الخميس، 3 أغسطس 2017

“التقصي حول الحقائق”

في عهد التركية السابقة غزا القائد السوداني الشهير (الزبير باشا رحمة) سلطنة الفور، وضمها إلى الخديوية المصرية، واستمر هذا حتى قيام الثورة المهدية (1881م – 1889م) ومن هنا بدأت علاقة مصر بدارفور، وبعدها عادت السيطرة الإنجليزية المصرية على المنطقة في أعقاب سقوط أم درمان على يد الغزاة في العام 1989م وبعدها أصبح علي دينار سلطاناً على دارفور بموافقة السردار لورد كيتشنر، وارتبطت مصر بدارفور، من خلال الغزو الوقائي الذي قامت به لسلطنة دارفور التي كان يتزعمها السلطان علي دينار مع حلفائها الإنجليز، والعملية تمت في إطار غزو السودان الذي كان يقع تحت الإدارة الإنجليزية المصرية، وبحلول شهر نوفمبر من العام 1916م أصبحت دارفور ولاية سودانية، بعد أن حسمت القوات الأنجلومصرية الغازية المعركة، وقتلت السلطان علي دينار على تخوم جبل مرة، ولكن يبدو أن المصريين بعد قرن من الزمان، لازالوا يحلمون بغزو دارفور عبر دعمهم للحركات المسلحة الدارفورية، وظهر ذلك الأمر بوضوح من خلال المعارك الأخيرة التي دارت بين الحكومة ومسلحي دارفور في ولايتي شرق وشمال دارفور، والتي أسفرت عن ضبط مدرعات مصرية كان يستخدمها المتمردون الذين قاموا بشن هجمات على الولايتين بعد دخولهم بمحورين من ليبيا ودولة جنوب السودان.
المدرعات المصرية!
وكان المشير عمر البشير رئيس الجمهورية، أعلن عقب المعارك الأخيرة التي شهدتها ولايتا شمال وشرق دارفور أن القوات المسلحة السودانية استلمت عربات ومدرعات مصرية كانت بحوزة مسلحي دارفور خلال تلك المعارك، وقال البشير وقتها: “إن القوات المسلحة استلمت عربات ومدرعات للأسف مصرية” وعلى الرغم من توتر العلاقات بين البلدين، ولكن هذه هي المرة الأولى التي تتهم فيها الخرطوم، صراحة، القاهرة بدعم متمردي دارفور، وقال البشير في حديثه أمام قدامى المحاربين “المصريين حاربنا معهم منذ العام 1967م وظللنا نحارب (ضد المتمردين) لمدة 20 عاما ولم يدعمونا بطلقة، والذخائر التي اشتريناها منهم كانت فاسدة”.
وقبل يوم من حديث البشير، اتهم الدكتور أمين حسن عمر مفوض رئيس الجمهورية للاتصال والتفاوض مع حركات دارفور المسلحة، اتهم مصر تلميحا، بدعم الهجوم الأخير الذي شنه المتمردون على دارفور وقال أمين: “من المعلوم أن مصر تدعم ليبيا عسكرياً بجانب الجنوب وإذا سئلت واتهمت بدعمها للمعارضة المسلحة تُجيب بأنها دعمت فعليا ليبيا والجنوب بالسلاح ولكن إذا تسرب السلاح إلى جهة أخرى فإنها غير مسؤولة” وتابع قائلا: “المبررات من حيث الشكل لا غبار عليها إلا أن صاحب العقل يُميز”.
وصول فريق التقصي!
وفي سياق تطور القضية وصل مدينة (الفاشر) حاضرة ولاية شمال دارفور، في الأول من أغسطس الجاري، فريق من خبراء لجنة الأمم المتحدة الخاصة بحظر الأسلحة، للوقوف على الأوضاع عقب الهجمات التي وقعت في الإقليم خلال مايو الماضي، والتقصي حول تورط جهات دولية فيه ومعرفة أنواع الأسلحة والآليات التي تم ضبطها، وقال منسق الفريق المكون من خمسة خبراء، إنهم وصلوا دارفور لمراقبة التقدم المحرز في العملية السلمية، ومراقبة الأسلحة والمعوقات ومعرفة الوضع السياسي، ومتابعة قضايا حقوق الإنسان، وأسماء القادة المتورطين في الهجوم الأخير على أجزاء من الولاية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أكد منسق فريق الخبراء أن زيارتهم الهدف منها الحصول على معلومات حول تورط جهات دولية، أو متمردين في أحداث وادي هور بغرض تضمينها في تقارير اللجنة الدورية التي ترفع للأمم المتحدة، دعما لجهود السودان في إحلال السلام الشامل وإنهاء الحرب الدائرة في دارفور، وأشار إلى أن اللجنة الدولية التي يتكون من (5) خبراء تُعنى بمتابعة عملية حظر الأسلحة والتقدم في الوضع الأمني بالمنطقة وحقوق الإنسان.
وعقد فريق الخبراء، اجتماعاً مشتركاً مع والي شمال دارفور بالإنابة، ووزير الزراعة والثروة الحيوانية، ولجنة أمن الولاية والأجهزة العدلية، ومدير إدارة السلام بوزارة الخارجية، وبحث الاجتماع جهود الحكومة لتحسين الوضع الأمني، ودعا محمد بريمة حسب النبي نائب والي شمال دارفور لجنة الخبراء للمساهمة في دعم الجهود الرسمية ومنع الدعم الخارجي للحركات المتمردة، كما قدم تنويراً للوفد حول جهود مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر.
ورد بريمة على تساؤلات اللجنة حول الأحداث الأخيرة بالتي شهدتها منطقة (وادي هور) وأكد امتلاكهم المستندات والوثائق التي تؤكد تورط جهات دولية في دعم الحركات بالسلاح والذخائر والعربات المدرعة، واستخدامها لنسف الأمن وزعزعة استقرار دارفور، وأوضح بريمة في تصريحات صحفية أن الوفد سيقف ميدانيا علي الاسلحة والمعدات التي تم ضبطها بواسطة القوات المسلحة من المتمردين في معارك (وادي هور) الأخيرة وتقديم تقارير حولها للأمم المتحدة، وأحاط بريمة اللجنة بقرار الحكومة القاضي بتكوين لجنة قومية لجمع السلاح من دارفور، وتقنين السلاح، مؤكدا أنها ستبدأ نشاطها قريباً، وحث الفريق الأممي على دعم فرق جمع السلاح فنياً ولوجستياً.
فقدت خط إمدادها الأساسي!
وبالعودة للوراء، نجد أن الحركات المسلحة الدارفورية، كانت في السابق تتلقى دعمها وإمدادها الأساسي من دولة تشاد إبان توتر العلاقات السودانية التشادية، ووقتها كانت حكومة كل دولة تدعم معارضة الدولة الأخرى بغرض إطاحتها، ولكن بمجرد أن تحسنت العلاقات السودانية التشادية انكسرت شوكة الحركات المسلحة الدارفورية، لأنها فقدت خط إمدادها الأساسي، كما أن التداخل الإثني الكبير بين السودان وتشاد كان له دور مهم في دعم الحركات المسلحة.
وبعد أن عاد الصفاء بين الخرطوم وإنجمينا، بسبب طرد إدريس ديبي الرئيس التشادي لحركة العدل والمساواة السودانية من أراضيه، اتجه قادة الحركات المسلحة صوب جوبا وطرابلس وهناك نجحوا في تأسيس مكاتب لهم في دولتي جنوب السودان وليبيا، بجانب فتح معسكرات لتدريب قواتهما هناك، وظلت حركة العدل والمساوة السودانية منذ ذلك الوقت تقف بجانب العقيد معمر القذافي إلى أن أطاحته الثورة وقتلته.
وبعد رحيل القذافي نفذت الحركة عملية أطلقت عليها (قفزة الصحراء) ودخلت من خلال بكامل قواتها وعتادها العسكري إلى الأراضي السودانية، وعبرت بعدها إلى دولة جنوب السودان، والتي دعمتها بالسلاح والعتاد وساعدتها في احتلال منطقة هجليج الغنية بالنفط، ومنذ ذلك الوقت ظل ارتباط حركة العدل والمساواة وثيقا بدولتي ليبيا وجنوب السودان إلى يومنا هذا.
وعلى الرغم من الدعم العسكري الكبير الذي كانت الحركات المسلحة تحظى به من قبل الراحل العقيد معمر القذافي الرئيس الليبي، إلا أنها فشلت في توظيف ذلك الدعم بالشكل المطلوب، ويعود ذلك إلى مساحة الصحراء الشاسعة التي تتمدد على الحدود السودانية الليبية، وهو الأمر الذي جعل من الصعب أن تكون ليبيا خط إمداد بالنسبة للحركات المسلحة.
وعلى صعيد حركة تحرير السودان بقيادة مناوي، فإن علاقتها بدولتي ليبيا وجنوب السودان تبدو أقل متانة، ولكنها في ما بعد قويت، بسبب نجاح رئيسها مني أركو مناوي في إحداث اختراق كبير في علاقته مع حكومة جنوب السودان، واللواء خليفة حفتر، والذي ظلت قوات مناوي تقف معه في صراعه ضد بعض الفصائل الليبية.
عامل جديد فى الصراع!
وحتى وقت قريب كان البعض ينظرون للدعم الواضح الذي ظلت تتلقاه حركتا العدل والمساواة وتحرير السودان بقيادة مناوي من دولتي الجنوب وليبيا على أنه أمر طبيعي، ولكن العامل الجديد الذي دخل في حلبة الصراع، وربما يشكل خطرا كبيرا على الحكومة السودانية هو دعم الحكومة المصرية لحركة تحرير السودان بقيادة مناوي بالسلاح والعتاد الحربي، الأمر ذاته ينظر له البعض بأنه ربما يفتح للحركة نفاجا مع بعض الدول الكبرى عبر علاقتها الجديدة مع مصر، وهنا تكمن خطورة الأمر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق