الثلاثاء، 9 مايو 2017

حكومة الوفاق الوطني.. الحكومة الإستراتيجية الأولي في السودان!!

حكومة الوفاق الوطني حديثة التكوين في السودان، يمكن اعتبارها أفضل فرصة سياسية وسانحة تاريخية توفرت للسودانيين للتعبير عن توافقهم، فهي بهذه الصفة بمثابة (فن الممكن) السوداني المتاح علي قدر اجتهاد السودانيين، فهي تعبر عن مزاج ديمقراطي سوداني أمكن الحصول عليه علي أية حال في ظروف خلافات وتشاكس سياسي عاني منها هذا البلد وأقعدته طويلاً جداً.
ولهذا السبب فهي بكل المقاييس (حكومة إستراتيجية) وحين نطلق عليها هذا الوصف فإننا نعني الوصف تماماً لأنها معنية بعدة أمور إستراتيجية: أولاً: مطلوب منها التأسيس الفعلي- من خلال الأداء التنفيذي- للمشتركات الوطنية ذات الصفة الإستراتيجية، الوحدة الوطنية، السلام، إصلاح الأداء الاقتصادي وتطويره، إعفاء الديون، رفع العقوبات الاقتصادية، التنمية والخدمات المختلفة وهكذا فهي معينه ببناء الدولة السودانية الحديثة ووضع الأساس المتين لها، ولهذا يخطئ من ينظر إليها من زاوية كونها محض حكومة ذات قاعدة عريضة، أو حكومة انتقالية لا هي حكومة تعبر عن المشتركات الأساسية للرؤى الوطنية المختلفة، بحيث يصبح الأساس الذي تصنعه هو الأساس الأوحد للدولة السودانية، تتأسس عليه فيما بعد لبنات البناء الوطني بغض النظر عمن يتولي الحكم.
ثانياً: استنباط ديمقراطية سودانية – إذا صح التعبير – تتيح مشاركة وتداول سلمي للسلطة وحريات مسئولة،  وهذه واحدة من أهم النقاط التي نص عليها مشروع الحوار الوطني، إذ إن المطلوب خلق مناخ مواتي لديمقراطية تستعجب المعطيات السودانية، الأعراف، التقاليد، والظروف التي يعيشها السودان حتي يتفادى هذا البلد الدورة الخبيثة التي تتراوح ما بين سلطة حزبية مليئة بالفوضى والمشاكسات، تعقبها سلطه عسكرية قابضة ثم انتفاضة ثم عودة  إلي سلطة حزبية مليئة بالفوضى.. الخ، هذا المسلسل التاريخي المزري لم يعد له مكان في السودان، علي السودانيين أن يؤسسوا الديمقراطية متدرجة متطورة هي مزيج من ثقافتهم، ورؤاهم وليس من الضروري استنساخ ديمقراطية غربية بالطريقة التي نراها الآن في أوروبا، إذ أن أوروبا والغرب عموماً لم يصلوا لهذه الديمقراطية بين عشية وضحاها، قضوا قرون وهم يطورون ويصبرون علي أوضاعهم حتي وصلوا لمنتهي ما وصلوا إليه.
ثالثاً: التخلص التام سواء بالعمل السلمي أو بغرض القانون من حمل السلاح، ذلك أن التأسيس لدولة حديثه يستلزم التأسيس لدولة قانون لا مجال فيها لحمل السلاح بغرض فرض الرؤى السياسية.
بإمكان أي شخص أن يطرح رؤاه السياسية ومطالبة التنموية سلمياً، ذلك أن حمل السلاح كبد هذا البلد خسائراً فادحة.
ضاعت عشرات المليارات من الدولارات في الحرب
وأثقلت الديون كاهل الدولة.
وتأخرت التنمية لأكثر من (61) عاماً منذ أن نال السودان استقلاله.
كل هذا الآن يمثل تحدياً استراتيجياً لحكومة الوفاق الوطني فهي ليست حكومة استرضاء سياسي، ولا هي حكومة (مكافأة) لمن ارتضي الحوار، هي حكومة فرض عليها التاريخ تحمل مسئولية التأسيس لمنصة وطنية صلبة تنطلق منها عملية البناء.
رابعاً: ترسيخ المسئولية التضامنية (روح الفريق)  ففي تاريخ السودان السياسي لم يتسن لأي حزب الحكم منفرداً ووفقاً للمعطيات المشاهدة الآن فإن هنالك صعوبة في انفراد حزب أو تحالف بعينه بالحكم، لابد من ائتلاف بين مجموعات ومكونات مختلفة ولهذا فإن ترسيخ معاني التضامن وروح الفريق الواحد واحتمال المسئولية دون تجزئة باعتبار أن الجهد في خاتمة المطاف يصب في المصلحة العليا للبلاد، يجنب الوطن مغبة الشقاق والخلاف.
في السابق كانت القوي السياسية تأتلف ثم تفض الائتلاف، تتحالف ثم تفضي التحالف ويتربص كل حزب بالآخر، هذه الروح لم تعد مناسبة الآن في ظل حكومة الوفاق الوطني إذ أن المطلوب من كل حزب مهما كان وزنه السياسي أن يتحلي بالروح التضامنية، روح الشركاء المتضامنين، الساعين للمصلحة الوطنية العامة.
إذن نحن أمام حكومة فريدة من نوعها، حكومة تراضي وتوافق وطني همها الأول والأخير بناء الدولة السودانية، يحتمل فيها أعضاء الحكومة بعضهم، يؤازرون بعضهم، لا ينظرون إلي مكاسبهم الحزبية، لا يخاصمون بعضهم يمنحون القدوة السياسية لمن لم يلحق بهم حتي يضطر ليلتحق بهم وحتي تتأسس ديمقراطية سودانية بمواصفات سودانية خالصة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق