الأربعاء، 16 أغسطس 2017

جمع السلاح.. بين الواقع المطلوب وتجربة تشاد

اختتم نائب الرئيس حسبو محمد عبد الرحمن زيارته التي شملت كل عواصم ولايات دارفور في مهمة تعد الأصعب لتعلقها بجمع السلاح وتقنين أوضاع العربات التي دخلت دارفور، وجاء تقديرها على لسانه بنحو ستين ألف عربة.
جاءت الزيارة على رأس وفد من اللجنة العليا الخاصة بجمع السلاح والذى ضم نائب رئيس القضاء والنائب العام ومدير عام الجمارك وآخرين.
الزيارة تعد انطلاقاً لصافرة الدور والمهمة التي أوكلت للجنة بوجب قرار رئيس الجمهورية، وهناك ظروف وتداعيات أدت إلى اتخاذ القرار حيث شكل السلاح المتوفر بالأيدي وعربات الدفع الرباعي سهماً كبيرًا في التفلت الأمني والصراعات القبلية والمظاهر السالبة وإظهار الدولة بأنها فاقدة للهيبة والسلطة.
تنزيل إلى أرض الواقع
نائب الرئيس جلس بالولايات الخمس إلى لجان الأمن والحكومات الولائية والأجهزة التشريعية والأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والإدارات الأهلية ليسمعها القرارات الجديدة وتنزيلها إلى أرض الواقع بلا تراخٍ أو تهاون، وليسمع منها رؤيتها ورؤاها مؤكداً أن الدولة ماضية في جمع السلاح ولو غلا الثمن مع إعادة النظر في قوات الدعم السريع والدفاع الشعبي وحرس الحدود، مشيرًا إلى الصلاحيات الواسعة التي منحت للجنة.
بالولايات الخمس، أكد حسبو على أهمية وضرورة جمع السلاح حتى سلاح القوات النظامية يكون بالمستودعات ولا يتم إخراجه إلا بأمر أو مهمة مع تعديل هيكلة قوات الدعم السريع وحرس الحدود والدفاع الشعبى.
وتطابق الحديث بالولايات الخمس بأن ليس هناك تحنيس أو توسل بل سيتم الأمر بالعين الحمرة وفوراً مشدداً أن أي معترض سيجد طريقه إلى سجون حلفا وبورتسودان، والدولة منوط بها دور التأمين وتنفيذ الخطة الأمنية إنهاءً للمظاهر السالبة بسبب وجود السلاح خارج الأطر، حاثاً رجالات الأدارة الأهلية للعب الدور الكبير والطليعي في هذه العملية باعتبارهم رأس الرمح وسط قبائلهم وأفرادهم، وهدد حسبو بفصل وإبعاد كل من يعجز عن القيام بدوره مشيرًا أن وجود السلاح بالأيدي أفقد رجالات الإدارة الأهلية هيبتهم بعدم انصياع حاملي السلاح لتوجيهاتهم وتخطي كل قراراتهم مما جعل أوضاعهم مهزوزة في أوساط القبائل.
ووعد في سياق حديثه بالرؤية الجديدة التي تضعها الدولة لرجل الإدارة حتى يتمكن من تنفيذ مهامه بالصورة المطلوبة بتخصيص الرواتب والامتيازات الأخرى كحقوق وليست عطية مزين كما هو معمول به الآن .
الإدارات الأهلية في الواجهة
وأشار حسبو في لقاءاته إلى أن الدولة ماضية في تنفيذ قراراتها وطالب المجالس التشريعية بالتعاون لإنزال خطة جمع السلاح، ولابد من فرض الهيبة وسيادة حكم القانون منوهاً إلى قيام محاكم خاصة لهذا الأمر، وعدّ جريمة حمل السلاح كجريمة الإرهاب والمخدرات، وأن العقوبة تصل إلى الإعدام في بعض درجاتها، وأشار إلى رفض الدية وأن القصاص هو السبيل الوحيد لنزع فتيل الحروب والصراعات القبلية والتفلت الأمني، مؤكدًا على رفع الحصانات بحكم الطوارئ وليست هناك أدنى فرصة للمجاملة في تنفيذ القرار وإنزاله لأرض الواقع، وجاء في حديثه أن السلاح والعربات غير المقننة مهدد أمني واقتصادي ينخر في عصب واقتصاد البلاد، بل هي المساهم الأول في تأجيج نار الصراعات والتفلت وصار التباهي بين القبائل والمجموعات بما تملك من عدة وعتات حربي الممثل في الدوشكا وعربات الدفع الرباعي، وأكد على تزايد حدة الصراعات وسقوط الضحايا بخروج الفزع المشترك والقبلي الذي سيتم إيقافه تماماً، وأن الدولة قادرة على تأمين أوضاع المواطنين وممتلكاتهم وما على رجل الإدارة الأهلية إلا تبليغ الجهات النظامية التي ستقوم بدورها الكامل.
"بوكو حرام" سرطان آخر
وحول أوضاع العربات، قال حسبو في مجمل أحاديثه إنهم رصدوا نحو ستين ألف عربة دخلت البلاد بطرق غير شرعية، وفي وقت قريب من دولة ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وأنها تساهم مساهمة كبيرة في تأجيج الصراعات بل عدها هي نفسها وسيلة قاتلة وسلاحاً فتاكاً من جهة أنها أضرت باقتصاد الدولة وبعضها خلفه بلاغات دولية، حيث تم ارتكاب جرائم بها في دول كروسيا وإيطاليا وهولندا، وأكد العزم على منع عربات الدفع الرباعي، مشيرًا أن هناك 450 عربة مسجلة بجنوب دارفور، سيتم سحبها وتعويض أصحابها ومنح أصحاب العربات المحصورة والمسجلة عشرة أيام لتوفيق أوضاعهم وأن الحملات ستطال البيوت والمحلات ومصادرة أي عربة غير مقننة .
لقاءات نائب الرئيس وجدت قبولاً كبيراً في كل الأوساط لما باتت تشكله العربات والأسلحة من خطورة على الحياة العامة والأفراد والممتلكات، وصلت إلى الاختطاف والمساومة على دفع المبالغ الطائلة لفك المختطف، وهي صورة سالبة أظهرت ضعف الدولة وفقدان هيبتها، بل الأمر طال حتى التعدي على قاعات المحاكم وسحب المتهمين في جرائم من أمام القضاة، وتكررت حالات التهجم على نقاط الشرطة وإخراج الموالين بالقوة وتحت تهديد السلاح.
التجاوب الكبير من قبل قطاعات المجتمع والإدارات الأهلية بالإقليم يحتاج إلى وقفة صلبة من الدولة لتنفيذ هذا القرار بالسرعة المطلوبة، وأشار نائب الرئيس لمباشرة جمع السلاح فوراً، وتساؤلات عديدة تنطلق من هنا وهناك فبجانب التأمين المطلق على القرارات تتساءل الأصوات عن الضمانات المرصودة والموجودة على الأرض حالياً لتطبيق القرار، وما هي الجوانب التي شرعت فيها الدولة لبسط هيبة الدولة وتأمين الأفراد والجماعات والممتلكات، خاصة في المناطق النائية من رئاسة الولايات والمحليات، وهل للدولة قوات ضاربة جاهزة يمكنها من تعقب الجناة والوصول إليهم خلال وقت وجيز قبل إفلاتهم بما حملوا وغنموا، ومن ثم لن تكون هناك حاجة فعلية للفزع الأهلي والقبلي، تساؤل آخر فبذات القدر الذي رصدت به الدولة دخول أكثر من ستين ألف عربة من خارج الحدود، فهل غاب عنها رصد ومعرفة كم ونوع أماكن السلاح وتواجده .
لقاء المكاشفة
الإدارات الأهلية بجنوب دارفور اتسقت رؤاها مع جمع السلاح وتقنين العربات، وتساءلت على لسان الناظر محمد يعقوب من الترجم والناظر التجاني عبد القادر من المسيرية والشرتاي إبراهيم عبد الله من المقدومية والعمدة أحمد التيجانى أبو سعدية بتساؤلات مشروعة في مثل هكذا طرح عن الضمانات وعن السلاح المتوفر بالجهات شبه النظامية ماذا فعلت أو تفعل فيه الدولة، ونادت بضرورة الحياد في تنفيذ القرار، وتمتين وتمكين رجالات الإدارة الأهلية حتى تتمكن من تنفيذ مهامها مع الإشارة إلى ضعف نقاط ومراكز الشرطة بالمحليات من حيث وسائل الحركة وأعداد الأفراد وضرورة تمكين النقاط ومراكز الشرطة .
الشارع العام بدارفور وجدت القرارات صدى واسعاص فيه أثلجت صدره وأزاحت عن النفوس الكثير من الهواجس والمخاوف والظنون، ويقيني أن الكرة الآن في ملعب الدولة ، فهل تتمكن من تسديد الرميات والضربات حتى تخترق الشباك المنصوبة، وهنا أعني بشباك المنتفعين والمتاجرين بأرواح المساكين وبعضهم وجد طريقه إلى كراسي السلطة بحكم المحاصصات والتنازلات والترضيات والمعادلات التي اتبعتها الدولة ولا زالت في توزيع المواقع أو إرضاء بعض الأطراف او اختراق مجموعات، هذه واحدة من الصور السالبة التي مورست وتمارس.
أخيراً وليس آخراً
جمع السلاح يحتاج إلى قرار وإلى شجاعة لتنفيذه، الآن جاء القرار، ولكن هل تجد الدولة الشجاعة الكافية في تنزيل كل ما قالت لأرض الواقع، وقد أشارت إلى الجهات التي تمتلك السلاح وضرورة إعادة هيكلتها والجارة تشاد ليست ببعيدة عنا فهل تستطيع الدولة اتباع ذات النهج الذي فرغت به دولة تشاد حدودها من أي مظهر سالب يخصم من الدولة هيبتها وسلطاتها ويرسي كل دعائم الأمن والاستقرار؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق