الأحد، 21 مايو 2017

السودان والتحول التاريخي الكبير!

المراقب الموضوعي المنصف لابد ان يقرر بارتياح ان السودان قد حظي بالفعل بخطوات استراتيجية ضخمة نحو توحيد الارادة السياسية الوطنية، و تثبيت دعائم المشتركات و تقوية اعمدة الاتقاء و التوافق.
نظرة فاحصة الى الحكومة الوفاقية الجديدة و التى ضمت 31 وزيراً مركزياً و 42 ووزير دولة -على المستوى المركزي الاتحادي- تعطيك قراءة سياسية استراتيجية عن الدرجة التى وصلها الساسة والسودانيون فى تأليف قلوبهم السياسية وتقارب رؤاهم و توافقهم.
أولاً، التشكيل الجديد أولى اهتماماً ايجابياً معتبراً لاقليم دارفور. الامر هنا لا يتصل فقط بالتمثيل الرمزي، الحكومة اعطت اقليم دارفور ثلث التشكيلة الحكومية تقريباً، إذ ان بها 9 وزراء مركزيين ، و 9 وزراء دولة، اضافة الى (نائب الرئيس).
إذن من الناحية الاستراتيجية فإن اقليم دارفور يتفوق فى السلطة المركزية على كل اقاليم السودان الاخرى، وهذه تعني ان اقليم دارفور (موضع رضاء واتفاق سياسي كبير) بين كافة المكونات السياسية السودانية فقد تم منحه ما يمكن ان نصفه بـ(التمييز الايجابي) حتى يعاد ترميم بناؤه السياسي ضمن البناء الوطني العام و ينعدل ميزانه السياسي على النحو قاطع وليس مثار جدل بين المكونات السياسية السودانية.
ثانياً، التشكيل الحكومي –ولأول مرة فى التاريخ السياسي الحديث للسودان– أجرى عملية موازنة دقيقة وموضوعية للجغرافيا السياسية والاطراف و ما يعرف بالهامش، و المناطق المختلفة، بحيث توزعت السلطة فعلاً على الجغرافية السياسية السودانية بقدر كبير من العدالة و التوازن. ومما لا شك فيه انه حتى ولو لم يكن مهماً تمثيل الكل في السلطة الحكومية، فإن المهم ان يتضامن جميع هؤلاء بمختلف منطلقاتهم و مناطقهم على تأسيس وبناء دولة سودانية حديثة.
الامر نا يأخذ أهميته القصوى من واقع حاجة المجتمع السوداني الذي عانى من الحروب و الانقسامات الى التئام شمله الوطني، الى تواثقه على (برنامج وطني) نابع من رؤاه الخاصة التى طرحها فى مشروع الحوار الوطني ووردت فى الوثيقة الوطنية، هذه في حد ذاتها ومهما كابر البعض بمثابة ثمار إستراتيجية نقلت المجتمع السوداني من مجتمع منقسم متشاكس الى مجتمع قادر على الفعل السياسي بروح الفريق.
ثالثاً ، اذا نظرت الى الجهاز التنفيذي (مجلس الوزراء) ترى كل المكونات السياسية وكل المكونات المناطقية ، الوسط والاطراف، الشرق و الشمال و الغرب و الجنوب ممثلاً بطريقة او بأخرى، بنسبة او بأخرى فى منضدة المجلس.
لا يستطيع احد ان يدعي مطلقاً ان هذه (التوليفة) التاريخية النادرة حدثت من قبل ولهذا فإن التأخير الي لازم عملية التشكيل تأخير مبرر، بل هو تأخير مطلوب طالما أنه كان يتقصى و يتفحص فى توسعة الماعون السياسي، وخلق نقطة تلاقي مركزية يلتقي حولها السودانيون و لن نغالي ان قلنا ان الحكومة الانتقالية التى عرفها السودان من قبل لم تبلغ قط لا من قريب و لا من بعيد هذا التمثيل الجغرافي و الماعون السياسي الواسع.
رابعاً بنظرة الى الهيئة التشريعية القومية ايضاً (البرلمان ومجلس الولايات) سوف تجد تراجي مصطفى غير المنتمية، وحسن رزق (الاصلاح) و كمال عمر (الشعبي) و أحزاب الامة و الاتحادي بمسمياتها المختلفة و حركات مسلحة من العدل والمساواة و التحرير (جناح مناوي) و جناح عبد الواحد، في البرلمان تجد تطبيقاً سياسياً مثالياً قل ان يلتئم على هذا النحو.
إذن هي مرحلة تحول استراتيجي كبير لم يعرف له السودان مثيلاً، لا أحد الآن اذا خاض عملية تفاوضية يستطيع الزعم انه يفاوض المؤتمر الوطني ولا أحد يمكنه ان يدعي الآن ان السودان يسيطر عليه حزب واحد و الاهم من كل ذلك ان مهمة أي حركة مسلحة او حزب سياسي يريد التفاوض سوف تكون صعبة، لان الحكومة التى تفاوضه الآن حكومة تتمتع بقاعدة شعبية واسعة و تمثل السودان شبراً شبراً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق