الخميس، 8 ديسمبر 2016

عصيان.. العصيان المدني.. لماذا؟

من المؤكد أن الجهات السياسية – التي صعب عليها الإعلان رسمياً عن نفسها – والتي وقفت وراء دعوة العصيان الفاشلة مؤخراً لم تكن تفعل سوى أعادة إنتاج ذات الفشل في تحريك الشارع السوداني منذ مهزلة (حضرنا ولم نجدكم) الشهيرة في ميدان أبو جنزير قبل سنوات، حين فشلت القوى المعارضة في إخراج – (عضويتها) – فقط، دعك من الشارع السوداني الكبير وحتى هذه الدعوة اليتيمة الأبوين التي حملها الإسفير ثم تركها للهواء ليذروها هشيماً يشهد على حالة الفشل السياسي المزمن في مفاصل القوى السودانية المعارضة. لقد ثبت بالدليل العملي أن الشعب السوداني أبعد ما يكون – بآلاف الأميال السياسية – عن القوى المعارضة، فذهنه السياسي المتقد قادر على تحليل الامور والقضايا والوصول فيها إلى نتائج. ويؤسف المرء أن يقول أن قوى المعارضة السودانية فشلت في كلا الأمرين : فلا هي نجحت في أن تتقدم صفوف السودانيين وتقودهم ويحق لها أن تزعم بناءً على ذلك أنها (بديلاً جاهزاً)، ولا هي نجحت في المشي وراء الذهنية السياسية الذكية لشعب السودان لكي تستفيد من قراءة المواطن السوداني البسيط لدفتر أحواله السياسية والمناخ السياسي العام والمعطيات الماثلة.
هذا التناقض المريع ما بين القوى السودانية المعارضة وشعب السودان، هو في حد ذاته محور الأزمة التي ظلت تدور في هذا البلد منذ عقود طويلة وهو أحد أبرز الانهيارات المتكررة للأنظمة التعددية التي شهدها هذا البلد مراراً ولم يزد حصاده فيها عن الهشيم!. ان دعوة العصيان المدني لا تطلق هكذا من فضاء مجهول، الجهة المرسلة مجهولة والعنوان المقصود مجهول، لا يمكن اعتبار مسلك كهذا عملاً سياسياً، اذ أن أقل ما يستفاد من هذا الموقف أن فشل العصيان كان بمثابة (رحمة) للقوى السودانية المعارضة لأنه اذا كان قد نجح – رغم استحالة ذلك كما سنبين لاحقاً – فإن النزاع كان سوف يثور لقرون عن (الأب الحقيقي) للدعوة، وسوف تتقاتل القوى المعارضة من أجل إثبات نسب العصيان السياسي!!
أما لماذا فشل العصيان – ومع بداهة الأسباب – فإن الفشل مرده لعدة أسباب أولها : الدعوة المجهولة المصدر التي أكدت للسودانيين أن قواه السياسية المعارضة أجبن وأقل قامة من أن يستجيب لما تدعو إليه طالما أنها غير قادرة على الإعلان عن نفسها صراحة ولا تملك الحد الأدنى من الشجاعة لكي تخرج الى الشوارع الفسيحة – بدلاً عن الفضاء الإسفير النسيج – لكي تقوده وتضحي تضحية حقيقة من اجله.
ثانياً : العصيان المدني هو نفسه – سياسياً وتاريخياً – انما يأتي سلسلاً وتلقائياً في سياق حراك شعبي مبني على مقدمات قاطعة تود الوصول الى نتائج قاطعة. لم يسبق حدوث عصيان مدني نتائجه ومقدماته على السواء غير متجانسة وغير معروفة، فشعب السودان بأسره الآن يحارب قوى مسلحة على الأطراف لن تتوانى من أن توجه له ضربات (راجع نموذج أبو كرشولا، ونماذج اجتياح خليل لأم درمان، وضربة كسلا وغيرها) لن يفوت على أي مواطن سوداني أن الحركات المسلحة تنتظر أي ثمرة تسقط على الأرض لكي تختطفها، والقوى السياسية المعارضية عملياً لا تملك قدرة كبح جماح الحركات المسلحة ولا السيطرة على الفوضى طالما انها مجرد (رديف) لهذه الحركات المسلحة. لم يكن هنالك من عاقل يستجيب لعصيان مدني ليبدل اجراءات اقتصادية، بفوضى أمنية وسياسية لا تبقى ولا تذر.
ثالثاً وأخيراً: فإن العصيان المدني عادة تقوم به المؤسسات الوطنية (الخدمة المدنية والمؤسسات الخدمية) لشل الحياة، وهذه المؤسسات الوطنية لديها من الذكاء ما يجعلها تنآى عن إبتدار عملية فوضى تطيح بحقوق المواطنين الطبيعية في الحياة وتدرك من خلال النماذج الماثلة في دول الجوار خطورة إنهيار الدولة وغيابها وتحول البلاد الى جذر معزولة وجملة سلاح لا يرحمون أحداً وذخائر تتساقط مد البصر!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق