيرة متزايدة كلما اشتد عودها في الداخل والخارج، وشعر البعض من قياداتها بعد اندلاع ثورات الربيع العربي بأن هناك فرصة للضغط على الرئيس السوداني للحصول على مكتسبات منه والاقتراب من الحركة في شقها العالمي، وبالفعل كانت هذه الفترة زاهية، وقادت إلى درجة مرتفعة من الانسجام بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الإسلامية، وتغزل كل طرف بالتفاخر أنه جناح للآخر.
الوئام الظاهر بين القيادات الكبيرة لم يعجب فئة من الشباب، وعلى ذلك قامت برفع مذكرة سميت “الألف أخ” عام 2011، وقدمها ألف من الشباب الحركيين رأوا أن ثورة “الإنقاذ الوطني” التي قادها البشير مع إسلاميين عام 1989 تراجعت عن ثوابتها الرئيسية، وطالبوا فيها بإصلاحات وتبني أفكار جديدة تمكن قيادات الحزب من التصدي للتحديات المتعاظمة.
التداعيات التي تركتها الخطوة السابقة كانت سلبية على الحركة، ولفتت انتباه البشير إلى وجود ذيول حريصة على العبث بمصيره، فأوغل في توجهاته وسياساته الإقصائية، واستبعد عددا من القيادات الكبيرة، ما أدى إلى ظهور ما يسمى بـ”الحركة الوطنية للتغيير” في أكتوبر 2013، والتي دعت للعمل المشترك لما وصفته بإصلاح الوطن، بذريعة الترفع عن كل الانتماءات، وهي حجة رغبت في أن تمكنها من ضم مجموعة من القيادات السياسية في الأحزاب السودانية المعارضة، وقبلها بوقت قصير قام 31 قياديا إسلاميا بتسليم مذكرة للرئيس البشير تحضه على خطوات إصلاحية.
الممارسات المتوالية في هذه الفترة كشفت عن عمق الانسداد في صفوف بعض القيادات، وكان انسلاخ غازي صلاح الدين العتباني، وزير الإعلام الأسبق عن حزب المؤتمر الوطني، تطورا مهما، لأنه كون حزبا سياسيا إسلاميا حمل اسم “حركة الإصلاح الآن” لسد فراغ الترابي وحزب المؤتمر الشعبي المترهل، وحاول تقديم جانب فضفاض للحركة الإسلامية ليستوعب الكوادر الشاردة، وتدثر بثوب يوحي بالانفتاح على القوى الأخرى.
الحصيلة التي وصلت إليها الحركة الإسلامية بأطيافها المختلفة، تشير إلى أنها تريد السيطرة على الحياة السياسية، فالتباينات بين قياداتها تنصب على التفاصيل لأن الكل ينحدر من معين واحد، وهو ما جعل غالبية الأحزاب التي خرجت من رحمها غير قادرة على تعزيز الثقة مع قوى حزبية مدنية.
التفاهم الذي توصل إليه غازي صلاح الدين قبل أيام قليلة مع الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي، رسالة للحركة الإسلامية أكثر منه عربون ثقة مع أحزاب مدنية، ومحاولة من غازي لتقديم نفسه كوجه مجدد في جسد الحركة، قد يتمكن من أن يجمع حوله وجوها تحتفظ بمسافة مع الرئيس البشير، الذي انحاز تماما للجناح العسكري في الحركة، ويرى أنه الأكثر وفاء للحفاظ على ثوابتها، والأشد قوة في التعامل مع أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات.
الرهان الذي يضعه البشير على هؤلاء هو رهان الأمر الواقع، وقد يؤدي إلى إعادة تموضع قيادات كثيرة في الحركة، ويدخلها دوامة قاتمة من التباين، تحتاج بعض الوقت للملمة نفسها مرة أخرى، لأن دور القيادات التاريخية بات يتوارى تدريجيا.
وربما تظهر طبقة تؤثر في المعادلة الحالية، بما يسمح بتعديل التوجهات، بطريقة تجعلها تحافظ على مكاسبها، وتمكنها من التصدي لقوى المعارضة، التي تعي أنها أمام فرصة جيدة لتخفيف قبضة الحركة على مفاصل الحكم في البلاد.

الخميس، 28 فبراير 2019

مصر تحذر من تحول «حقوق الإنسان» إلى ساحة لتصفية الحسابات

قال وزير الخارجية المصري سامح شكري، إن البعض قد حاد عن الهدف الأساسي من إنشاء مجلس حقوق الإنسان، بالسعي لتحويله ساحة لتصفية الحسابات السياسية، وتبادل الاتهامات، والتنميط السلبي للثقافات المُغايرة، ومحاولة فرض رؤى ومفاهيم خلافية، بل وتعميق الاختلافات، والتي ينبغي أن تكون مصدر ثراءٍ، وتحويلها إلى خلافات تزرع الشِقاق.
وصرح المستشار أحمد حافظ، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية بأن شكري ألقى، أمس، بيان مصر أمام الشق رفيع المُستوى للدورة الأربعين للمجلس، التي تعقد حالياً بمدينة جنيف السويسرية، حيث أشار إلى أن الفلسفةِ السامية التي قام عليها المجلس، والرامية لتنسيق الجهود الدولية للدفع قُدماً، نحو تعزيز احترام حقوق الإنسان، وبناء قدرات الدول، وتقديم المُساندة لها، والاستفادة من أفضل الخبرات والمُمارسات، يجب أن تَظل المحرك الرئيسي لأنشطة واهتمامات المجلس، مؤكداً أنه قد حان الوقت لتقييم ما آلت إليه الأمور للعمل على تصحيح بعض المُمارسات.
وأكد شكري أن حقوق الإنسان هي مجموعة مترابطة من الحقوق التي لا تقبل التجزئة، وعلى رأسها الحق في الحياة، والذي يتعرض لهجمة شرسة في الوقت الراهن، جراء انتشار خطر الإرهاب تحت ستار الأديان، مؤكدا أنه من المؤسف تعرض الحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لقدر معتبر من الإهمال، ما يحتم العمل على تجديد الاهتمام بها، في ظل استمرار معاناة نسبة كبيرة من دول العالم النامي من الفقر.
وأكد شكري ضرورة احترام حزمة البناء المؤسسي، التي سبق أن توافقت عليها الدول، وتمثل توازناً دقيقاً ينبغي الحفاظ عليه، والبعد عن أي مقترحات قد تؤدي إلى تعميق المُمارسات السلبية، وزيادة الاستقطاب داخل المجلس بصورة تهدد مصداقيته وعالميته، مشددا على أن الشعوب تتطلع لأن يقوم المجلس بدوره في ترسيخ التعايش والتسامح، ودعم التمتع بكافة حقوق الإنسان دون تمييز، ونبذ الاستعلاء الحضاري والثقافي والعنصري، الذي يمارسه ويدعو له البعض دون إدراك لمغبة تلك الصراعات على الاستقرار الدولي

الثلاثاء، 26 فبراير 2019

الحزب الحاكم في السودان: البشير قام بانقلاب أبيض

كشف القيادي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم أمين حسن عمر، أن الرئيس السوداني عمر البشير لم يستشر الحزب في القرارات الأخيرة التي اتخذها ومن ضمنها حل الحكومات المركزية والولائية وتعيين 18 من قيادات الجيش ولاة للولايات، معتبرا أن ما حصل انقلاب أبيض.
وتعكس تصريحات القيادي في المؤتمر الوطني وجود حالة من التململ من قرارات الرئيس عمر البشير، والتي بدا أن الهدف الأساسي منها إقصاء الحزب من السلطة، والدفع بالمؤسسة العسكرية إلى الواجهة، لاحتواء الاحتجاجات التي يشهدها السودان منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
وكانت تسريبات تحدثت عن غضب البشير من طريقة تعاطي المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية عموما مع الحراك الشعبي، وامتزج هذا الغضب بقلق من إمكانية حدوث انقلاب قصر عليه، ترعاه بعض القوى الإقليمية.
وأكد أمين حسن عمر في حوار له مع صحيفة “الانتباهة” السودانية أن الرئيس لم يشاور الحزب في اختيار النائب الأول للرئيس (وزير الدفاع عوض ابن عوف) أو رئيس الوزراء أو الولاة العسكر، وأشار القيادي إلى أنهم سيتصرفون على أنهم ليسوا الحزب القائد للحكومة لأن القيادة انتقلت إلى الرئاسة ولم تعد حزبية، وشبه ما جرى بأنه انقلاب أبيض، ولوح بمواجهة ما حدث بالشرعية إذا ما كان انقلاباً على الشرعية.
ونفى أمين حدوث ملاسنات داخل اجتماعات المكتب القيادي الأخير (الجمعة) برئاسة البشير التي أعقبها خطاب البشير، وأشار إلى أن النقطة التي دار حولها نقاش مطول كانت “فرض حالة الطوارئ”، وقطع أمين بأنهم في الحزب لن يقبلوا بالخروج على الشرعية من أيّ جهة سواء كان ذلك بانقلاب أبيض أو أسود. وأقرَّ بأن الحزب يحتاج إلى استراحة محارب.
ويترأس البشير حزب المؤتمر الوطني، الذي ولد من رحم الحركة الإسلامية التي قامت بتحالف مع قيادات عسكرية وبينها البشير بانقلاب عسكري في العام 1989 على رئيس الوزراء آنذاك الصادق المهدي.
وشهد الحزب في السنوات الأخيرة انشقاقات كان أبرزها خروج المستشار السابق للبشير غازي صلاح الدين العتباني وتأسيسه في العام 2013 لحركة “الإصلاح الآن”.
ولم تهدأ الخلافات دخل المؤتمر رغم خروج ما يطلقون على أنفسهم بـ”الإصلاحيين”، لكن الرئيس البشير كان قادرا على استيعابها وتحجيم كل قيادي يشكل تهديدا له داخل الحزب، ولكن باندلاع الاحتجاجات الأخيرة وجدت القيادات الرافضة لهيمنته فرصة لإعلاء صوتها وتقويض هذه الهيمنة.
ويرى مراقبون أن هذا ربما ما يفسر السبب في الانقلاب الأبيض الذي قاده البشير، والذي صرح خلال إعلانه لحزمة القرارات المثيرة أنه سوف يكون على مسافة واحدة من جميع الأحزاب السياسية، بما يعني أنه سيكون على ذات المسافة بين المؤتمر الوطني وحزبي البعث والأمة القومي.
وأعلن القيادي أمين حسن عمر أن الحزب سيختار رئيساً له في المؤتمر العام القادم، مؤكدا جاهزية الحزب لاختيار البديل للبشير.
ورجح عضو المكتب القيادي في الحزب تأجيل المؤتمر العام للحزب إلى ما بعد شهر رمضان، وأكد أمين أن المكتب القيادي في الحزب لم ينظر في استقالة مقدمة من الرئيس البشير، إلا أنه رجح أن يجمد الرئيس رئاسته للمؤتمر الوطني في هذه المرحلة، رافضا توصيف ما قام به الرئيس من قرارات بأنه مفاصلة جديدة (في إشارة إلى انقسام الحركة الإسلامية بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي بقيادة الراحل حسن الترابي).
وأكد أن التيار الإسلامي ليس مستضعفاً، وتابع “هو ليس سجادة حتى تمضي فيه وتدوسه دوسا”، وجزم بأنه لا يستطيع أحد فعل ذلك، فيما بدا تحذيرا للبشير.
وشهد السودان في اليوم الثالث من إعلان حالة الطوارئ مسيرات احتجاجية جديدة، وهتف مئات المتظاهرين الذين تجمعوا وسط الخرطوم الاثنين “حرية، سلام، عدالة”.

الاثنين، 25 فبراير 2019

البشير يعبّد طريق الانتخابات: المظلة الحزبية ليست شرطاً

الخرطوم | في ظلّ ردود فعل واسعة داخلية وخارجية، انقسمت آراء السياسيين والمحللين في السودان حيال القرارات التي أعلنها الرئيس عمر البشير يوم الجمعة الماضي، في خطاب مثير للجدل توّج محاولات احتواء الأزمة المستمرة للشهر الثالث على التوالي.
وفيما عدّ مؤيدو البشير القرارات خطوة في اتجاه حلّ الأزمة السياسية، رأى فيها آخرون محاولة للالتفاف على الأزمة، التي تشكّل التحدي الأكبر للحكم المستمر منذ ثلاثة عقود.
وعلى رغم تعدد القرارات وتناقض الدعوات التي أطلقها في آن، إلا أن تلميح البشير إلى احتمال تخلّيه عن موقعه في رئاسة الحزب الحاكم، بالقول إنه «سيقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف»، استحوذ على مساحة واسعة من الجدل المحتدم في البلاد، لا سيما في ظلّ التباين، ربما المقصود، بين خطابه وبين التصريحات المنسوبة إلى مدير جهاز الأمن والمخابرات الفريق أول صلاح قوش، والتي طابقت كثيراً مما تتضمّنه الخطاب (علماً أنها سبقته بساعات)، وأشارت بوضوح إلى نية البشير التخلي عن رئاسة حزب «المؤتمر الوطني»، وهو ما لم يتحدث به الرئيس صراحة.
وفي ظلّ إصرار الحزب الحاكم على عدم وجود تضارب بين خطابَي الرئيس ونائبه، لم يستبعد سياسيون ومراقبون أن يكون قد تم سحب قرار استقالة البشير من الحزب من نصّ الكلمة، بفعل ضغوط من بعض القيادات الإسلامية في اجتماع المكتب القيادي، والذي سبق الخطاب بساعات. وفي هذا الإطار، رأى قيادي في «المؤتمر الوطني» فضّل عدم ذكر اسمه، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الرئيس البشير لا يستطيع الابتعاد عن الحزب، لأنه من دونه لن يجد الدعم الحزبي والتنظيمي من الإسلاميين»، مشيراً إلى أن «كل قيادات الأجهزة الأمنية والشرطة والجيش معروفة بانتمائها للحزب الحاكم والحركة الإسلامية». ووصف القيادي فكرة الابتعاد عن الحزب بأنها «انتحارية».
في المقابل، لم يرَ المحلل السياسي حسن الساعوري، في حديث إلى «الأخبار»، ضرورة لأن يعلن البشير استقالته من حزب «المؤتمر الوطني، (بل إن) المهم أن يفعل ذلك عملياً حتى يُطمئن المشككين من أحزاب المعارضة». وإذ شدد على أن «هذه الأزمة لا تُحلّ إلا باستقالة الرئيس من حزبه»، أشار إلى أن البشير «أبدى جدية في هذا الصدد حينما جعل ولاة الولايات من العسكريين، إذ يمكن أن يختار بعضهم من أحزاب المعارضة». وكشف الساعوري، المعروف بقربه من الحزب الحاكم، أن معظم الشبان المنتسبين للحزب «لا يؤيدون ترشح البشير»، على اعتبار أن «ابتعاد الرئيس عن المؤتمر الوطني سيحفظ تماسك الحزب، ويقيه شرّ الانشقاق». وجزم أن «قرارات الرئيس لن تكون مقبولة من قِبَل أحزاب المعارضة ما لم يُعلن استقالته من حزب المؤتمر الوطني، ويؤكد أنه أصبح رئيساً غير حزبي. حينها فقط سيجد الثقة من المعارضة، (التي تريد أن) تطمئن إلى أنه لن يجتمع مع المؤتمر الوطني في المساء ويجتمع معها في الصباح»، تأكيداً على «أن القرارات التي يتخذها ستكون قرارات مستقلة عن الحزب».
جانب آخر من القرارات التي أعلن عنها الرئيس في خطابه الأول من نوعه منذ بدء الاحتجاجات، يبدو غامضاً وحمّال أوجه، ولعلّ ذلك هو ما دفع المعارضة ربّما إلى رفض مضمون الخطاب بشكل قاطع وسريع. ويرى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الحزبية، حسن مكي، في حديث إلى «الأخبار»، أنه بعيداً عن «صعوبة فهم التكتيكات السياسية للرئيس هذه الأيام»، إلا أن هناك «تناقضاً كبيراً بين الدستور والإجراءات الدستورية المتعلقة بعام 2020، وما تم إعلانه». ولفت مكي إلى أن «البشير ذكر قبل أسابيع أنه سيعين شخصية قومية ويعمل على إعداد الدستور، لكنه عاد إلى الحديث عن وقف لجنة مراجعة الدستور وإعلان حالة الطوارئ، (والأخير) إجراء لا يمكن أن يُتخذ إذا كان (البشير) يريد انتخابات حرة ومصالحة مع القوى السياسية، لأن الانتخابات لا تتم إلا في أجواء سياسية تقوم على الحريات وسيادة القانون». وأشار إلى أن «أجل الرئاسة ينتهي بعد عام، ويُفترض أن تكون هناك سلطة جديدة»، متسائلاً: «كيف يمكن التوفيق بين حالة طوارئ لمدة عام واستحقاق انتخابي تبقّى له عام؟»، مستدركاً بأن البشير «جعل حكاماً عساكر على ولايات السودان لتأكيد حالة الطوارئ وانعدام أكسجين العمل السياسي».
تناقضات البشير دفعت قياديّي المعارضة إلى رفض استخدام لغة فضفاضة في شأن قضايا تُعدّ أساسية ومسبّبة لانسداد الأفق السياسي في البلاد، من قبيل دعوته البرلمان إلى تأجيل النظر في التعديلات الدستورية التي تتيح للرئيس الترشح لفترة مفتوحة؛ إذ اعتبروا أن تأجيل التعديلات لا يعني عدم ترشحه. وعزّز قراءتهم تأجيل حزب «المؤتمر الوطني» مؤتمره العام الذي كان من المفترض أن ينعقد في نيسان/ أبريل المقبل، ليختار الحزب فيه مرشحه لرئاسة الجمهورية. ورأت قيادات المعارضة أن إعلان حالة الطوارئ يثبت أن الرئيس ماضٍ في الترشح في انتخابات 2020، معتبرة أن ذلك لا يعبر عن رغبة الحكومة في حلّ مشكلة المحتجين، خصوصاً أن خطاب الرئيس خلا من أي إشارة إلى الأوضاع الاقتصادية، السبب الرئيس للأزمة.

الولايات المتحدة في أحداث السودان… هل مقترحات البشير الأخيرة للأزمة جاءت من واشنطن؟

لم يكن وصول مدير شؤون أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي “سيريل سارتور” إلى الخرطوم  وقبل أن يلقي الرئيس عمر البشير خطابه الهام من باب الصدفة، يبدو أن  “سارتور” حمل الأفكار التي قالها البشير، “تعيين حكومة تصريف الأعمال، وفرض حالة الطوارئ، وحل الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية” تأجيل نظر البرلمان بالتعديلات الدستورية التي تمهد الطريق البشير ، للترشح لانتخابات 2020 .
وهذا يفسر ربما أن رجال السلطة في السودان باتوا يبدون أكثر ثقة بمرور الإجراءات التي أعلنها البشير في خطابه رغم إجماع أحزاب المعارضة على رفض ما جاء به، وإعلان الاستمرار في التظاهرات . بعض المصادر المقربة من البشير تؤكد أنه  رغم رفض المعارضة لإجراءات البشير الا انها سوف تغير رأيها لاحقا وتنخرط في الحوار، وقد تكون هذه الثقة نابعة من كون الإدارة الامريكية هي من يقف خلف هذه المبادرة .
وتخشى الولايات المتحدة من ارتفاع إعداد قتلى المظاهرات ، وهذا ما سيجير الإدارة على نسف مسار الحوار مع حكومة البشير ، وإيقاف توجه الإدارة نحو رفع الخرطوم من قائمة الدول الراعية للإرهاب .  لذلك تسعى واشنطن للدخول على خط الأزمة في السودان . وترتيب الأوضاع هناك بما لا يؤثر على مسارها في نقل السودان إلى موقع آخر تماما . خاصة أنها اتخذت من السودان مقرا لأكبر قاعدة  لعمليات التجسس في المنطقة ،  بموافقة البشير .
ورفعت الولايات المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2017 عقوبات اقتصادية فرضتها على السودان منذ عام 1997، لكنها أبقت عليه في قائمة الدول الراعية للإرهاب لحين الإيفاء بحزمة اشتراطات متعلقة بخمسة مسارات منها حقوق الإنسان والحريات الدينية.
وبدأت بعض النخب السودانية مؤخرا تطرح جدوى انتقال السودان من محور ايران و حركات المقاومة ، إلى محور الغرب ودول الخليج ، طالما أن هذا الانتقال لم يوفر حلا للأزمة الاقتصادية للبلاد . إلا أنه وفر حلا ما بعد التظاهرات بتشكيل شبكة أمان البشير في وجه حركة الاحتجاج ، من خلال الدعم الخليجي والمصري و الأمريكي.
ولا يخلو إعلان البشير وقوفه في منصة قومية وعلى مسافة واحدة من الجميع موالين ومعارضين كما قال في خطابه  من المجازفة ، لأنه بهذا يبتعد خطوة إضافية عن حزبه “حزب المؤتمر الوطني ” ويسمح لجناح داخل الحزب بالانقلاب عليه وتغيير قواعد اللعبة بالكامل في السودان . هذا الأمر غير مستبعد . وإذا ما أضيف إليه أبعاد البشير لقادة اسلاميين من مراكز القرار في الجيش والأجهزة الأمنية  ضمن مسار الحوار مع الولايات المتحدة ، فإن هذا الوضع قد يساهم في حسم تردد الإسلاميين في الانضمام إلى حركة الاحتجاج.
لا يعني حضور هذه السناريوهات في المشهد بأنها  تشكل تحديا للإدارة الأمريكية ، فهي انخرطت في مسار إعادة تأهيل النظام السوداني دوليا ، بطلب من السعودية والامارات، بعد الحصول على موافقة البشير على الاشتراطات الأمريكية، لكنها في ذات الوقت لديها حساباتها لكل الاحتمالات.