الأربعاء، 6 مارس 2019

سقوط الربيع العربي في النيلين بالسودان

عندما تتلاعب الجزيرة والعربية والميادين بالحقيقة السودان تغرق الربيع العربي في النيلين
اعلن البشير الرئيس السوداني حالة الطواريء لمدة عام قادم واستبدل حكومة التوافق الوطني بحكومة ثكنوقراط و حل الحكومات الولائية واستبقى وزير الدفاع والداخلية والعدل والخارجية.. ودعا الى حوار وطني شامل واوقف مناقشة المقترحات الدستورية في البرلمان.. ويبدو انه يريد نقل البلد الى دائرة من التفاعلات المختلفة والخروج من لغة التماحك السياسي التي وجدت سبيلها مؤخرا.
حلت بنا الطائرة ظهرا مطار الخرطوم ولا أكتمكم أنني توقعت عدم القدرة على الخروج من حيز المطار فلقد أشبعتني قناة الجزيرة والحدث والعربية والميادين أخبارا عن مسيرات ومظاهرات تحتل الميادين والشوارع واشتباكات عنيفة مع السلطة ومسيرات نحو القصر الجمهوري ومطالبات بإسقاط النظام..
وصلت بسلام الى الفندق دون ان تشاهد عيناي أي مظهر من مظاهر التوتر.. ولمدة أربعة أيام أتعمد التنقل في أم درمان وبحري والجزيرة والخرطوم أتفحص الناس والشوارع والمحلات الكبرى والمطاعم والمتنزهات ومحطات الحافلات والأسواق فلم أجد ما يمكن ان ينبئني على ان هناك شيء غير عادي قد وقع.. وقبل يومين كنت أتابع قناة الجزيرة من الفندق فسمعت وشاهدت مظاهرات في بحري فأسرعت مهرولا لكي أشاهد المنظر عن كثب.. وصلت بعد دقائق قليلة الى المكان لم أشاهد شيئا أبدا فاقتربت من بعض الشبان في المكان وسألتهم ان كان هناك شيء من الاحتجاجات والمظاهرات فأجابوني نعم تجمع هنا قبل دقائق عشرات الشباب يهتفون وانفض اجتماعهم بسلام بعد دقائق قليلة فتأكدت انه عند متابعتي للجزيرة شاهدت صورا قديمة تبث كل مرة!!
وبالامس عقد الصادق المهدي مؤتمرا صحفيا وهو السياسي السوداني المخضرم والمعارض المتزعم المعارضة في المطالبة بحكومة انتقالية.. أكد الصادق المهدي في مؤتمره على القول بان الشعب لا يريد إسقاط النظام إنما يريد إجراءات ديمقراطية للانتقال الى مرحلة جديدة من خلال عملية ديمقراطية تبدأ بحكومة تحالف وطني.. وحذر من العنف والتخريب الأمر الذي يمكن اعتباره إدراكا من قبل الصادق المهدي بصعوبة إحداث أي تغيير عن طريق العنف الشعبي غير المتوفر.. وقد يكون التقط إشارات تفيده بعدم جدوى موقفه المتطرف.
هذا وقد سبق لتحالف الأحزاب السودانية ان كانت قد طالبت بحل الحكومة والبرلمان وتشكيل حكومة انتقالية الا أنها لم تتقدم خطوة منذ ذلك الإعلان وبقي الأمر يدور حول خروج عشرات الأشخاص هنا وهناك تابعين لليسار وحزب عبدالواحد نور وبعض المجموعات الحزبية الفسيفسائية وهنا لابد من الإشارة الى ان عدد الأحزاب في السودان زاد عن المائة حزب.. وتتمتع الصحافة السودانية بحريات واسعة وبتنوع فائق ويعقد المعارضون مؤتمراتهم الصحفية بلا أي تخوف.. ورغم تجاوزات مست الأملاك العامة والخاصة في بعض الولايات الا ان الاعتقالات التي طالت عشرات الطلبة في الخرطوم انتهت بان تم الإفراج عن معظمهم بتدخلات من قبل الاتحاد الطلابي السوداني.
ولكن حتى لا يذهب الظن أنني انفي وجود أي معارضة أسرع الى القول ان هناك تحركات حقيقية للحزب الشيوعي السوداني وهو يتحرك بكل فعاليته رافعا شعارات اجتماعية مطالبا بإسقاط النظام وقد تم اعتقال مجموعة من تنظيمه الطلابي و ضبطت معهم عشرات المسدسات وألف طلقة رصاص كما أفادت أجهزة الأمن السودانية.
وهناك أحزاب معروفة بارتباطها بإسرائيل مثل حزب عبد الواحد نور الذي ضبط من عناصره أشخاص يقومون بإحراق بعض المحلات في بورسودان و النيل الأزرق وهناك مجموعات غير معروفة الولاء تقوم بتحريك نشط للفيسبوك وأدوات التواصل الاجتماعي بشكل واسع..
وفي نشاطات محدودة يتحرك عشرات الأشخاص التابعين لهذا الحزب او ذاك هنا او هناك لفترة زمنية محدودة إظهارا للاحتجاجات ومطالبة بتغيير النظام او إسقاطه وسريعا ينفض الاجتماع او التظاهرة.
كان لابد من الالتقاء بجهات رسمية لمناقشة الرواية التي تطلقها قناة الجزيرة وقناة الحدث و قناة العربية وكذا الميادين.. بعد ان كادت مشاهداتي ولقاءاتي في الميادين و الشوارع تنتهي الى نتيجة ان المظاهرات محصورة ومحددة ومتضائلة فكان لقائي مع شخصيات معتبرة في وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية ووزير الإعلام وبعض مسئولي الصحف ونقيب الصحفيين والأمين العام للصحفيين ومسئول الإعلام الخارجي.. وذلك للاطلاع على الرواية الرسمية للحكومة السودانية ومناقشتهم فيما انتهى إلى مسامعنا.
لم ينكر احد من المسئولين الذين التقيتهم ان هناك أزمة وتذمر من ارتفاع الأسعار وتدهور سعر العملة الصعبة وهم يحيلون ذلك الى مواصلة الحصار والعقوبات على السودان الذي لازالت تمارسه الدول الغربية تجاه السودان والى شح الموارد المالية لاسيما بعد انفصال الجنوب بثروته النفطية والى تعطل عمليات التنقيب عن النفط في السودان وأيضا الى تعثر عمليات الاستثمار التي هيئت لها الدولة كل الشروط الا ان الحصار فرض واقعا مختلا أمام الاستثمار.. ويحيلون الأحداث إلى بداياتها عندما حصل نقص في كميات الدقيق الموجهة إلى ولاية بورسودان والنيل الأزرق الأمر الذي فجر احتجاجات عنفية وصلت الى تخريب ممتلكات عامة أنفقت عليها الدولة ملايين الدولارات وكذلك ممتلكات خاصة لعوام الناس.. سارعت الدولة لتدارك الموقف بان تم ارسال كميات إضافية من الحبوب الى الولايات المتضررة مع العلم أن الدولة تدعم الخبز بأكثر من 80 بالمائة من سعره الإجمالي إلا آن الإحداث انتقلت شيئا فشيئا الى الخرطوم وام درمان وبحري.. ولكن بشعارات مسيسة متجاوزة المطالبة بتحسين المعيشة وبإصلاحات الى المطالبة برحيل النظام..
لا يخفي المسئولون السودانيون ان هناك إحساس بالغ بان مؤامرة تستهدف السودان خاصة بعد ان أصبح السودان في الإقليم هو الأكثر استقرارا وأمنا بعد ان فجرت ليبيا والصومال واليمن.. ولا يزال السودان بثباته على مواقفه السياسية الواضحة تجاه قضية فلسطين والقضايا العربية العادلة.. هذا على المستوى السياسي وعلى المستوى الجيوبوليتيك فمن الواضح ان السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي ورغم انه قدم تنازلات عديدة في النأي عن التحالفات التي تعتبرها أمريكا معادية الا انه بقي ضمن دائرة الاستهداف لتفتيته وتقسيمه مجددا.
وحول الاشتباكات مع التظاهرات التي انطلقت في أكثر من مكان ووقوع بعض الإصابات اكد المسئولون السودانيون ومن خلال تحقيقات بين أيديهم ووثائق مصورة أطلعونا عليها "بان الرصاص الذي استهدف متظاهرين كان بفعل أشخاص شيوعيين اندسوا في المظاهرات ومعهم مسدسات في حين يمنع منعا باتا على أفراد الشرطة حمل سلاح في مواجهة المتظاهرين مكتفين بالمياه والقنابل الغازية في اشد الظروف الأمر الذي كلفنا شهداء من الشرطة برصاص المندسين في المظاهرات.. وعند حجز عشرات الطلبة ومن خلال مراجعات وتبيين الصورة لهم توصلنا الى رؤية مشتركة لإدانة العنف والتخريب وعلى ذلك تم الإفراج عنهم مباشرة".
وبوضوح يحيل المسئولون السودانيون التهويل في تصوير الأحداث في الخارج الى ما تقوم به قناة الجزيرة والحدث والعربية وبعض الوسائل الإعلامية التي تشتغل بأجندات ليس من صالحها استقرار السودان وأمنه.
في هذه الأثناء أعلنت الحكومة رسميا رفضها أي مبادرة لحل الأزمة خارج الطر الشرعية.. ولقد اسقط في يد اليساريين واليمينيين من جماعة الميرغني والمهدي ان المبعوث الأمريكي للخرطوم وعلى ضوء تقارير أمنية استخباراتية للسفارة الأمريكية أعلن بوضوح عدم جدوى الحراك الذي تعلنه الأحزاب السودانية وانه لن يكون هناك أي تدخل خارجي في الشأن السوداني.
بعد جولة لخمسة ايام في الشارع السوداني ولقاءات مع المواطنين والمسئولين تبين لنا ان الجميع يشتركون في الحديث عن أزمة معيشية صعبة وان هناك ظروفا تستدعي تحركات جادة وعاجلة وحكيمة لتدارك الموقف الامر هنا يحتاج الى حزم في متابعة الإجراءات والخطط.. و هناك لدى الجميع حرص كبير على ان لا تنزلق الأمور فنموذج ليبيا وسورية والصومال واليمن حاضر تماما في ذهن السودانيين.
ومن اهم ملاحظاتي على المشهد السوداني ان الحياة العامة تسير بوتيرة طبيعية رغم ان هناك ظروفا معيشية واضح انها تلقي بثقلها على المواطنين ولكن يبدو واضحا ان الحكومة السودانية متحكمة في الأوضاع تماما وأمورها تسير بانسيابية حيث زرت العديد من المرافق فكان الوضع هادئا ومشغولا بالأعمال الإدارية..
ورغم فتحها الأبواب واسعة للإعلام والتحركات السياسية الا انها تمسك بخيوط الوضع الأمني تماما وهي مصرة على عدم التعسف في استخدام القانون لمواجهة المحتجين والأحزاب لاسيما ان الأحزاب السياسية قد وقعت اتفاقيات في إطار الحوار الوطني تنبذ العنف في العمل السياسي وتؤكد على سلمية العمل الحزبي وان لا بديل عن ذلك وهنا تلوح الحكومة بإجراءات قد تتخذ ضد الأحزاب التي تدعو الى العنف وتحرض عليه.
في السودان كان تماسك الحكومة وأجهزتها ومقابلتها للعنف الذي يمارسه اليساريون والأحزاب المرتبطة بإسرائيل بمزيد من الهدوء والحزم جعل الخرطوم تمسك بخناق الربيع العربي تغرقه في النيل الأبيض والنيل الأزرق.. ولكن المطلوب من الحكومة النهوض بقوة وسرعة وحزم للتخفيف عن الشعب في معيشتهم سيرا الى الانتخابات الرئاسية القريبة جدا.وهذا ما يلوح به البشير ان لا تغيير عبر تويتر ولا الفيسبوك إنما فقط عبر صناديق الانتخابات..
نودع السودان مع إحساسنا بموت الربيع العربي ومع أمنياتنا ان يحمي البلد من فتن أخرى كما نسأله سبحانه ان يحمي بلاد العرب والمسلمين وان يمنح الحكام مزيدا من الحزم والرأفة للتخفيف عن الناس.. تولانا الله برحمته
الاحزاب في السودان
في السودان يوجد قرابة 100 حزب سياسي، بعضها قديم نشأ مع الاستقلال في بداية خمسينات القرن الماضي، وبعضها هو نتاج انقسامات داخلية حدثت في الحزب الواحد، أو تطورا لحركة سياسية برزت لرفع مطلب سياسي أو أيدلوجي معين.
الحزب الحاكم حزب المؤتمر الوطني
يأتي في مقدمة الأحزاب السودانية، حزب المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم في السودان، والذي يقوده عمر حسن البشير، حيث برز في عام 2000، بعد المفاصلة مع الشيخ حسن الترابي، والتي شكلت حزب المؤتمر السوداني لينفصل الحزب إلى مؤتمر وطني بقيادة البشير، ومؤتمر شعبي برئاسة حسن الترابي.
وعلى الرغم من انقسام الحزب لحزبين أحدهما يتولى السلطة، والثاني يعبر عن الإسلاميين في السودان، وأحد أقطاب المعارضة حاليا، إلا أن تكوين حزب «المؤتمر الوطني» لم يخلو من القيادات الاسلامية التاريخية وضم عدد من قادة الحركة الإسلامية الذين يصفهم البعض بأنهم «تلاميذ الترابي»، ومن أبرزهم الدكتور غازي صلاح الدين مستشار رئيس الجمهورية وعلى عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية وغيرهم...ويشغل الحزب معظم مقاعد البرلمان السوداني.
حزب المؤتمر الشعبي
يتشكل حزب المؤتمر الشعبي وأسسه الشيخ حسن الترابي، بعد خلافه مع الرئيس عمر البشير..عقب الإعلان انضم عدد ممن يسمون أنفسهم بـ«شيوخ الحركة الإسلامية في السودان» للحزب أمثال إبراهيم السنوسي وأحمد عبد الرحمن ويس عمر الإمام.. ومن المعلوم ان الشيخ حسن الترابي هو مؤسس الحركة الاسلامية بالسودان منذ منتصف القرن الماضي وقد تقلد مناصب عليا كالنائب العام ووزير الخارجية وتعرض للاعتقالات مرارا.
وللمؤتمر الشعبي حضور بارز واتخذ موقف المعارضة للنظام الحاكم ولكنه استجاب لدعوة الحوار الوطني وشارك فيها واسهم في انجاحها الى حد كبير
«الأمة» حزب الثورة المهدية
يعد حزب الأمة السودانية من أقدم الأحزاب السودانية، حيث أنه موجود من قبل انفصال السودان ومصر السودان وقبل طرد الاحتلال البريطاني، ويعتبر هو الواجهة السياسية لطائفة الانصار الذين استمدوا اسمهم من تأييد «الإمام محمد أحمد المهدي» الذي قاد ثورة ضد الحكم التركي في القرن التاسع عشر.
ويستمد الحزب قوته من تراث مؤسسيه الذي أشعلوا فتيل الثورة المهدية التي أسست دولة حكمت السودان ما بين 1885 إلى 1898، وسقطت على يد الاستعمار البريطاني.
تولي الصادق المهدي رئيس حزب الأمة وحفيد الإمام المهدي رئاسة وزراء السودان مرتين؛ الأولى عام 1965 لكن حكومته فقدت الثقة بعد عدة أشهر،
الاتحاد الديمقراطي
من أكثر الأحزاب المعارضة التقليدية في السودان بعد حزب الأمة، يأتي حزب الاتحاد الديمقراطي، والذي كان شريكا رئيسا لحزب الأمة في الحكم قبل الإطاحة بهما معا على يد البشير.
تأسس الحزب نتيجة تحالف بين الحزب الوطني الاتحادي، وحزب الشعب الديمقراطي، ويتمتع رئيس الحزب وراعي الطريقة الختمية «طريقة صوفية» محمد عثمان الميرغني بنفوذ ديني كبير في السودان وخاصة في شماله وشرقه.
الشيوعي السوداني
من أكثر الأحزاب اليسارية شهرة في السودان، وسبق تأسيسه استقلال السودان، حيث أعلن سنة 1946، شارك الحزب في محاولة انقلاب فاشلة في عام 1979 ضد نظام الرئيس السوداني السابق جعفر النميري، وعلى إثره تم إعدام أهم قادة الحزب مثل جوزيف قرنق، وعبد الخالق محجوب وهاشم العطا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق