الاثنين، 4 ديسمبر 2017

فتح الأفق بأمر الزعيمين

الاستقرار السياسي والأمني، يمثل العنوان الأبرز لفترة حكم الرئيس التشادي، إدريس ديبي إتنو، والتي بدأت في العام 1990، وشهدت إجازة أول دستور دائم للبلاد في العام 1996، وتبني نظام التعددية السياسية للمرة الأولى في تاريخ تشاد، بالإضافة إلى جهود حثيثة قادتها الحكومة لإرساء مبدأ المصالحة الوطنية، لدعم السلام في بلاد عانت ويلات الحروب سنين عدداً، أما بالنسبة إلى الجار الشرقي السودان، فقد تمثل الإنجاز الأبرز في القضاء على حالة التوتر التي سادت العلاقة بين البلدين، ورفع مستوى التعاون الأمني إلى درجة تكوين قوات مشتركة، تتولى ضبط الحدود، والقضاء على التفلتات الأمنية، بخلاف التعاون في ملفات عديدة، أبرزها التجاري، الذي شهد تفعيل تجارة الحدود بين البلدين، وتخصيص جزء من ميناء بورتسودان لاستقبال الواردات التشادية، وتعزيز أواصر الصداقة والتعاون التجاري والأمني والسياسي والاجتماعي، برعاية شخصية من الرئيسين عمر البشير وإدريس ديبي.
زيارة الرئيس البشير الأخيرة إلى تشاد، والتي اختتمت صباح أمس، أتت تلبية لدعوة كريمة من شقيقه إدريس ديبي إتنو، للمشاركة في احتفالات الحركة الوطنية للإنقاذ باليوم الوطني للسلام، والذي يصادف اليوم الذي دخلت فيه قوات الجبهة العاصمة التشادية إنجمينا في العام 1990، لتنهي فترة حكم الدكتاتور حسين هبري، وتؤسس أول نظام سياسي مستقر في البلاد، وقد حرص البشير على تلبية الدعوة، وشارك فيها بوفدٍ على مستوًى عالٍ، وشهد الاحتفال الذي أقيم في ساحة الحرية بالعاصمة إنجمينا، قبل أن ينخرط في مباحثات مطولة مع نظيره التشادي، استغرقت ساعاتٍ طويلةً، شهدت مناقشة كل الملفات المهمة في مسيرة العلاقات الأخوية المميزة التي تربط السودان بتشاد.
خلال اللقاء أكد البشير وشقيقه إدريس ديبي عمق وتميز العلاقات ورغبتهما في تعزيزها وتطويرها لمصلحة البلدين الشقيقين، وشدد الرئيسان في ختام محادثاتهما على أهمية التنسيق بين الدولتين، وتعزيز إمكانات القوات السودانية التشادية المشتركة لمواجهة التحديات الإقليمية، ومعالجة حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي في ليبيا وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان، ومناهضة أنشطة جماعة بوكو حرام في غرب إفريقيا، والتي تشكل تهديداً حقيقياً لأمن البلدين والإقليم ككل، وأكد البشير أن السودان وتشاد قدما نموذجاً متميزاً للتعاون العسكري والأمني، تمثل في إنشاء القوات المشتركة لتأمين الحدود، وأمن الرئيسان على بقاء تلك القوات، وتعزيز قدراتها، وتحويلها إلى عنصر تنمية وخدمات وعلاقات تجارية وثقافية، بعد أن أفلحت في أداء دورها الأساسي، وبسطت الأمن على الحدود بنسبةٍ كبيرة، وتم التأكيد على تحويلها إلى عنصر تنمية، بحفر الآبار وبناء المدارس وتعزيز فرص العمل بالنسبة لمواطني البلدين في منطقة عمل تلك القوات.
خلال الزيارة أمن الطرفان على أهمية استمرار التواصل بين الأجهزة الأمنية، وتبادل المعلومات حول الجرائم والقوى السالبة، وتقوية القوات المشتركة ومنحها المزيد من الدعم لتنشيط حركتها وتعزيز قدراتها، كي تصبح الأداة المثلى لضبط الحدود وتنمية تلك المناطق التي تعمل فيها.
من أهم الملفات التي تم تناولها التأمين على تعزيز الربط مع تشاد عبر الطرق البرية والسكك الحديدية، وتوسيع ميناء بورتسودان، لاستيعاب حركة التجارة التشادية، وتخصيص موقع لها في المنطقة التجارية الحرة، وبحث الطرفان إمكانية توفير تمويل إنجاز الطريق البري الذي سيربط البلدين، وإنشاء سكك حديدية توفر للسودان ميزة نقل صادراته إلى كامل منطقة غرب إفريقيا، وتمنح تشاد ميزة النقل السريع للواردات والصادرات براً، بكلفة منخفضة.

وتطرقت المباحثات الرئاسية لسبل التعاون في مجال التعليم عموماً، وتعليم اللغة العربية على وجه الخصوص، حيث أكد الرئيس ديبي أنه أصر على اعتماد العربية كلغة رسمية للبلاد، مشدداً على أهميتها بالنسبة إلى الشعب التشادي، وطلب من شقيقه البشير مساعدتهم على تقوية لغة الضاد في مراحل التعليم الابتدائي، عبر إرسال معلمين وفتح الجامعات والمعاهد العليا والكليات العسكرية أمام الطلاب التشاديين، علماً بأن البشير بادر قبلاً بطباعة مليون كتاب مدرسي، وقدمها هدية للشعب التشادي في العام المنصرم، وأكد استعداد السودان لمد تشاد بالمناهج الدراسية والمعلمين والموجهين التربويين، ووضع كل القدرات التعليمية السودانية تحت تصرف الأشقاء في تشاد.
من أهم الملفات التي تم التطرق إليها في الزيارة التاريخية تطوير سبل التعاون في مجال النفط، باستثمار مشترك للحقول التي تقع على الحدود، ومد تشاد بخبراء البترول، وربطها بخط أنابيب السودان لنقل النفط التشادي إلى ميناء بورتسودان، كما تناولت المباحثات تنشيط التعاون في المجال الزراعي، وزيادة رأس مال البنك الزراعي السوداني في تشاد، وتوفير التقانة الزراعية والتراكتورات المصنوعة في السودان لمزارعي تشاد بأسعار تفضيلية.
من جهته، ثمن الرئيس التشادي مشاركة البشير لتشاد احتفالاتها بالعيد الوطني، وقال إن الزيارة تؤكد متانة العلاقات التي تربط البلدين الشقيقين، وأوضح ديبي أن تشاد والسودان يمثلان شعباً واحداً، وأن اللقاء الأخير بين الرئيسين يهدف إلى تأكيد الرغبة في خلق بيئة إيجابية لتعاون أكمل وأشمل، في كل المجالات التي تهم الطرفين، وأشاد ديبي بتجربة القوات المشتركة وقال إنها حلت الكثير من المشاكل.

خلال اللقاء قدم الرئيس البشير تنويراً شاملاً لرصيفه التشادي حول تجربة نزع السلاح في ولايات دارفور، وأشاد ديبي بتلك الجهود وقال إنها ستسهم في ترسيخ السلام في الإقليم كله، وقدم شرحاً مبسطاً لتجربة مماثلة أقدمت عليها تشاد، بجمع السلاح، وحصره على القوات النظامية، وقال إنها ساهمت في ترسيخ السلام وتقليص حجم التفلتات، وذكر أنهم حرموا استخدام سيارات الدفع الرباعي في المناطق المستهدفة بتجربة نزع السلاح، واعتبروها من أهم مسببات الانفلات الأمني، وذكر أنهم مضوا أبعد من ذلك، ومنعوا استخدام الدراجات النارية بعد أن تم استغلالها في بعض الأنشطة الإجرامية.
أهم مخرجات اللقاء تمثل في التأمين على عقد اجتماعات اللجنة المشتركة للتعاون بين البلدين، التي ستعقد اجتماعها الأول بالخرطوم في مستهل شهر فبراير المقبل، لتعزيز وتقوية العلاقات وربط رجال الأعمال في البلدين، وتوجيه الوزراء باستئناف التعاون المشترك، كلٌ في مجاله، ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة زيارات متبادلة على المستوى الوزاري، كما أمن الطرفان على تنشيط التعاون الثقافي، وتبادل الزيارات للوفود الفنية والاجتماعية والثقافية، سعياً للمزيد من التواصل بين الشعبين.
الهم الليبي حاضرٌ في المباحثات
شهدت المباحثات التي جمعت الرئيسين عمر البشير وإدريس ديبي نقاشاً مطولاً حول الأحداث الجارية في ليبيا وإفريقيا الوسطى، باعتبارها مهدداً أمنياً حقيقياً للبلدين، بسبب غياب سلطة الحكومة المركزية في ليبيا، وتفشي النزاعات في الحدود التي تجمع البلدين مع إفريقيا الوسطى، واتفق الرئيسان على دعم الجهود الدولية التي تستهدف حل الأزمة الليبية بتكوين حكومة مركزية قوية، تتولى الإمساك بزمام الأمور، وبسط الأمن، والقضاء على النزاعات المسلحة التي تشكل تهديداً مؤثراً لأمن السودان وتشاد، وأمن الزعيمان على تطوير تجربة القوات المشتركة لتمتد إلى حدود البلدين مع إفريقيا الوسطى.

صوت لوم من زير الخارجية التشادي للإعلام السوداني
بعد نهاية جلسة المباحثات التي جمعت الوفدين السوداني والتشادي تحدث السيد حسين إبراهيم، وزير خارجية تشاد مؤكداً عمق العلاقات التي تجمع البلدين، ومؤكداً أن القمة التي جمعت البشير وديبي تمثل علامة فارقة في مسيرة الروابط التي تجمع بلدين يضمان شعباً واحداً، وذكر أن القمة استهدفت تقوية الروابط التجارية والأمنية والثقافية والتعليمية والاجتماعية، ووجه الوزير التشادي صوت لوم للإعلام السوداني، وقال إنه يحرص على مشاهدة الفضائيات السودانية، ويأسف إلى أنها قلما تتطرق إلى تشاد، أو تلقي بالاً لها، داعياً الإعلام السوداني إلى الاهتمام بالجار المحب، وتغطية ما يحدث في تشاد، وذكر أنهم سيجتهدون لتنشيط التبادل الفني والثقافي بين البلدين في الفترة المقبلة.

السيدة الأولى نجمة الاحتفال
حرصت هندة عقيلة الرئيس التشادي إدريس ديبي على حضور العرض العسكري الذي أقيم بحضور الرئيسين في ساحة الأمة بالعاصمة التشادية بمناسبة العيد الوطني لتشاد، وحرص الرئيس البشير على تحيتها، وحض رفيقه إدريس ديبي على مصافحتها، بتعليق لطيف لفت انتباه الحاضرين وجعل السيدة الأولى تستغرق في الضحك، وسط تصفيق الحضور، وكان لافتاً اهتمام هندة ديبي بحضور الحفل الغنائي الساهر الذي نظمه الرئيس التشادي للبشير في قاعة فندق هيلون إنجمينا، والذي أحيته الفنانة السودانية إيمان لندن مع عدد من المطربين التشاديين، وشهد الحفل مشاركة عدد كبير من المسؤولين ورجال الأعمال التشاديين وأعضاء السلك الدبلوماسي في تشاد، وتصدرت القاعة صورتان للزعيمين السوداني والتشادي، مع صورة أخرى بذات الحجم للسيدة الأولى، التي تنشط في مجال العمل الخيري في تشاد، وتهتم بقضايا المرأة في الحزب الحاكم.
يذكر أن السيدة هندة أمضت جانباً من حياتها في الخرطوم، برفقة والدها الذي كان يعمل سفيراً لتشاد في السودان.

سفير السودان في إنجمينا:
الزيارة تتويج لعلاقات أخوية قوية تربط السودان بتشاد
حرص سعادة عبد العزيز حسن صالح، سفير السودان في تشاد على متابعة كل تفاصيل الزيارة بنفسه، وكان في استقبال الوفد الرئاسي بمطار إنجمينا، ولم يفارقه طيلة فترة الزيارة التي بدأت صبيحة الجمعة وانتهت صباح السبت، وتحدث للإعلاميين مبدياً سعادته الغامرة بالقمة، ومؤكداً أنها ستسهم في تطوير وتقوية العلاقات الوطيدة التي تربط السودان بتشاد، وأبدى السفير اهتماماً كبيراً بالوفد الإعلامي المرافق للرئيس البشير، والذي ضم ثلاثة رؤساء تحرير لصحف سياسية، وممثلين للتلفزيون القومي وقناة الخرطوم الفضائية ووكالة السودان للأنباء، بالإضافة إلى الأستاذ عبد الله جاد الله، مسؤول الإعلام في القصر الجمهوري، وعدد من الإعلاميين، وشدد السفير على تنشيط العلاقات الثقافية والاجتماعية والرياضية بين البلدين في الفترة المقبلة.

تعاون في المجال الصحي
اتفق الرئيسان البشير وديبي على تنشيط التعاون في المجال الصحي في الفترة المقبلة، بتوفير المعينات الطبية للمستشفيات التشادية، وتدريب الأطقم والكوادر الطبية في المستشفيات السودانية، وتوفير فرص دراسية للطلاب التشاديين في الجامعات السودانية، وتفعيل السياحة العلاجية للتشاديين في السودان.
يذكر أن السودان سبق له تسيير قافلة طبية وثقافية قيمتها ثلاثة ملايين دولار في العام المنصرم إلى تشاد، برعاية وحضور السيد بحر إدريس أبو قردة، وزير الصحة الاتحادي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق