بعد انقطاع دام عامين، بدأت بالعاصمة الإثيوبية (أديس أبابا) مقر
الاتحاد الأفريقي، أمس الأول (الثلاثاء) جولة مفاوضات بين السودان وجنوب
السودان حول منطقة (أبيي) وتتضمن المحاور الرئيسة المتفق عليها بين
الجانبين، إنشاء مؤسسات
تشريعية وإدارية في المنطقة لضمان سيادة القانون، وتمكين مواطني المنطقة
من ممارسة حياتهم اليومية، وفي السياق دعا حسن علي نمر رئيس لجنة إشراف
أبيي إلى ضرورة استكمال المحاور الرئيسة لتنفيذ الاتفاق الموقع عام 2011م
وقال نمر في مطلع المفاوضات إن على الطرفين مساندة بعثة قوات الأمم المتحدة
المؤقتة في أبيي (اليونيسفا) والتعاون معها للحفاظ على السلم والأمن،
وشدّد على ضرورة تسهيل عمل المنظمات الدولية والإنسانية بالمنطقة، وعلى
عودة النازحين إلى منازلهم، وطالب نمر بعقد اجتماع موسع للإدارات الأهلية،
بغرض التعايش السلمي بين مكونات المنطقة، تحت إشراف اللجنة المشتركة.
وسبق أن مدّد مجلس الأمن الدولي منتصف مايو الجاري مهمة قوات (اليونيسفا) إلى نوفمبر المقبل، وحذر كلاً من الخرطوم وجوبا من أن التمديد سيكون الأخير، ما لم يبد الطرفان التزاماً بتنفيذ اتفاق التعاون بينهما، وتأسست قوات (يونيسفا) في يونيو من العام 2011م من نحو (4) آلاف جندي إثيوبي، وترصد الحدود بين البلدين، ويسمح لها باستخدام القوة في حماية المدنيين والعاملين في مجال المساعدة الإنسانية في المنطقة، وشهدت المنطقة سابقا توترات بين القبيلتين وجيشي الشمال والجنوب، راح ضحيتها العشرات، وتتنازع كل من الخرطوم وجوبا حول أبيي التي تقطنها قبيلة دينكا نقوك الجنوبية، ويقصدها رعاة قبيلة المسيرية الشمالية صيفا، منذ انفصال جنوب السودان في العام 2011م.
وأكدت كل من (الخرطوم) و(جوبا) في وقت سابق التزامها باتفاق (أديس أبابا) المبرم بين الطرفين في شهر ديسمبر من العام 2011م والذي أقر السماح بنشر قوات دولية من (إثيوبيا) في المنطقة وبشهادة المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي.. وتعمل هذه القوات على مراقبة حدود البلدين ورصد وتسوية النزاعات التي تطرأ على الحدود، واشتمل الاتفاق وقتها علي جوانب كثيرة بينها انسحاب القوات المسلحة السودانية من المنطقة والوضع الإداري والمجلس التشريعي وانسحاب وانتشار قوات الطرفين وانفتاح القوات في أكثر من منطقة، غير أن الاتفاق لم يراوح مكانه لعدة أسباب من بينها سياسية وأمنية، فضلا عن عدم وصول الطرفين إلى نقاط مشتركة بشأن الاتفاق.
وكان مجلس الأمن الدولي دعا الطرفين من قبل إلى سحب قواتهما من المنطقة وأراد بقراره وقتها توسيع تفويض قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة ولكن بحسب المراقبين فإن بعثة (اليونسفا) لا يمكن لها أن تنسحب بشكل نهائي إلا بقرار من مجلس الأمن الدولي، وفي حال حدوث انسحابها سيحدث فراغ في المنطقة، وفي السياق شدد بعض المتابعين على ضرورة وجودها وذلك لاعتبار أن القوات جاءت بموافقة الطرفين لتأمين المنطقة وتنظيم وجود المواطنين فيها.
وسبق أن اتفقت دولتا السودان وجنوب السودان في العاصمة الإثيوبية (أديس أبابا) على تنفيذ بند الترتيبات الأمنية وتكوين المؤسسات المدنية لمنطقة (أبيي) ووضع مصفوفة زمنية لتنفيذ الاتفاق الذي وقع عليه رئيسا البلدين في قمة رئاسية انعقدت بهذا الخصوص، ولكن بعد مرور خمسة أعوام على اتفاق (أديس أبابا) بشأن المنطقة لم يتفق الطرفان حتى الآن على إنشاء إدارة منطقة (أبيي) ودائرة الشرطة وفقا لالتزامات حكومتي الدولتين الواردة في الاتفاق الموقع بينهما مسبقا وبقيت قضية (أبيي) عصية على الحل منذ ذلك الحين وحتى الآن.
وفي السابق كانت منطقة أبيي تعتبر نموذجا لمنطقة التعايش بين الثقافات والتداخل بين القبائل، وكانت المنطقة تعد الشكل المصغر للوحدة بين الشمال والجنوب، قبل الانفصال، قبل نحو ستة أعوام، وكان استمرار التعايش داخلها يعد داعماً لعملية الوحدة بين الشمال والجنوب، ورغم تخصيص برتوكول خاص بالمنطقة ضمن اتفاق السلام الشامل لكن ظل المشهد في أبيي لوقت طويل خليطا بين (الشك والظنون والخوف والترقب والاستعداد لأسوأ الخيارات) وكادت الاشتباكات التي شهدتها المنطقة في مايو من العام 2008م تعيد رسم لوحة الحرب الأهلية مجدداً.
لكن في ما بعد توصل الشريكان لخارطة طريق لمعالجة قضية أبيي قضت بالاحتكام لمحكمة العدل الدولية بلاهاي، وتحولت منطقة أبيي من نموذج للتعايش للنقيض وأصبحت نموذجا للصراع الحاد بين الأطراف المختلفة، للدرجة التي دفعت البعض لتوصيفها بأنها ستكون في حالة انفصال جنوب السودان (كشمير) الشمال والجنوب، مثل (كشمير) شبه القارة الهندية المتنازع عليها بين الهند وباكستان والتي تسببت في دخول البلدين حربين مباشرتين بسبب التنازع على هذا الإقليم.
وظلت منطقة أبيي التي يعيش فيها المسيرية الحمر والدينكا نقوك محلا للنزاع لفترة طويلة لافتقار الأنظمة السياسية لرؤية منهجية وفكرية لحل النزاع، واتخذ الصراع في منطقة أبيي ثلاثة تحولات جوهرية قادت في النهاية إلى مايطلق عليه (التدويل) وهذه المراحل الثلاث لتطور التحول في قضية أبيي من صراع تقليدي، وهذا النوع من الصراع كان يتمثل في المشاحنات والتي في الغالب كان سببها التنافس على مصادر الطبيعة، والتي تسفر عن صراع عنيف ومسلح ودموي لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية واستراتيجية.
والبعد الثاني للصراع يتمثل في الصراع السياسي حول تبعية أبيي إلى شمال السودان أم جنوب السودان الأمر الذي جعل من المنطقه كلها مقرا للتوتر وبؤرة للصراع.. أما البعد الثالث للصراع فهو دولي وهو آخر تطورات قضية أبيي التي أضحت ذات طابع دولي وأخذت حيزا كبيرا، وتطورت قضية الصراع بين قبيلة المسيرية الحمر والدينكا نقوك إلى قضية دولية تأخذ حظا وافرا لدى الدوائر العالمية ومراكز الدراسات العالمية، إلا أن للخطأ المنهجي الذي وقعت فيه الجهات المختصة في المرحلة الأولى للصراع أثرا كبيرا في تشكيل هذه المحصلة، ولقد اكتفت كل المحاولات السابقة بالحلول السياسية والأمنية من دون النظر إلى الإطار الاجتماعي (تاريخي – سياسي).
اكتشاف البترول في المنطقة أعطى الصراع حولها بعداً إضافياً، وربما تسبب في إضافة تعقيدات إضافية من خلال تمسك الأطراف المختلفة بالمنطقة بدخول الذهب الأسود للحلبة، سيما إذا علمنا أنه يمثل المورد الأساسي لميزانيتي الحكومة القومية وحكومة الجنوب على حد السواء، وبكل تأكيد فإن وجود حقول بترول (هجليج، دفرا، الميرم) بالإضافة لبحيرة كيلك ومنطقة ناما الزراعية كي تكون جزءا من بحر الغزال أسهمت في مجملها في إلهاب الصراع بين المسيرية والدينكا نقوك وساعد في تعقيد أوضاع المنطقة وجعل للصراع وجها ومعنى آخر بدخول عامل الثروة.
لكن الأمر الواضح أن المنطلقات التي تتحرك منها قبيلتا المسيرية ودينكا نقوك وإن بدت متفقة مع رؤى المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لكنها تختلف في جوهرها، فالمسيرية نقطتهم المحورية الحفاظ على ما يعتبرونه أرض الأجداد وضمان سلامة ثروتهم المتمثلة في مواشيهم بضمان استمرار حركتهم الموسمية بالتحرك للمراعي شمالاً وجنوباً، أما دينكا نقوك فينظرون للأمر من زاوية إعادة الحقوق التاريخية المسلوبة واستردادها، ولكن الحزبين الحاكمين في دولتي السودان وجنوب السودان لا ينظران بعيون القبيلتين لـ(ظاهر الأرض) وإنما لأعمق من ذلك (باطنها) وتحديداً للنفط والمعادن ومن بعد لأهميتها الاستراتيجية باعتبارها نقطة ارتكاز ووصول لجنوب كردفان, وبحر الغزال ودارفور.
وسبق أن مدّد مجلس الأمن الدولي منتصف مايو الجاري مهمة قوات (اليونيسفا) إلى نوفمبر المقبل، وحذر كلاً من الخرطوم وجوبا من أن التمديد سيكون الأخير، ما لم يبد الطرفان التزاماً بتنفيذ اتفاق التعاون بينهما، وتأسست قوات (يونيسفا) في يونيو من العام 2011م من نحو (4) آلاف جندي إثيوبي، وترصد الحدود بين البلدين، ويسمح لها باستخدام القوة في حماية المدنيين والعاملين في مجال المساعدة الإنسانية في المنطقة، وشهدت المنطقة سابقا توترات بين القبيلتين وجيشي الشمال والجنوب، راح ضحيتها العشرات، وتتنازع كل من الخرطوم وجوبا حول أبيي التي تقطنها قبيلة دينكا نقوك الجنوبية، ويقصدها رعاة قبيلة المسيرية الشمالية صيفا، منذ انفصال جنوب السودان في العام 2011م.
وأكدت كل من (الخرطوم) و(جوبا) في وقت سابق التزامها باتفاق (أديس أبابا) المبرم بين الطرفين في شهر ديسمبر من العام 2011م والذي أقر السماح بنشر قوات دولية من (إثيوبيا) في المنطقة وبشهادة المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي.. وتعمل هذه القوات على مراقبة حدود البلدين ورصد وتسوية النزاعات التي تطرأ على الحدود، واشتمل الاتفاق وقتها علي جوانب كثيرة بينها انسحاب القوات المسلحة السودانية من المنطقة والوضع الإداري والمجلس التشريعي وانسحاب وانتشار قوات الطرفين وانفتاح القوات في أكثر من منطقة، غير أن الاتفاق لم يراوح مكانه لعدة أسباب من بينها سياسية وأمنية، فضلا عن عدم وصول الطرفين إلى نقاط مشتركة بشأن الاتفاق.
وكان مجلس الأمن الدولي دعا الطرفين من قبل إلى سحب قواتهما من المنطقة وأراد بقراره وقتها توسيع تفويض قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة ولكن بحسب المراقبين فإن بعثة (اليونسفا) لا يمكن لها أن تنسحب بشكل نهائي إلا بقرار من مجلس الأمن الدولي، وفي حال حدوث انسحابها سيحدث فراغ في المنطقة، وفي السياق شدد بعض المتابعين على ضرورة وجودها وذلك لاعتبار أن القوات جاءت بموافقة الطرفين لتأمين المنطقة وتنظيم وجود المواطنين فيها.
وسبق أن اتفقت دولتا السودان وجنوب السودان في العاصمة الإثيوبية (أديس أبابا) على تنفيذ بند الترتيبات الأمنية وتكوين المؤسسات المدنية لمنطقة (أبيي) ووضع مصفوفة زمنية لتنفيذ الاتفاق الذي وقع عليه رئيسا البلدين في قمة رئاسية انعقدت بهذا الخصوص، ولكن بعد مرور خمسة أعوام على اتفاق (أديس أبابا) بشأن المنطقة لم يتفق الطرفان حتى الآن على إنشاء إدارة منطقة (أبيي) ودائرة الشرطة وفقا لالتزامات حكومتي الدولتين الواردة في الاتفاق الموقع بينهما مسبقا وبقيت قضية (أبيي) عصية على الحل منذ ذلك الحين وحتى الآن.
وفي السابق كانت منطقة أبيي تعتبر نموذجا لمنطقة التعايش بين الثقافات والتداخل بين القبائل، وكانت المنطقة تعد الشكل المصغر للوحدة بين الشمال والجنوب، قبل الانفصال، قبل نحو ستة أعوام، وكان استمرار التعايش داخلها يعد داعماً لعملية الوحدة بين الشمال والجنوب، ورغم تخصيص برتوكول خاص بالمنطقة ضمن اتفاق السلام الشامل لكن ظل المشهد في أبيي لوقت طويل خليطا بين (الشك والظنون والخوف والترقب والاستعداد لأسوأ الخيارات) وكادت الاشتباكات التي شهدتها المنطقة في مايو من العام 2008م تعيد رسم لوحة الحرب الأهلية مجدداً.
لكن في ما بعد توصل الشريكان لخارطة طريق لمعالجة قضية أبيي قضت بالاحتكام لمحكمة العدل الدولية بلاهاي، وتحولت منطقة أبيي من نموذج للتعايش للنقيض وأصبحت نموذجا للصراع الحاد بين الأطراف المختلفة، للدرجة التي دفعت البعض لتوصيفها بأنها ستكون في حالة انفصال جنوب السودان (كشمير) الشمال والجنوب، مثل (كشمير) شبه القارة الهندية المتنازع عليها بين الهند وباكستان والتي تسببت في دخول البلدين حربين مباشرتين بسبب التنازع على هذا الإقليم.
وظلت منطقة أبيي التي يعيش فيها المسيرية الحمر والدينكا نقوك محلا للنزاع لفترة طويلة لافتقار الأنظمة السياسية لرؤية منهجية وفكرية لحل النزاع، واتخذ الصراع في منطقة أبيي ثلاثة تحولات جوهرية قادت في النهاية إلى مايطلق عليه (التدويل) وهذه المراحل الثلاث لتطور التحول في قضية أبيي من صراع تقليدي، وهذا النوع من الصراع كان يتمثل في المشاحنات والتي في الغالب كان سببها التنافس على مصادر الطبيعة، والتي تسفر عن صراع عنيف ومسلح ودموي لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية واستراتيجية.
والبعد الثاني للصراع يتمثل في الصراع السياسي حول تبعية أبيي إلى شمال السودان أم جنوب السودان الأمر الذي جعل من المنطقه كلها مقرا للتوتر وبؤرة للصراع.. أما البعد الثالث للصراع فهو دولي وهو آخر تطورات قضية أبيي التي أضحت ذات طابع دولي وأخذت حيزا كبيرا، وتطورت قضية الصراع بين قبيلة المسيرية الحمر والدينكا نقوك إلى قضية دولية تأخذ حظا وافرا لدى الدوائر العالمية ومراكز الدراسات العالمية، إلا أن للخطأ المنهجي الذي وقعت فيه الجهات المختصة في المرحلة الأولى للصراع أثرا كبيرا في تشكيل هذه المحصلة، ولقد اكتفت كل المحاولات السابقة بالحلول السياسية والأمنية من دون النظر إلى الإطار الاجتماعي (تاريخي – سياسي).
اكتشاف البترول في المنطقة أعطى الصراع حولها بعداً إضافياً، وربما تسبب في إضافة تعقيدات إضافية من خلال تمسك الأطراف المختلفة بالمنطقة بدخول الذهب الأسود للحلبة، سيما إذا علمنا أنه يمثل المورد الأساسي لميزانيتي الحكومة القومية وحكومة الجنوب على حد السواء، وبكل تأكيد فإن وجود حقول بترول (هجليج، دفرا، الميرم) بالإضافة لبحيرة كيلك ومنطقة ناما الزراعية كي تكون جزءا من بحر الغزال أسهمت في مجملها في إلهاب الصراع بين المسيرية والدينكا نقوك وساعد في تعقيد أوضاع المنطقة وجعل للصراع وجها ومعنى آخر بدخول عامل الثروة.
لكن الأمر الواضح أن المنطلقات التي تتحرك منها قبيلتا المسيرية ودينكا نقوك وإن بدت متفقة مع رؤى المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لكنها تختلف في جوهرها، فالمسيرية نقطتهم المحورية الحفاظ على ما يعتبرونه أرض الأجداد وضمان سلامة ثروتهم المتمثلة في مواشيهم بضمان استمرار حركتهم الموسمية بالتحرك للمراعي شمالاً وجنوباً، أما دينكا نقوك فينظرون للأمر من زاوية إعادة الحقوق التاريخية المسلوبة واستردادها، ولكن الحزبين الحاكمين في دولتي السودان وجنوب السودان لا ينظران بعيون القبيلتين لـ(ظاهر الأرض) وإنما لأعمق من ذلك (باطنها) وتحديداً للنفط والمعادن ومن بعد لأهميتها الاستراتيجية باعتبارها نقطة ارتكاز ووصول لجنوب كردفان, وبحر الغزال ودارفور.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق