الأحد، 16 أبريل 2017

“جذوركم في صادنقا”

يعتز عموم السودانيين بإرثهم الذي يعود إلى حضارات قامت على الجزء الشمالي من ترابهم، قبل آلاف السنين، لا سيما الحضارة النوبية، لكن المفارقة أن أعظم اكتشافات هذه الفترة تعود لعالم آثار سويسري، كرّس سيرته المهنية لـ”حفر” تاريخ السودان.
حسناً، (الثلاثاء) الماضي، أعادت الحكومة الفرنسية للسودان، قطعة أثرية تم إرسالها إلى فرنسا عام 2001 لترميمها وإجراء المسوحات الضوئية عليها.
والقطعة الأثرية عبارة عن قماش يلف حول توابيت الموتى خلال الفترة المروية (800 ق.م – 350م)، وتوضح طريقة الدفن والفن الجنائزي في تلك الفترة.
واستغرقت عملية الترميم والمسوحات الضوئية (16) عاماً.
وتم العثور على القطعة في نوفمبر من عام 200م، بمقبرة أثرية في مدينة (صادنقا) الواقعة بين الشلالين الثاني والثالث من ضفة النيل اليسرى، وتعود لمملكتي نبتة (750 – 650 ق.م)، ومروي (800 ق.م – 350م)، وتعد أكبر مقبرة محمية.
وقال برونو أوبير، وهو السفير الفرنسي في الخرطوم، خلال حفل التسليم إن “القسم الفرنسي بالهيئة القومية للآثار والمتاحف، أشرف على المسوحات الضوئية على القطعة”.
وتابع “تمت عملية الترميم بمدينة تولوز الفرنسية بورشة (ماتيريا فيفا)، وتعد أول شراكة من نوعها بين فرنسا والسودان للاحتفاظ بنسخة رقمية للقطعة الأثرية”.
من جهته، قال كلود ريلي، وهو رئيس بعثة الآثار الفرنسية السابق، “إن المشروع القطري السوداني لترميم الآثار السودانية تكفل بمبلغ تغليف القطعة ونقلها بين البلدين”.
وأضاف، أن “تاريخ الفترة الزمنية الذي تعود إليه القطعة سيتم إعلانه في القريب، بعد ظهور نتائج فحوصات الكربون، ورجح أن تعود إلى القرن الثاني الميلادي، لكنه قال إن ذلك التاريخ لن يتم تأكيده بصورة علمية إلا بعد ظهور نتائج الفحص”.
وتابع، “هذه ليست القطعة الوحيدة من نفس النوع، فقد عثرت بنفسي على عدد من القطع المشابهة بموقع مقبرة صادنقا”.
وتساءل كلود قائلاً: “هل يوجد مثيل لتلك القطع في مناطق أخرى في السودان؟”، قبل أن يجيب مؤكداً بوجودها، لكنه أشار إلى عدم وجود تقارير واكتشافات غير التي وجدها تشير إلى ذلك.
ووقعت الحكومة السودانية اتفاق تعاون ثقافي وفني مع نظيرتها الفرنسية في عام 1969، ليتم بعدها تأسيس القسم الفرنسي بالهيئة القومية للآثار السودانية في عام 1967، والذي يعمل على التنقيب بصورة رسمية حتى الآن.
ومنذ 2013، تمول قطر مشروع (أهرامات السودان) لحماية الآثار السودانية، بكلفة (135) مليون دولار.
وفي مطلع أبريل الجاري أعلنت الحكومة اكتشاف مقابر أثرية ومقتنيات أخرى بولاية شمال كردفان، تعود إلى فترة العصر الحجري الحديث، الواقع ما بين (9000 ق.م – 4500 ق.م).
كما أعلن أيضاً في 23 فبراير الماضي اكتشاف معبد أثري مكتمل، يرجع تاريخه لأكثر من ألفي عام قبل الميلاد بمنقطة جبل أم علي.
وسبق أن بحث محمد أبو زيد، وهو وزير السياحة والآثار، مع سفير قطر في الخرطوم، راشد بن عبد الرحمن النعيمي، مراحل تنفيذ مشروع ترميم الآثار السودانية، الذي تموله الدوحة.
ومنذ عام 2014 تشهد أعداد السياح في السودان ارتفاعاً، وصلت في عام 2015 إلى (741) ألف سائح، فيما بلغت في 2016 قرابة المليون، وفق إحصائيات حكومية.
وتتوقع وزارة السياحة، أن يتضاعف الرقم إلى مليوني سائح في العام الجاري، بعد توقيع الحكومة السودانية والصينية لاتفاقيات متعددة في نوفمبر الماضي، من بينها اتفاق لتسهيل دخول مليون سائح صيني للسودان في الأشهر المقبلة.
ويستهدف السودان في خطة خمسية معلنة تنتهي في عام 2010 رفع أعداد السياح إلى (5) ملايين سائح.
ووفق مراقبين، فإن القطاع السياحي في السودان بدأ يتعافى بعد أن تضرر من الحروب الأهلية الداخلية، أبرزها في إقليم دارفور الذي يشهد نزاعاً مسلحاً منذ عام 2003.
أكثر من خمسة عقود أمضاها عالم الآثار المخضرم، شارل بوني، في التنقيب عن حضارات السودان التي تعود، على الأقل، إلى ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، غير أنها لا تحظى على المستويين المحلي والدولي، بالاهتمام الذي تتمتع به نظيرتها المصرية.
وخلال مسيرته المهنية التي كرسها للتنقيب في آثار السودان، اكتشف العالم السويسري، قصراً ملكياً، ومعابد، ومقبرة في منطقة الديفوفة الشرقية، دُفن بها ملوك، وأزاحت الستار عن طقوس دفن يعود تاريخها إلى (2500) عام قبل الميلاد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق