الأحد، 2 أبريل 2017

حكومة كفاءات أم ترضيات؟

هل في تأخر الإعلان عن التشكيل الوزاري للحكومة السودانية الجديدة، لأكثر من ثلاثة أشهر حسب الموعد الذي ضربته توصيات مؤتمر الحوار الوطني، ونحو شهر بعد تسمية الفريق أول بكري حسن صالح رئيساً لمجلس وزرائها، دلالة على التفاؤل بأن
السودانيين سيكونون على موعد أخيراً مع حكومة جديدة يتم تمحيصها على نار هادئة ترتكز على معايير الكفاءة والجدارة والاستقامة تبعث على الأمل، أم أن التأخير باعث على التشاؤم برؤية تغيير جدي مرده صعوبة معادلات تقسيم "كيكة صغيرة على أيدي كثير" بتعبير رئيس الجمهورية وهو يشير إلى مسألة تأمين مقاعد في السلطة لكل المشاركين في الحوار.
لا شك أن رئيس الوزراء الجديد يواجه امتحاناً صعباً يضع فرص نجاح مهمته الصعبة على المحك، ذلك أن تعيينه حظي باستقبال واسع من الرضا تجاوز مجرد القبول إلى تعويل كبير عليه في تحمل المسؤولية والقيام بالواجب، ولعلها من المرات النادرة التي يلقى فيها تعيين مسؤول رفيع المقام في عهد الإنقاذ مثل هذا الترحيب الحار، ليس ذلك فحسب بل وجود شخصية لا تزال قادرة على إنعاش النفوس بشيء من الأمل، ومن المؤكد أن هذا الرأي الغالب لم يأتِ من فراغ أو حدث اعتباطاً، ففي سيرة الرجل في العمل العام ما يشفع له، بلا حاجة لمجاملات لا يسندها واقع، ولعل الرئيس البشير لم يواجه صعوبة في اختياره الموفق لهذه المهمة من واقع تجربة ومعايشة دامت لعقود.
وثمة اعتبارات موضوعية تجعل لاختيار الفريق أول بكري رسالة ذات معنى في هذا التوقيت تحديداً تجاوز الاعتبارات الذاتية سواء بمعايير الكفاءة أو لاعتبارات طبيعة المرحلة، فهي مرحلة انتقال لوضع أسس جديدة للدولة السودانية وإن لم يطلق عليها هذا الاسم الذي طالما دعت له المعارضة، فالعبرة ليست بالتسمية ولكن بطبيعة الأجندة التي تنهض لها الحكومة الجديدة.
والبناء السليم لدولة راشدة لا يمكن إلا أن يستند على دستور يكفل قيم العدل والحرية والمساواة، ودولة قانون عادل محقق لمقتضى أهداف الدستور، يحققها واقعاً، ولا يلتف عليها بأي حجج أو مبررات تفرغ الحقوق الدستورية من معانيها ومضامينها الحقيقية. ولكن مع هذه التعهدات المعلنة والالتزامات السابقة بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، إلا أن الواقع يشهد بغير ذلك، والتعديلات الدستورية المطلوبة لا تزال تخضع لحسابات ضيقة ولمناورات تعمل على تبديدها من قبل منسوبي الحزب الحاكم نفسه الذي ألزم نفسه بها.
ولذلك فإنه لا يمكن لرئيس الحكومة الجديدة المعوّل عليها ابتدار الانتقال إلى دولة القانون والمؤسسات إلا أن يجعل مسألة توفر الإطار الدستوري السليم حاضرة في أجندته بقوة حتى يكتسب برنامج إصلاح الدولة مرجعية دستورية حقيقية تحصّنه من تغول السلطات التنفيذية أو تدخلات ذوي النفوذ فيغدو بلا معنى. ولذلك يلزم رئيس الوزراء أن يضع بصمته في معركة التعديلات الدستورية وألا يعتبرها جدلاً انصرافياً عن مهمته الأكثر إلحاحاً، ذلك أن كل أجندته الأخرى ومساعيه سواء لإصلاح حال الاقتصاد ومعالجة معاش الناس، وتحقيق السلام والأمن، وإدارة الشأن العام بكفاءة وفاعلية لا تتحقق في فراغ، ولا تكتسب الاستدامة بغير توفر مرجعية دستورية حاكمة لقواعد بناء الدولة السودانية المنشودة.
المأزق الآخر الذي يواجه رئيس مجلس الوزراء في تشكيل فريقه الحكومي يأتي من بدعة المحاصصة بدعوى تمثيل أكبر قدر من القوى السياسية المتحالفة أو المشاركة في الحوار الوطني، ولعل أكبر هزيمة لفكرة ومغزى الحوار تبرز من بين هذا التوجه المعيب، لقد زعم الجميع أن الغرض من الحوار الوطني كان التوافق على أسس لكيف يحكم السودان، وللتواضع على دستور وحياة سياسية حرة تضمن التنافس الحر لحين بقيام الانتخابات المقبلة في 2020 ليختار المواطنون من يحكمهم بإرادة حرة.
ولكن للأسف فقد هزمت بروق الطمع في السلطة وامتيازاتها الجميع، وسرعان ما تناسوا تلك المزاعم الكبيرة، ليتكالب طلاب السلطة على "كيكة صغيرة تتزاحم عليها أيدٍ كثيرة" في وصف الرئيس البشير الذي يغني عن المزيد، ولئن تبددت الآمال في الحكومة الجديدة فلن يكون ذلك إلا بفعل تحكم عقلية المحاصصة السائدة، لقد ظلت سلطة الإنقاذ تجرب معادلات المحاصصة هذه على مدار العقود الثلاثة الماضية مع أغلب خصومها، ولو كان في ذلك نفع للبلاد لعلمه الناس، ولما بلغ بنا الحال ما نعايشه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق