الأربعاء، 1 يونيو 2016

مذكرة الشخصيات القومية .. أين يمكن الخلل؟

المذكرة التى تقدم بها حوالي 52 شخصاً قالوا إنهم من الشخصيات القومية مطالبين فيها الرئيس البشير، بتشكيل حكومة تكنوقراط لفترة انتقالية ومن ثم إجراء انتخابات عامة وفق ما أوردته بعض وسائل الاعلام السودانية؛ هذه المذكرة وبعيداً جداً عن
رأي الرئاسة السودانية أو حزب المؤتمر الوطني أو أي جهة سياسية أخرى أحدثت -بغير أدنى ضرورة- إرتباكاً غير محمود في ساحة السياسة السودانية والتي هي نفسها بالكاد تسعى للتعافي من تعقيدات الراهن السياسي المتشعبة.
 الرئاسة السودانية وبما عرف عنها من تأني وحكمة وبعد نظر خاصة وأنها هي الجهة التى بادرت من الأساس بتحريك الساحة السودانية عبر مشروع الحوار الوطني وما عرف بالوثبة (يناير 2014) لم تتسرع في إبداء رأيها في المذكرة حتى الآن ولكن من الناحية الموضوعية المجردة، فإن المذكرة من الناحية الشكلية والإجرائية على الأقل ناهيك عن الموضوع والمحتوى لم تكن موفقة بحال من الأحوال.
 من جهة أولى فإن الذين تقدموا بالمذكرة -وهم شخصيات قومية- وكما تبين بعضهم كان جزءاً لا يتجزأ من عملية الحوار ومداولاته التى إمتدت لأكثر من عام ونيف، وبعضهم كان متاحاً أمامه المشاركة في العملية وإبداء رأيه . فبالنسبة للذين كانوا جزء من عملية الحوار فإن خطأهم في تقديم مذكرة بعد انقضاء عملية الحوار وتلخيص آرائهم ورفع المخرجات واضح لا يحتاج لإبانة، فقد كان بوسعهم تقديم آرائهم داخل قاعات الحوار وهو أمر بديهي للغاية ولا ضرورة للإسترسال فيه.
 وبالنسبة للذين لم يكونوا ضمن عملية الحوار –فإن الخيار في المشاركة في الحوار كان متاحاً لهم وإذا فاتهم ذلك -لسبب أو لآخر- فإن الشيء الطبيعي المتوقع هو أن يرتضوا بآراء ومخرجات الذين شاركوا. ومن جهة ثانية فإن الذين شاركوا في عملية الحوار ومع ذلك تقدموا بهذه المذكرة، أعطوا لأنفسهم -دون وجه حق- الحق في إبداء الرأي مرتين! مرة في مداولات الحوار، ومرة أخرى بإتخاذهم لهذا الطريق المنفصل تماماً عن المسار المقرر لعملية الحوار وهو أمر يخل بمقتضيات العدالة إذا لا يمكنك أن تمارس الحق المكفول لك بقدر أكبر من الآخرين، فإذا كان الجميع يسعى لترسيخ قيم العدالة والتساوي في الحقوق والواجبات -وهو أحد أهم أهداف عملية الحوار- فكيف لهؤلاء الذين قدموا هذه الحركة يبيحوا لأنفسهم الحق في نيل حقوق تفضيلية يميزون فيها بين أنفسهم و بين الآخرين؟ أليس في ذلك إخلال بمبدأ المساواة نفسه؟
 ومن جهة ثالثة فإن المذكرة في حد ذاتها وبصرف النظر عما حوته رسخت انطباعاً مؤسفاً بحق، أن عملية الحوار لم تكن كافية ومشبعة أو أنها غير حقيقية بدليل أن بعض الموقعين على المذكرة كانوا مشاركين في عملية الحوار؛ ما الذي يعنيه تقديمهم لمذكرة (إضافية) بعدد معين من الأشخاص إذا كان الحوار قد لبى وغطى كل الموضوعات المطروحة؟ لقد كانت الأمانة تقتضي من بعض الموقعين أن يلتزموا بمخرجات الحوار (كيفما كانت) طالما أنهم  شاركوا فيه بدلاً من إعطاء هذا الانطباع السالب.
ومن جهة رابعة –وهذا هو الأسوأ– فإن المذكرة فتحت الباب (لمن يرغب) لكي يصوغ مذكرة مشابهة ويقدمها للرئاسة إذا ما الذي يمنع (شخصيات قومية أخرى) بذات قدر الذين قدموا مذكرتهم هذه، أن يقدموا مذكرة أخرى بمطالب مختلفة أو معاكسة لمذكرة الشخصيات هذه؟ فإذا كان مقبولاً بعد انفضاض مداولات الحوار إلحاق المخرجات بمذكرة أخرى منفصلة فإن من الصعب منح هذا الحق لأشخاص وحجبه عن أشخاص آخرين وبذا تصبح عملية الحوار قد تم إفراغها من مضمونها تماماً عن طريق الطعن غير المباشر في مخرجات الحوار باتخاذ طريق المذكرات!
وعلى ذلك فإن تسلم رئاسة الجمهورية للمذكرة لا يعني بالضرورة قبولها شكلاً ومحتوى، وليس صحيحاً على الإطلاق أن من المفروض قبول المذكرة، إذ أن قبولها كما أسلفنا يستلزم قبول مذكرات أخرى من شخصيات أخرى شاركت في الحوار أو لم تشارك، وإذا تم إفساح المجال لأمر هذا فإن سيل المذكرات لن يتوقف وسيجد الذين شاركوا في الحوار وتكبدوا عناء التداول لأشهر طوال إن سيل المذكرات قد غطى تماماً على مداولاتهم، ولا نعتقد أن هذا يصب في مصلحة عملية الوفاق الوطني وحلحلة الأزمة السودانية بكاملها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق