هب
أن الدعوة على العصيان المدني على علاًة كل الظروف والمعطيات الماثلة
نجحت، لنفترض جدلاً ذلك، تعطلت الحياة والحركة العامة وتوقف السير الطبيعي
للأمور، ما هو دور القوى التي تقف وراء ذلك؟
وما الذي بإمكانها أن
تفعله؟ هذه التساؤلات مشروعة وشديدة الأهمية لعدة أسباب، فمن جانب أول فإن
التاريخ السياسي السوداني لم يعرف بقوى المعارضة السودانية وحدة في الوسيلة
واصطفافاً في الهدف ولكي نعطي دليلاً مادياً ملموساً، فقوى المعارضة
السودانية في هذه اللحظة موزعة ما بين قوى مؤمنة بمشروع الحوار الوطني،
تواقة للحصول على أي ميزة سياسية من ورائه لأنها تدرك أن هذه هي آخر تذكرة صالحة
للسفر وقوى ثانية تحمل السلاح مثل الحركة الشعبية قطاع الشمال، دعت للعصيان
ولكنها في ذات الوقت أعدت نفسها لمعارك حربية بغية الاستيلاء على مناطق
سبق وأن خسرتها وأوجعها خسرانها وهذه تدرك أن وجودها السياسي ضعيف ولا أمل
لها في الوصول لأهدافها عبر انتخابات عامة أو عمل سياسي منظم، هي تريد
مناخاً مضطرباً وفوضى تستغلها لكي تضرب ضربتها وتزيق المواطنين
الأمرين. هنالك أيضاً قوى ثالثة تراهن على عصيان مدني مثل الحزب الشيوعي
السوداني وبعض بقايا اليسار الذي لم يعد له أدنى أمل في المستقبل عبر
ممارسة سياسية تنافسية هو فقط يريد أن يكون في إطار عمل يقضي على خصومهم في
السلطة.
هؤلاء – بكل هذا التمزق
والتشتت – من المستحيل أن يضع المواطن السوداني رقبته بين يديها ويترك لها
مصيره. ومن جانب ثان فإن الحركات المسلحة (حركات دارفور وقطاع الشمال)
إرتبطت بقوى وجهات خارجية مشبوهة مثل دولة جنوب السودان ويوغندا وإسرائيل
والمواطن السوداني البسيط أكثر الناس دراية بهذه الحقيقة المفزعة كما أن
هذه الحركات فقدت ثقة أهلها على مستوى إقليم دارفور وقتلت ونهبت ومسؤولة
جنائياً وأخلاقياً عن جرائم خطيرة وفي الوقت نفسه لديها ثارات وضغائن حيال
مجموع شعب السودان، تدفعهم نزعة عنصرته موتورة من المؤكد أنها تستهدف
الجميع. من جانب ثالث فإن أحداً من مواطني السودان لا يمكن أن يغيب عن باله
أن الحركات المسلحة هي عدوه الرئيسي.
الكل يعلم هذه الحقيقة ولهذا فإن ترك
الأمور مفتوحة على احتمالاتها لن تكون فكرة سديدة، ولا يعقل أن يترك
المواطن السوداني أمنه وإستقراره نهباً للمجهول وللاحتمالات المفتوحة. كثير
من دول الجوار وقعت في هذه الورطة وأصبحت تتباكى على الأنظمة التي اسقطتها
بعد أن انتشر السلاح وتكونت المجموعات المسلحة المختلفة وأصبحت الأرض
مقسمة لمناطق نفوذ. أنظر الآن إلى ليبيا كيف تحولت إلى دويلات؟ أنظر إلى دولة جنوب
السودان، كيف إختلط الحابل بالنابل، غابت بنسبة كبيرة ممسكات التوازن
والاستقرار وكادت تغيب الدولة. وهكذا فإن وعي المواطن السوداني وذكاؤه
البسيط يكفيان لكي يسخر من هذه الدعوة وهو ذاته ما يجعل من العصيان محض
شائعة ومجرد اطلاق لأكاذيب لا ترقي لمستوى الممارسة السياسية الراشدة!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق