الثلاثاء، 14 أكتوبر 2014

الصادق المهدي .. محل تمسي ترسي

التعبير عاليه يقال للرجل الذي يحمل متاعه فوق ظهره ويقطع الدروب دون أن تكون له وجهة محددة فأينما أردكه الليل والظلام توسد متاعه ذاك ونام في مكانه ثم توكل على الله وواصل المسير عند الصباح.
من النقاط القليلة والنادرة التي كنت أتفق فيها مع السيد الصادق المهدي في مجمل مواقفه هو ما كان يقوله عن المحكمة الجنائية في لاهاي والبدائل التي كان يطرحها ولفته الدائم للأنظار إلى أن موضوع المحكمة الجنائية بطريقته التي يطرح بها سيساهم فقط في تعقيد الأزمة السياسية السودانية ويؤخر حلها .. وأن هذه العقدة ستظل عصية على كل حل أو تسوية داخلية، وبغض النظر عن اتفاق واختلاف ألوان الطيف السياسي السوداني معه ولكن يبقي هذا هو رأي الرجل ورؤيته في هذه القضية، وبعيداً حتى عن محور المحكمة الجنائية هذه تعالوا لنتعرف على الطريقة الشديدة التقلب والاضطراب التي تطبع سلوك السياسيين السودانيين في تمسكهم بوجهات نظرهم وتغييرها واستبدالها متى ما حطوا أقدامهم في منطقة جديدة .. وهو تعبير يقوله الأخ ضياء الدين بلال أن السياسي السوداني يغير موقفه على حسب موقعه، وإذا كان المسوغ مقبولاً في القضايا الظرفية التي تحتم على السياسي تغيير موقفه حسب مستجدات المكان والزمان ومتغيراتهما فإن هناك (عظماً) إستراتيجياً في كل مشروع سياسي يجب أن يظل راكزاً في محله لا يتغير ولا ينكسر ولا يجوز النكوص عنه على الإطلاق ولكن يبدو أن الممارسة السياسية في السودان مشحونة ومعبأة بالكثير من عادات المكاواة ومد اللسان وإسالة اللعاب على أطراف القمصان في سبيل البحث عن إغاظة الآخر .. إغاظته فقط.
بحق أدهشتني رسالة التهنئة التي أرسلها السيد الإمام الصادق إلى الرئيس الكيني أوهورو كنياتا الذي قرر طائعاً مختاراً أن يمثل أمام المحكمة الجنائية في لاهاي، الصادق المهدي في رسالته تلك عد خطوة الرجل بمثابة الموقف الشجاع الذي يعترف بالمحكمة الدولية ضامنة للحقوق وضامنة لعدم الإفلات من العقوبة .. ولو قرأ الرجل في أوراقه القديمة لاكتشف أن هذا ليس رأيه فهو أحد الذين يشيرون باستمرار إلى ازدواج معايير العدالة الدولية ويضرب الأمثال في ذلك بالقضية الفلسطينية، لو أن المهدي أعلن موقفه الجديد هذا قبل اختلافه الأخير مع الحكومة لقلنا إنه قد يكون تطور طبيعي في رؤيته وفكرته لمجمل القضية السودانية بما فيها المحكمة الجنائية، أما أن ((يقبل)) الرجل ويلتهم بشراهة كل مواقفه المبدئية المعلنة بسبب تنامي الروح الكيدية الخلافية الظرفية) مع النظام فهذا أمر مدهش لقد قلت هذا من قبل .. فالرجل عندما يريد أن ينتقد رواد العمل المعارض من الخارج يقرأ لهم بتبتل بيت الشعر الشهير (وذو علة يطوف البلاد مستشفياً، وجار له المسيح عيسي أبن مريم)، ولكنه عندما يبرر لخروجه للالتحاق بالعمل المعارض الخارجي يأكل ذاك البيت ثم يخرج من كمه قولاً جديداً (يقضي على المرء في أيام محنته، حتى يري حسناً ما ليس بالحسن)، وهكذا الرجل في حالة نقد وتبرير بلا طائل وبلا جدوى، لأنها كلها معزوفات على الوتر التكتيكي والآني .. أعاننا الله وإياه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق