الخميس، 17 يناير 2019

رسالة الساحة الخضراء ، الراسل والمُرسل والمضمون!

ربما أصابت الدهشة الكثيرون ممن يجهلون في واقع الأمر طبيعة مجريات الأمور في السودان، ففي صبيحة الأربعاء الماضي، التاسع من يناير 2019 كانت العاصمة السودانية الخرطوم تدفع المئات والآلاف من المواطنين السودانيين، بمختلف سحناتهم وعلى اختلاف ألوانهم وأعمارهم و ملامحهم نحو الساحة الخضراء.
وربما ألجمت الدهشة ألسن الكثيرين الذين رأوا العشرات من السودانيين -وهم راجلين- يسيرون على أقدامهم سيراً حثيثاً لبلوغ الساحة الفسيحة التى تمتد على مساحة تفوق العشرة فدان شرقي الخرطوم ، الى الجنوب من مطار الخرطوم.
قليلون هم الذين حملتهم عربات النقل المتوسطة و الكبيرة أو فلنقل فاق الراجلين عدد الذين حملتهم عربات النقل إلى أرجاء الساحة ، وكأني بهؤلاء الراجلين يؤكدون ان الدافع الأساسي الوحيد للاحتشاد هناك هو حرص منهم على المحافظة على ممسكات الاستقرار وتمتين سياج الأمان قدرة الإمكان.
احد مر اسلي وكالة أوربية تطلع إلى الأعداد التى كانت وصلت بالفعل إلى الساحة و كانت الساعة تشير الى العاشرة و النصف صباحاً بتوقيت السودان, قال بثقة كاملة (إنهم يقاربون الـ900 ألف) وأضاف من الممكن ان يبلغوا بل يفوقوا المليون بمرور الوقت. سألته مستغرباً كيف تسنى له تقدير العدد بهذه السهولة؟ أجاب بسرعة (هي التجربة، فاذا نظرات إلى مساحة الميدان طولاً وعرضاً ثم تأملت انعدام المسافات بين المحتشدين فإنك بالضرورة وبتضريبة يسيرة ستصل إلى النتيجة).
وبالطبع جاريت الرجل في خبرته الحسابية فأطلت النظر في الميدان وأدركت كم هو محق، وزاد من ثقتي في خبرته أنه طرف محايد، فهو على الأقل يحمل جنسية أوربية، و الأمر لا يهمه كثيراً. وحين تقاطرت بقية الجموع، و انتصف النهار الشتوية الدافئ في العاصمة السودانية كانت الخرطوم كأنها (بالكامل) في الساحة الخضراء عمائم الرجال البيضاء وأثواب النساء الملونة والبيضاء وشباب وشيب!
كل الفئات العمرية كانت هناك. وكل هؤلاء قضوا ما يجاوز الـ3 ساعات دون ان ترى اية خدمات تقدم لهم، فهم اذن (لم ينظمهم) أحد ولا تولي إدارة شأنهم أحد و ليسوا من حزب واحد او سحنة سياسية بعينها! الأصوات المنبعثة منهم موحدة مع ارتفاع أعلام سودانية فوق أيديهم ورؤوسهم نساء ورجالا.
المشهد كان مدهشاً ولكن الحقيقة التى ربما فاتت على الكثيرين ان هؤلاء المواطنين سودانيين جاءوا للعض على أمن واستقرار السودان، وترسيخ وثيقة الحوار الوطني، احد أقوى ممسكات استقرار السودان، هذه الوثيقة التى جاءت بحكومة الوفاق وبدأت بحل المشاكل المزمنة في السودان.
لم يكن الأمر (مكايدة) او غيظاً لأحد ولا كان طعناً في شرف أحد ولا استهانة بالقضايا الاقتصادية و ضرورة ان تجد الحل الناجع ولا قال قائل منهم للرئيس البشير أنت على حق او أننا معك مهما كانت الظروف، كانوا فقط يؤكدون أنهم يمسكون بوثيقة وطنية تاريخية عصمت دماء السودانيين وحاصرت الحروب على الأطراف و حافظ على بيضة الدولة السودانية، و من المؤكد ان شعوب العالم وصلتها رسالة الساحة الخضراء، فهي رسالة موجزة وصادقة: ألا مجال للعبث بالاستقرار مهما كانت الثمن وان السودانيين يتعظون بتجارب الآخرين!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق