الاثنين، 7 مارس 2016

على هامش الرحيل

ودع السودان أمس (الأحد) الدكتور حسن الترابي في رحلته الأخيرة إلى رحاب ربه، وقد كان تشييع جثمانه وسرادق عزائه عظة ورسالة متعددة الاتجاهات.
مشهد الإسلاميين في مقابر بري، كان يسيطر عليه الحزن والفجيعة وألم الفراق واليتم، ويبدو أنها محطة مهمة توفرت لتكون منطلقاً ودافعاً للمراجعة وحساب الذات وجرد حساب لمسيرة ممتدة، فعل فيها الزمان فعلته وخلفت التجربة حصاداً مراً يحتاج إلى التمحيص والتدبر.
سرادق العزاء جمعت الطيف السياسي والفكري من اليساريين والإسلاميين بمختلف تياراتهم، والليبراليين والصوفية والسلفية، وهو طيف كان يحلم الترابي جمعه في جبهة أطلق عليها "النظام الخالف" لمجابهة تحديات سودان ما بعد الحوار الوطني، ولكن الله قدر أن لا يشهد المرحلة الأخيرة من الحوار وثماره التي لم تنضج بعد، ونأمل أن تكون حلوة.
غياب الترابي سيلقي بظلال كثيفة على حزبه "المؤتمر الشعبي" والإسلاميين في السودان والمشهد السياسي في البلاد، وكما ظل فاعلاً ومؤثراً في الساحة خمسة عقود، فإن انسحابه سيخلق فراغاً عريضاً.
ثمة تحديات ستواجه المؤتمر الشعبي بعد الترابي حيث كان يتكئ الحزب على شخصية زعيمه الملهمة والكارزمية التي يتمتع بها، مما أضعف مؤسساته، الأمر الذي يضع قياداته أمام تحدي إعادة فاعلية الحزب، وعدم اعتماده على الشخصية، وإنما على العمل المؤسساتي الجماعي.
ويرجح أن ينكفئ الحزب على نفسه لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وحسم وضعه، وخطه ما بين الاستمرار في نهج الترابي أو تغييره، كما إن هناك تيارات خاملة داخل الحزب ستصبح أعلى صوتاً، إذ أن لديها أراء مخالفة لرؤية الترابي في ما يتصل بمسار الحزب ومواقفه، لكنها أثرت الصمت احتراماً وتوقيراً للرجل، ويمكن أن تحدث هذه التيارات متاعب داخل الحزب.
كما أن خليفة الترابي المؤقت ومن يعتمد لخلافته بطريقة رسمية لاحقاً تنتظره معركة جمع شمل الحزب، الذي أصبح أمام محك أن يكون أو لا يكون، وإقناع قطاعات مؤثرة خصوصاً لديها تحفظات في الانتقال من المعارضة إلى التقارب مع الحزب الحاكم والمشاركة في الحوار، وكان الترابي كابحاً لها وقادراً على ضبط إيقاع الحزب.
لذا سيجد من يشغل موقعه صعوبات في التعامل مع هذا الواقع.
الترابي رغم خلافات رموز إسلاميين معه، إلا أنه كان الأنسب لجمع شمل الإسلاميين أكثر من غيره، ولذا لن يكون يسيراً أن يضطلع بهذه المهمة أحد من غرمائه على ضفتي المؤتمرين الشعبي والوطني.
الحوار الوطني الذي كان الترابي أبرز المتحمسين له سيقل زخمه، خصوصاً أنه كان أحد عوامل الضغط والتوازن المهمة لتنفيذ مخرجاته بحكم تأثيره وتفاهمات جرت بينه وبين قيادة الحزب الحاكم والتي ربما قبرت معه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق