ما بدا لافتاً في ذلك اللقاء أن الوفد الأمريكي لم يظهر عليه آثار أي
انزعاج لمقتل قرنق المأساوي، ولا بدا قلقاً لتبعات غيابه المفاجئ وتأثيره
المحتمل على مسار اتفاقية السلام، حتى أن زميلنا ألفرد تعبان مراسل رويترز
غضب عندما لمس عدم جدية وعدم حماسة المسؤولين الأمريكيين في شأن التحقيق في
ملابسات مقتل قرنق. بيد أن المفاجأة حقاً كانت هي أن روجر وينتر الذي
تصدّى للحديث أغلب الوقت طفق يعدّد مآثر الجنرال سلفا كير، الذي تم تنصيبه
خلفاً لقرنق، منوّهاً بنمطه القيادي ويصفه بالمحبوب وسط الجنود، ويغمز من
قناة قرنق وعن "ديكتاتوريته"، وذهب أبعد من ذلك حين عرَّض بالأخير وعيَّره
بأنه "الوحدوي الوحيد في الحركة الشعبية". وكانت إشارة واضحة من المسؤول
الأمريكي أنه يرى في غياب قرنق تمهيداً ضرورياً لدعم خيار الانفصال.
ومما قاله وينتر آنذاك إن 96% من مواطني جنوب السودان يريدون الانفصال وأن وجود سلفا كير في القيادة بديلاً لقرنق سيؤمّن تحقيق ذلك، ولم يكن واضحاً أو على أساس حدّد هذه النسبة، وكانت تلك المرة الأولى التي يُعلن فيها مسؤول أمريكي صراحة ودون مواربة رقماً محدداً عن النسبة المنتظرة لنتيجة الاستفتاء، وقد كان، أليس غريباً أن تكون نتيجته عند إجرائه بعد ذلك بست سنوات 98%!
لم يذهب ليمان بعيداً حين أقرّ في محاضرته بأن خيار انفصال جنوب السودان تعزّز بعد وفاة قرنق، وأن غيابه المفاجئ دفع الرأي العام في الجنوب بعيداً عن الوحدة، قد يكون ذلك صحيحاً من ناحية فقدان تأثير زعامة قرنق الكارزمية الداعية للحفاظ على وحدة السودان وفق الترتيبات التي أقرتها اتفاقية السلام الشامل، إلا أن الواضح كذلك، والصحيح أيضاً أن واشنطن استغلت، غيابه أو تغييبه، لصالح تشجيع الانفصال. كما أن المرة الوحيدة التي بدت فيها واشنطن مستعدة لتقديم تنازلات في مسألة التطبيع مع واشنطن التي كانت الخرطوم تعتقد أنها الثمن المناسب لاتفاقية السلام جاء بها الجنرال قريشن المبعوث الأمريكي الأسبق للسودان قبل أشهر من الاستفتاء عارضاً حزمة خطوات في خطة طريق نحو التطبيع مرتبطة بالتزام الخرطوم باتخاذ الخطوات اللازمة والضرورية لضمان قيام الاستفتاء في موعده والقبول بنتيجة تمكّين الجنوب من إقامة دولته المستقلة، لكن الخرطوم فوّتت الفرصة حين اعتبر نائب الرئيس السوداني حينها علي عثمان طه أن مسألة قيام الاستفتاء هي التزام أخلاقي للحكومة السودانية بغض النظر عن إغراءات خطة التطبيع التي حملها قريشن.
لا يمكن لتقسيم السودان أن يُعد مجرد عزاء انفضّ بانتهاء مراسم الدفن، وذلك للأسف ما يظنه قادة السلطة الحاكمة في الخرطوم، بل سيظل حدثاً حياً شاخصاً لأن تبعاته وتداعياته سيتعين على أجيال وأجيال أن تدفع ثمن التواطؤ في اتفاق نادر بين النخبة الحاكمة في الشمال وفي الجنوب، والمجتمع الدولي، لا سيما الولايات المتحدة على تقسيم السودان وفصل الجنوب، كل وفق أجندة قصيرة النظر لم تضع في الاعتبار التبعات والتداعيات الخطيرة التي يعاني منها البلدين المنقسمين الآن ويدفع ثمنها المواطنون جراء استمرار الحرب وغياب السلام.
فقد كان الجميع مستعجلين للوصول إلى محطة الانفصال في تنكّر تام لأهم تعّهد في اتفاقية السلام بأولوية الوحدة، ليس ذلك فحسب بل كذلك استحقاقات التحول الديمقراطي الذي كان أهم ضمانة للوحدة الجاذبة التي لم يعمل من أجلها أحد بجدية حتى السلطة الحاكمة في الخرطوم التي وصلت للمفارقة للحكم انقلاباً بزعم الحفاظ على وحدة التراب الوطني، فكانت أن تواطأت على تقسيم البلاد للاستمرار في سدة الحكم بالتخلص مما اعتبرته عبء الجنوب، وبأمل الحصول على ثمن ذلك بتطبيع مع المجتمع الدولي ثبت أنه مستحيل لم تحصد ثمرته حتى اليوم.
ومما قاله وينتر آنذاك إن 96% من مواطني جنوب السودان يريدون الانفصال وأن وجود سلفا كير في القيادة بديلاً لقرنق سيؤمّن تحقيق ذلك، ولم يكن واضحاً أو على أساس حدّد هذه النسبة، وكانت تلك المرة الأولى التي يُعلن فيها مسؤول أمريكي صراحة ودون مواربة رقماً محدداً عن النسبة المنتظرة لنتيجة الاستفتاء، وقد كان، أليس غريباً أن تكون نتيجته عند إجرائه بعد ذلك بست سنوات 98%!
لم يذهب ليمان بعيداً حين أقرّ في محاضرته بأن خيار انفصال جنوب السودان تعزّز بعد وفاة قرنق، وأن غيابه المفاجئ دفع الرأي العام في الجنوب بعيداً عن الوحدة، قد يكون ذلك صحيحاً من ناحية فقدان تأثير زعامة قرنق الكارزمية الداعية للحفاظ على وحدة السودان وفق الترتيبات التي أقرتها اتفاقية السلام الشامل، إلا أن الواضح كذلك، والصحيح أيضاً أن واشنطن استغلت، غيابه أو تغييبه، لصالح تشجيع الانفصال. كما أن المرة الوحيدة التي بدت فيها واشنطن مستعدة لتقديم تنازلات في مسألة التطبيع مع واشنطن التي كانت الخرطوم تعتقد أنها الثمن المناسب لاتفاقية السلام جاء بها الجنرال قريشن المبعوث الأمريكي الأسبق للسودان قبل أشهر من الاستفتاء عارضاً حزمة خطوات في خطة طريق نحو التطبيع مرتبطة بالتزام الخرطوم باتخاذ الخطوات اللازمة والضرورية لضمان قيام الاستفتاء في موعده والقبول بنتيجة تمكّين الجنوب من إقامة دولته المستقلة، لكن الخرطوم فوّتت الفرصة حين اعتبر نائب الرئيس السوداني حينها علي عثمان طه أن مسألة قيام الاستفتاء هي التزام أخلاقي للحكومة السودانية بغض النظر عن إغراءات خطة التطبيع التي حملها قريشن.
لا يمكن لتقسيم السودان أن يُعد مجرد عزاء انفضّ بانتهاء مراسم الدفن، وذلك للأسف ما يظنه قادة السلطة الحاكمة في الخرطوم، بل سيظل حدثاً حياً شاخصاً لأن تبعاته وتداعياته سيتعين على أجيال وأجيال أن تدفع ثمن التواطؤ في اتفاق نادر بين النخبة الحاكمة في الشمال وفي الجنوب، والمجتمع الدولي، لا سيما الولايات المتحدة على تقسيم السودان وفصل الجنوب، كل وفق أجندة قصيرة النظر لم تضع في الاعتبار التبعات والتداعيات الخطيرة التي يعاني منها البلدين المنقسمين الآن ويدفع ثمنها المواطنون جراء استمرار الحرب وغياب السلام.
فقد كان الجميع مستعجلين للوصول إلى محطة الانفصال في تنكّر تام لأهم تعّهد في اتفاقية السلام بأولوية الوحدة، ليس ذلك فحسب بل كذلك استحقاقات التحول الديمقراطي الذي كان أهم ضمانة للوحدة الجاذبة التي لم يعمل من أجلها أحد بجدية حتى السلطة الحاكمة في الخرطوم التي وصلت للمفارقة للحكم انقلاباً بزعم الحفاظ على وحدة التراب الوطني، فكانت أن تواطأت على تقسيم البلاد للاستمرار في سدة الحكم بالتخلص مما اعتبرته عبء الجنوب، وبأمل الحصول على ثمن ذلك بتطبيع مع المجتمع الدولي ثبت أنه مستحيل لم تحصد ثمرته حتى اليوم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق