الخميس، 1 يونيو 2017

«جاموس وحامد»..«تزعزع» قواعد العدل والمساواة…

تتزامن الخطوة الحالية لعودة قيادات من حركة العدل والمساواة بحدثين مهمين لايمكن تجاوزهما في قراءة الواقع…. اولهما الهزيمة التي تلقتها الحركات المتمردة قبل 10 أيام.. والثانية..اعلان حكومة الوفاق الوطني في بدايات مايوالماضي بمشاركة احزاب وحركات..أبرز  تلك الاحزاب.  المؤتمر الشعبي…»المتعهد» بحل مشكلة دارفور في فترة زمنية وجيزة….و اول قرار سيتخذ في القصر الجمهوري بحضورهم هو حل مشكلة دارفور… وامس الاول حطت طائرة تاركو في مطار الخرطوم حاملة على متنها قيادات عليا من حركة العدل والمساوة عبر مبادرة للسلام…. قد لا تبدو عودتهم للخرطوم غريبة بوصفهم من القيادات التي ظلت تدعو إلى وقف الحرب والاقتتال في دارفور..وللعلاقات التاريخية القوية وهم كانوا من اعضاء المؤتمر الشعبي قبل أن يعلنوا انضمامهم للحركات المسلحة والانحياز لقضية أهلهم …. ظل هؤلاء على اتصال بشيخهم الراحل د/الترابي حتى اعتبرت الحكومة حركة «العدل والمساواة» الجناح العسكري للمؤتمر الشعبي رغم نفيه المتكرر لذلك…. كما كانت هناك قناعة لكثير من المراقبين مفادها أن صراع الإسلاميين كان سبباً في ظهور مشكلة دارفور ومنذئذٍ ظلت قياداتها تتحدث عن مشكلة تهميش المركز للأطراف…ولهذا السبب ظل الربط بين الإسلاميين ومشكلة دارفور، ويرون أن الحل يكمن في اقتناع هذه المجموعات بضرورة الجلوس والتفاوض من أجل السلام…اتضحت الرؤية الان بعد التقاربات بين الوطني والشعبي وامكانية اسهام الثاني في حل قضية دارفور…
  المحطة الحالية…
المحطة الحالية هي الابرز في سلام دارفور ..بقيادة الرئيس التشادي ادريس دبي …فالملفات التي يحملها الرئيس التشادي تتضمن تأكيدات بإنهاء حقبة طويلة من التمرد المسلح وجنوح فصائل ومجموعات تتضمن ذات ثقل…ك»جاموس وحامد»… والرئيس دبي تعامل بحنكة وقوة في ادارة الملف بإنتقال سلس وايجابي لتكون محطة العدل والمساواة هي الكفة التي ترجح على امكانية احلال سلام بدارفور.. ولتشاد دور تأريخي في معالجة اوضاع اقليم دارفور والسلام… ويعزز ذلك وجود اواصر ووشائج الدم والمصاهرة بين الشعبين .. بالاضافة الى ان استقرارتشاد يعني استقرار السودان والعكس صحيح…. واي توتر بين البلدين يؤثر على الآخر… وبدأت مجهودات الرئيس التشادي ادريس دبي اتنو على عدة محطات.. المحطة الأولى بدأت بتوقيع اتفاق ابشى الاول بين الحكومة السودانية وحركة تحرير السودان في مدينة ابشى  الواقعة داخل الحدود التشادية، في سبتمبر 2003م وبالرغم من ان العلاقات بين البلدين وصلت الى مرحلة «حرجة» في اوقات سابقة الا ان الاتفاق الشهير الذي تم توقيعه بين البشير ودبي في المملكة العربية السعودية اعاد المياه الي مجاريها بين انجمينا والخرطوم واول ماقام به إدريس دبي هو طرد الحركات المسلحة من اراضيه التي كانت تمثل العمق الاستراتيجي للحركات المسلحة ورفضت انجمينا استقبال الرئيس الراحل لحركة العدل والمساواة الدكتور خليل ابراهيم بعد رفضه التوقيع في وثيقة الدوحة …مما جعله يغير وجهته الي ليبيا حتي حوصر فيها بعد اندلاع الثورة الليبية قبل ان يتمكن من الخروج منها في عملية اطلقت عليها حركة العدل والمساواة «بوثبة الصحراء» … تطور هذا الاتفاق الي حد التعاون بين البلدين وتكوين قوات مشتركة لحراسة الحدود بين البلدين منعاً لأي نشاط عسكري معادي وتسهيل عملية انسياب القوافل التجارية بين البلدين ..
قوة المبادرة..
تميزت تصريحات العائدين بتأكيدات الانحياز الكامل للسلام…حيث قال المهندس أبوبكر حامد نور أمين التنظيم والإدارة بحركة العدل والمساواة
«إنهم بعودتهم يرسون أدباً جديداً لتحقيق السلام والأمن والاستقرار في السودان بإرادة سودانية خالصة وبدون أي تدخلات خارجية، مبيناً أن هناك العديد من قيادات الحركة العسكرية والسياسية سيعودون للبلاد بعد التأكد من تنفيذ مبادرتهم للسلام»، موضحاً أنها تشتمل على شقين: اجتماعي يهدف لمعالجة آثار الحرب وتحقيق التنمية ورتق النسيج الاجتماعي، وآخر سياسي، تؤيد فيه المبادرة مخرجات الحوار الوطني والوثيقة الوطنية، مشدداً على عمل قيادات الحركة مع مختلف القوى السياسية لتنفيذ مخرجات الحوارالوطني…مشيراً الى امتلاكهم رؤية لتحقيق السلام والأمن والاستقرار في ربوع السودان والانتقال بالوطن لمرحلة جديدة يودع فيها الحرب والتنازع والتنافر ويعبرون به نحو الاستقرار والتنمية.
وأكد الشيخ سليمان محمد جاموس، أمين الشؤون الإنسانية بالحركة أن عودتهم للوطن تهدف لدعم تحقيق الأمن والسلام والاستقرار والتنمية.
ملأ القيادي سليمان جاموس الدنيا ضجيجاً من خلال ما تناولته وسائل الإعلام عنه بعد خروجه من الخرطوم …فالرجل كان يشغل مناصب رفيعة في الحكومة قبل المفاصلة الشهيرة بين الاسلاميين…»متمرد» التحق بحركة العدل والمساواة بعد أعوام قضاها في حركة تحرير السودان وهو احد مؤسسيها لكنه انشق عنها.. وكمايقول بسبب تقديمها التنازلات من جهة، وبسبب أدائها الذي لم يعد يتلائم مع منطق وحدة حركات التمرد …وزادت حدة التوتر بين القيادات الميدانية لحركة العدل والمساواة عند انضمام الأخير بسبب ما أسموه بالمحاباة التي يتمتع بها القيادي جاموس الذي التحق بالحركة مؤخراً مما حدا بعدد منهم رفع مذكرة لخليل إبراهيم رئيس الحركة تطالبه من خلالها بأهمية تقليص صلاحياته خاصة في الجانب الميداني ، مشيرين إلى أن انضمام جاموس الذي وجد منذ البداية معارضة من بعض القيادات الميدانية بالحركة وتوسعت دائرة رفضه داخل الحركة بما أسموه ب»القادمين الجدد وقدامى المحاربين».
الحكمة.. وتقدم العمر…
بدا تقدم العمر واضحا على ملامحه..وبدأ حديثه بعبارات ثابتة تدل على حكمة وخبرة في العمر… وهو يقف على صالة مطار الخرطوم… ولد سليمان جاموس في دار زغاوة بقرية «أنكا»، التي تبعد نحو «100» كيلو متر شمال مدينة «كتم» ثاني أكبر مدن شمال دارفور، من والدين يمتهنان الزراعة بالإضافة لرعي الإبل والضأن…درس جاموس القرآن الكريم كما روى عن نفسه في مدرسة قرآنية في قريته «أنكا» والمعروفة «بالخلوة» وحفظ أربعة أجزاء منه قبل أن يدخل المدارس المحلية أو الصغرى، وهناك «فك الخط» كما يقال أي تعلم القراءة والكتابة، وانتقل جاموس من مسقط رأسه «أنكا» إلى مدرسة «ذات الرأسين» الابتدائية في «كتم» لدراسة المرحلة الابتدائية، ومنها انتقل بتقدير نجاح عالي إلى المدرسة الصناعية الوسطى في مدينة نيالا في جنوب دارفور في الفترة من 1960 وحتى العام 1964 ومنها إلى العاصمة الخرطوم «لأول مرة» ليلتحق بالمعهد الفني «جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا الآن» حيث درس الهندسة الميكانيكية، وحصل منها على درجة الدبلوم في العام 1968، وقبل تخرجه، وتحديدا في العام 1964 انتمى جاموس للحركة الاسلامية في السودان بزعامة الدكتور حسن الترابي، والتي تطلق على نفسها في تلك الفترة اسم «جبهة الميثاق»، وقام بتجنيده المرحوم سليمان مصطفى ابكر أثناء زيارة خلال عطلة صيفية قام بها إلى قرية «امبرو» في شمال دارفور، واستمر جاموس في صفوف الحركة الإسلامية إلى أن وصلت إلى السلطة عبر ثورة الإنقاذ …حتى المفاصلة الشهيرة … واختار جاموس الانضمام إلى صف الترابي الذي أسس حزب المؤتمر الشعبي،
و عندما أسست الحكومة نظام المؤتمرات الشعبية على شاكلة ما هو موجود في ليبيا، اختاره سكان حي «امبدة» في ام درمان عضوا في مجلس المدينة ، وتم اختياره في العام 1996 رئيسا لمحلية « الامير».
الاتجاه الى العمل المسلح…
في 7 أكتوبر عام 2003 قرر جاموس الانضمام إلى حركة تحرير السودان المسلحة في دارفور فاستقل طائرة ركاب في سفرية عادية من الخرطوم إلى مدينة الفاشر دون أن يخطر احدا «حتى أسرته»، ومنها تسلل سراً إلى مواقع الحركة في 10 أكتوبر 2003. ويقول: «التحقت بالحركة وذهبت مباشرة إلى حقل العمل الإنساني لاعتقادي بان المواطن في أمس الحاجة إلى العون الإنساني». وحين بدأت الخلافات تدب بيني ومني اركو مناوي الذي كان يشغل منصب الأمين العام لحركة تحرير السودان، في ابريل 2006، قبيل انشقاق الحركة إلى قسمين، كان لجاموس رأي معارض لاتفاقية السلام بعكس رأى مناوي ، وفى مؤتمر «حسكنيتة» الشهير «2006» الذي حضره مسؤولون أميركيون ومساعدون لوزيرة الخارجية الأميركية بالإضافة للسفير الليبي الذي كان السفير العربي الوحيد حضورا في المؤتمر داخل قرية»حسكنيتة» الصغيرة في دارفور التي تعد احد معاقل الحركة وسط الصحراء ، برز الخلاف واضحاً بين مناوي وجاموس إلى حد أن أنصار هذا الأخير قاموا بترشيحه لرئاسة حركة تحرير السودان دعما لمواقفه القوية من مناوي وعملية السلام.. تم اعتقال جاموس بعد مؤتمر حسكنيتة في محبس «بئر مزة» حيث إصابته ألآم انزلاق غضروفي تعرض له في وقت سابق، وساءت أوضاعه الصحية مما استدعى الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى التي ظلت تتعامل معه كرجل الخدمات الإنسانية في مواقع الحركات المسلحة والقرى المجاورة للتحرك لإنقاذه صحياً، يعتقد جاموس الان ان الحرب لا تحل مشكلة دارفور…وبالرغم عن نفي حركة العدل والمساواة بانشقاق قيادات وانضمامها للسلام في بيان صدر امس.. الا ان قيادات بثقل سليمان جاموس وابوبكر حامد يعد مكسباً وخطوة اولى لحكومة الوفاق الوطني في مسيرة السلام… فواقع الحركة الان يدفعها نحو احتمالين لا ثالث لهما… إما أن تقبل بقواعد الواقع والجلوس على طاولة التفاوض…او الاستسلام للانشقاقات المتكررة….

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق