الخميس، 22 أكتوبر 2015

حوار مع الذي يستحق

ليس من المنطق القول أو الزعم بأن تتمرد علي الدولة و تحمل السلاح في السودان ليست لها من سند وقوى شعبية.
قد تتفاوت حصص هذه القوى وحظها من السند الشعبي ولكنه موجود.
والجبهة الثورية قوة لها من هذا نصيب.
اليوم بات هذه الجبهة على شفا الهاوية والتشرذم التشظي بل لقد انقسمت فعلياً واستبان أنها تقوم على قواعد قوية من العنصرية و الجهوية والديكتاتورية التي أسهمت في المهابة غير المتوقعة والتي تتفاعل حالياً على خطوات الإنقسام والصراع على القيادة.
الشماتة في الجبهة الثورية وقطاع الشمال يصلح فعلاً شخصياً ولكنه ليس بالفعل السياسي السليم.
هذه صفة من حقها أن تحارب إذا وجدت وأين ما وجدت.
الفرصة السانحة اليوم لسلام حقيقي هي أن تقبل الحكومة والدولة السودانية والقوى السياسية الفاعلة على حوار حقيقي مع من يستحقون أن يحاوروا وهم أهل المناطق التي انتشر فيها العنف وأثرت فيها الحركات المسلحة.
لا قيمة سياسية لكثير من القادة والفصائل الضالعة في الحرب و القتال.
القيمة الفعلية تكمن في الإنسان والمواطن الذي يظن ويعتقد أنه مهمش سواء بقناعة راسخة وحقيقية أو بأثر من القوى المعارضة.
دعوى التهميش نفخت فيها آلة بالمعارضة بشدة وجعلت منها واقعاً مؤثراً ليس بفعلها فقط بل لحقيقة وجود من يظن أنه مهمش.
الحوار الحقيقي اليوم هو حوار مع المواطن في دارفور وفي النيل الأزرق وفي جبال النوبة.
خطاب يعتمد على القبول بالفكر الذي يسود الإيمان بحق كل مواطن أن يعتقد ما يظن صحته مع حقه في أن يحاور في الذي يؤمن به وأن يتم التوصل معه إلى تفاهم وتوافق يفضي إلى نسيج واحد متضامن يحارب هذه المعاني إذا وجدت وينظف السودان من التهميش إذا وجد ومن معانيه إذا سادت بين مواطنين بالحق وبالباطل.
الحركات المسلحة لم تكن في يوم مفوضة بأمن المواطنين ولم تحسن التعامل مع إدعاءات كثيرة ساقتها وأولي بها الحكومة التي هي حكومة كل مواطن سوداني مهمش أو غير مهمش في كاودا أو الفاشر أبو أبو حمد .. ففي كل هذه المواقع من يعاني فقراً وبؤساً ومن ينشد مشاركة و حقوقاً ومن عليه واجبات لابد أن يؤديها.
سكتة السلاح ستكون فرصة مواتية لإصلاح جذري والوطن يسع الجميع.

جبريل إبراهيم .. متمرد صنعته الأقدار

مرة أخرى اتجهت إليه الأنظار كقائد، عقب صراعات عنيفة دارت باروقة الجبهة الثورية، خرج إلى الضوء البيان الممهور بتوقيع مسؤول الإعلام بالثورية التوم هجو، وبحسب مراقبين فإن صعود رئيس العدل والمساواة جبريل إبراهيم لرئاسة الجبهة خلفاً لمالك عقار تعني أن يتصدر ملف دارفور الملفات الأخرى، وربما كان هذا هو السبب في خوض أبناء دارفور بالجبهة صراعات عنيفة لتقديم الرجل للمرة الثانية للقيادة..
٭ جبريل المولود في 1955 بقرية الطينة المحازية للحدود السودانية التشادية بولاية شمال دارفور درس الابتدائية والثانوية بدارفور وظل مقيما بها حتى غادر إلى الخرطوم ملتحقاً بكلية الاقتصاد جامعة الخرطوم والتي تخرج فيها في 1979م، وبعدها أمضى الرجل سبعة أعوام في اليابان حصل خلالها على الماجستير والدكتوراة.. وغادر إلى المملكة السعودية وإتجه إلى تدريس الاقتصاد بجامعة محمد بن سعود، وفي 1992 حزم جبريل حقائبه عائداً إلى السودان، وعمل على تأسيس شركة عزة للطيران،  وترأس مجلس إدراتها  لثماني سنوات.. ليغادر إلى الإمارات في 2001م ويعمل مديراً لإحدى شركات الشحن الجوي، ويعتقد الكثيرون أنه في ذلك الوقت قد دفعته الخرطوم لينضم إلى صفوف التمرد عندما استجابت الإمارات لطلبها بإبعاد جبريل من أراضيها.
٭ عقلية إقتصادية
يتمتع جبريل بصلات وعلاقات قوية بالإسلاميين وقيادات المؤتمر الوطني والحكومة، وكان يدير كثير من الملفات للاسلاميين خاصة الاستثمارية والاقتصادية فالرجل صاحب أموال طائلة ويملك شركة طيران بمدينة دبي، ويتردد أن جبريل كان من أنصار قدوم زعيم القاعدة أسامه بن لادن للخرطوم، حتي أنه يقال إن جبريل كان أحد مستقبلي بن لادن عند وصوله الخرطوم، وكان معه مدير جهاز الأمن والمخابرات السابق صلاح عبد الله (قوش).. وحتى قوة العدل والمساواة كان وراؤها جبريل الذي كان العقل الإقتصادي للحركة، وظل يستثمر لها أموالها التي كان يمنحها لها الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.. ويدور همس أن للرجل استثمارات في عدد من الدول الأفريقية، وتتندر قيادات بالحركات أن جبريل أبان مفاوضات أبوجا كان يبحث عن فرص استثمارية بنيجيريا.
٭ بيعة الترابي والقيادة
أفلح رئيس العدل والمساواة د. خليل إبراهيم في اقناع شقيقه بالانضمام إلى الحركة، فجبريل رفض التحلل من بيعة د. حسن الترابي والانسلاخ من الشعبي إلى الحركة المسلحة بحسب القيادي بالعدل والمساواة المنحازة للسلام حالياً، أيوب اسحاق، ليتولى الأمانة الخارجية بالحركة، ثم يصبح مستشارها للأمانة الاقتصادية، ليتم تكليفه بملف قسمة الثروة بمفاوضات ابوجا .. وعقب انهيار التفاوض مع الحكومة، دخل جبريل في  2006 مدينة الضباب بتأشيرة على جواز لاجئ وتزوج ببريطانيا وظل مقيما ً بها لخمس سنوات .. وفي 2011 رحل مؤسس الحركة شقيقه خليل فاتجهت الأنظار نحوه وبالفعل خلف شقيقه، عقب صراعات عنيفة ومواجهات شرسة بين قياداتها الميدانية التي رأت أن جبريل يفتقر لقوة الشخصية التي كان يتمتع بها خليل.
٭ البصمات السوداء
لم يحقق جبريل في منصبه الجديد إنجازاً يذكر، بل إن أياديه تلطخت بالدماء والتصفيات الجسدية لكل من يخالفه الرأي أو يبدي رغبة في الانحياز لوثيقة سلام الدوحة والعودة إلى الخرطوم، ويقول أيوب القائد الميداني بالحركة في ذلك الوقت إن جبريل قام بعمل تكتيكي لقتل محمد بشر ورجاله عندما قرروا الانحياز للسلام، واصفاً إياه بمعرقل السلام، وأنه قام بإصدار تعليماته لقواته الميدانية بملاحقة بشر ورفاقه وحرك 90 سيارة أو أكثر لقطع طريق وصولهم إلى الخرطوم، وعلى حد زعم أيوب فإن جبريل عمل على إقصاء قيادات الميدان والاستئثار بالمناصب داخل الحركه لاسرته، وأنه لم تكن له أي مبادرة لزيارة الميدان.. وعرف عن جبريل إعتقال القيادات مثل النجيض وشوقار وكرشوم، لكن بالمقابل هناك من يصف جبريل بالخلوق والمؤدب والمتواضع وصاحب الامكانيات السياسية المهولة مثل السفير نجيب الخير الذي هنأ الثورية بمناسبة صعود جبريل لكرسي القيادة.

مخالفة صريحة ومدهشة للأعراف الدبلوماسية!

المسلك الخاطئ الذي يرقى لمستوى المخالفة القانونية الصريحة الذي ارتكبه كل من القنصل الفرنسي والقائم بأعمال السفارة البريطانية بالخرطوم بقيامهما بزيارة ضحايا اعمال العنف الشهيرة التى وقعت في العاصمة السودانية في ما عرف بأحداث سبتمبر 2013 برفقة نشطاء سودانيين معارضين ومشاركتهما مشاركة فعلية في منشط سياسي، لا يمكن اعتباره مجرد عمل دبلوماسي عادي يأتي ضمن سياق حقوقي بحال من الأحوال.
ففضلاً عن الامر كان (عملاً سياسياً معارضاً صريحاً) لا يجوز لأي شخص غير سوداني -دبلوماسياً كان أم غير دبلوماسي- المشاركة فيه، فإن العمل الدبلوماسي وفق ما هو متعارف عليه في الاعراف الدبلوماسية يقتضي احترام الدولة المضيفة، والبعد عن أي أنشطة ذات طابع سياسي قد تعكر صفو العلاقات بين الدولتين هذا من جانب؛ ومن جانب آخر فإن العمل الذي قام به الدبلوماسيان -الفرنسي والبريطاني- يعتبر حتى بمنطوق قوانينهما في دولتيهما في فرنسا وبريطانيا مخالفاً للقانون، باعتبار ان المنتمين الى السلك الدبلوماسي يحظر عليهم ممارسة انشطة سياسية خارج نطاق عملهم الدبلوماسي طالما كانوا ما يزالون في الخدمة الدبلوماسية وذلك ببساطة شديدة لأن العمل الدبلوماسي لديه خصوصية خاصة، وحساسية بالغة، ويفرض على الشخص الذي يعمل ضمن إطار هذا السلك التحلي بالانضباط الشخصي في كل شيء، ومراعاة طبيعة عمله وعدم اقحام نفسه في أمور تقدح في مهنيته.
ولهذا يظل ما حدث مثيراً للتساؤل والاستغراب ليس فقط كما قلنا ان الامر واضح الشمس، ولكن الاكثر غرابة ان البلدان اللذان ينتمي اليهما الدبلوماسيان هما بريطانيا وفرنسا، أكثر الدول الاوربية إدراكاً لطبيعة اوضاع في السودان، وأكثرهما إلماماً بهذه الحقائق البديهية.
وقد كان من الممكن اذا كان الدبلوماسيان يبديان حرصاً خاصاً من جانبهما، أو حتى من قبل حكومتيهما على الجانب الحقوقي للأمر أن يجريا الاتصالات علنية هي ممكنة وسهلة بالجهات المسئولية في الدولة سواء تمثل ذلك في وزارة العدل، باعتبارها الجهة التى تدير الملف أو وزارة الداخلية، أو وزارة الخارجية والأخيرة بطبيعة الحال هي الجهة الأولى، والأقدر على إحاطة أي جهة بما هو ضروري للإلمام بما حدث وما سيحدث.
وعلى ذلك فإن من المستحيل تماماً إيجاد مبررات من أي نوع لهذا المسلك الخاطئ. وفي الغالب فإن أي دبلوماسي مهما كانت درجته الوظيفية يتصرف على هذا النحو في البلد المضيف، فإن الشيء المعتاد أنه يصبح شخصاً غير مرغوب فيه، لأنه بهذا المسلك حشر أنفه في شأن داخلي بما يخالف تماماً مقتضيات وظيفته الدبلوماسية. ويظل الامر وعلى نحو مدهش مثيراً للاستغراب!

لعنة عرمان.. السقوط للمرة الألف..!!

في الرسالة التي اختار عبرها الدخول إلى عامة الـ51 لم يكن ياسر عرمان الأمين العام للحركة الشعبية (قطاع الشمال) وأكثر القيادات إثارة للقلاقل والجدل بذات العناد والتوثب والطموح المفضي إلى تتويج النضال بوعود النصر والتغيير.
كانت الرسالة على ما فيها من(لمسة إنسانية) مشوبة بقدر من الاحباط ومكتوبة بلغة لم نعهدها في رسائل ياسر وهو يقدم اعتذار لوالديه عن اختياره الطريق الذي مضى فيه رغم عدم رضائهما.
ياسر استهل مقالته بقول حمزاتوف "لكم تمنيت لو كانت حياتي مسودة كتاب لأقوم بتصحيحها من جديد"، لكنه وقع في فخ التناقض حينماقال : (لو أتيحت لي الفرصة لما كان بإمكاني إلا اختيار الطريق ذاته) قبل أن يؤكد أن الحياة بلا قضية لعنة.
لا أدري لماذا ربطت بين صمت ياسر عرمان عن ما يدور داخل الجبهة الثورية من خلافات وبين الرسالة التي لم تظهر عرمان فيكامل لياقته النضالية؟
أخذت أبحث عن ياسر وهو يختبئ بـ(وضوح) خلف نفي مبارك أردول الناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية لبيان التوم هجو الذي أعلن فيه انتقال رئاسة الجبهة الثورية الى الدكتور جبريل إبراهيم.
(خرج)عرمان من السياق المعلن للحدث بتطوراته الدراماتيكية ولكنه يختبئ خلف الكواليس ويمارس الاخراج المجيد في تقديري لمهمة عدم تمكين جبريل ابراهيم من رئاسة الجبهة الثورية حسب الاتفاق المعلن بين قياداتها في العام2013.
لن يكون عرمان مقنعاً بالضرورة أن تحدث عن خلافات حول (رئاسة) الجبهة الثورية التي حدثتنا صباح مساء عن رغبتها في التغيير المفضي للتداول السلمي للسلطة، الخلاف حول الرئاسة في طبيعته محرج لشخص بـ(فصاحة عرمان النضالية) و(ادعاءاته الديمقراطية)، ناهيك عن اتهامه بالتورط في خلافات الجبهة الثورية لهذا الحد.
ماذا سيقول عرمان للناس؟ هل سيعلن إنه يعارض الخيار الديمقراطي لقيادات الجبهة الثورية، أم سيبرر لرفضه مبدأ تداول السلطة سلمياً مع الحفاء؟
عرمان في موقف لا يحسد عليه وهو المتهم في الأساس بتأليب الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية ضد وصول جبريل إلى رئاسة الجبهة الثورية،فالرجل في نظرهم امتداد لمدرسة الاسلاميين وكادر مؤتمر وطني متمرد على مرجعية شيوخه في الخرطوم.
مرة أخرى ينهار المثال الذي يروح له ياسر عرمان ويدعو السودانيين صباح مساء لتغيير النظام بحثاً عن الديمقراطية وصيانة لحقوق الانسان وتحقيق مبدأ التداول السلمي للسلطة.
في المرة الأولى ذابت الحركة الشعبية في شراكة حكومة نيفاشا واتضح جلياً أنها تلعب لصالح الحكم بعيدا عن الديمقراطية وحقوق الانسان حينما ساومت قانون الاستفتاء بقوانين مهمة في سياق التطور الديمقراطي، أبرمت الحركة قبل ذلك صفقة التحالف مع المؤتمر الوطني و(باعت) شركاءها في المعارضة الشمالية، خذلت الحركة شعبها وهي تحيل دولة الجنوب الى حرائق ودماء وأشلاء في خلاف حول الكرسي، وها هي تتخلى الآن عن شركائها(حركات دارفور) الذين خاضت بهم حروبها ضد الحكومة واستخدمتهم في معارك أخرى.
الأخ عرمان إنه السقوط للمرة الألف (فهل تمتلك شجاعة تصحيح مسودة مواقفك وحياتك)؟!

التوم هجو.. حاجة فيك

الأوضاع داخل الجبهة الثورية وتمايز الصفوف داخلها بين قطاع الشمال وحركات دارفور وضعت مساندي توجهات الجبهة المنبثقة من وثيقة الفجر الجيد في موقف الحرج باكراً أو موقف (إذا تصارعت الأفيال ماتت الأحلام الوردية)..
هذا ما حدث بالضبط للقيادي بالاتحادي الأصل التوم هجو الذي تحول بصورة دراماتيكية من خانة الصديق والمستشار لرئيس الجبهة  الثورية والياً ومتمرداً إلي خانة العدو بانحيازه لمعسكر حركات دارفور وتفضيل خليل علي مالك عقار.. وتحكي سيرة سليل اليعقوباب أدواره في العمل المسلح لمواجهة الأنظمة منذ مرافقته الشريف حسين في صراع الجبهة الوطنية ضد الرئيس جعفر النميري ثم أدواره في التجمع الوطني وقوات الفتح وأخيراً الجبهة الثورية.
وما بين الثورية والوطنية تغيير مواقف في توصيف البطولة والخيانة والتمرد وحمل السلاح ضد الدولة أو الحكومة.
أما القيادي بحزب امة نصر الدين الهادي المهدي الموقع علي وثيقة الفجر الجديد التي أثارت حفيظة الإمام الصادق في لحظة تنبه الأجندات الوطنية السلمية ورؤيته حول تحالفات البندقية وخطورتها في تنفيذ خيارات الإسقاط خلاف خيارات التغيير ونصر الدين هو الأقرب للأمام الصادق من أبناء الإمام الهادي في صراع الإمامة والبيت... وهو أسير لتجربة والده في الجبهة الوطنية وصراع نميري ومقاومته في الجزيرة أبا وود نوباوي وفيافي الصحراء الليبية رغم أنه كان بعيداً من المسرح السياسي بحكم إقامته خارج السودان خلال عقدين من الزمان.
ولعب نصر الدين والتوم هجو أدواراً مهمة  في تقديم الجبهة الثورية في صورة قومية سلمية من خلال الخلفيات الحزبية والأسرية واستفادت من تلك الإضافة ولكن الضرر ومأزق الصراع داخل تحالف البندقية يهدد التاريخ السياسي ومسيرة التوم هجو، هو الآن في موقف يحسد عليه فهو الآن الأقرب إلي خيار حركات دارفور القائمة علي مطالب وتظلمات متعلقة بالإقليم فقط ولا تتعرض للقضايا القومية إلا داخل التحالفات العريضة علي سبيل المناورة كما أن قضية دارفور من خلال الزخم الدولي والإعلامي قل تأثيرها.. والإشارة الأهم أن الاتحادي الديمقراطي كثقل تاريخي في دارفور ضعيف والمأزق الثاني هو أن النيران الصديقة التي يطلقها قطاع الشمال في مواجهة هجو ربما تؤثر علي الصورة التذكارية للثوري الاتحادي وسوف يقوم القطاع بتمزيق هذه الصورة.
أما موقف المؤتمر الوطني فإنه بلا شك مسرور من انهيار تحالف البندقية وساخر من سقوط أحلام التوم هجو.. إذا كل تلك المواقف ربما تقذف بالتوم هجو خارج حلبة الصراع برمته ومن الصعوبة بمكان إعادة إنتاج أحلام السياسية وكل حاضناته السياسية تستعر فيها نيران الخلاف إذ الاتحادي جماعات وإذ الثورية فصائل.
إن السياسة في السودان مستديرة (ومدورة) تعيد الأحداث نسخة طبق الأصل أو أننا نشاهد الفيلم  في العرض الأول والثاني بذات الدهشة ورغم أن فيلم الجبهة الثورية عرض من قبل في سينما السياسة السودانية مثل فيلم الحركة الشعبية وسقوط حلم الوحدة علي أسس جديدة (العلمانية) وفيلم التجمع الوطني وسقوط حلم أسمرا للقضايا المصيرية ومن الأفلام أبيض وأسود يمكن أن تشاهد فيلم الجبهة الوطنية والمصالحة واتفاقات كاكودام والميرغني قرنق.. كلها أفلام بسيناريوهات مكررة تستفيد من حال الذاكرة السودانية، قدرة المخرج السوداني طوال تاريخ سينما السياسة هي أن البطل متغير والخائن متغير والمشاهد يأكل في التسالي مستمتع بالمشاهدة (وهنا ضع القلم) ودعونا نشاهد.

أكتوبر.. عندما يبعد الشباب عن تأريخهم!!

•    بالامس كانت الذكرى الـ(51) لثورة اكتوبر، أو كما أسماها صديقنا احمد محمد شاموق في كتابه الرائع (الثورة الظافرة).. تمر ذكراها..وبلادنا لا زالت تواجه عدد من (التحديات)، في هذه المساحة أعيد ما نشرته العام السابق في ذات التأريخ والمناسبة.
•    أكتوبر كانت الثورة الشعبية التي أتت بالحكم الشعبي في نسخته الثانية.. واستمرت لخمسة أعوام بما فيها فترة (الحكومة الانتقالية)، ووقعت أكتوبر في ذات المشكلات التي وقع فيها سلفها الفريق عبود.
•    والاحزاب في اكتوبر لم تستفد من تجربتها السابقة التي تلت الاستعمار، عندما تشكلت أول حكومة انتخابية ديمقراطية – فقد دخلت هذه الاحزاب في ذات (المغالطات) بعد ثورة أكتوبر.
•    مشكلات السودان ظلت (ترحل) من عهد الى آخر.. ولم تجد أياً منها حلاً جذرياً في أي من العهود.. مثل (اعداد الدستورالدائم) و(قضايا الاقتصاد والتنمية).
•    زوال الديمقراطية في نسخها الثلاث، وزوال حكم العسكر الأول والثاني.. تكاد تكون لذات الاسباب وذات الفشل.. لا نريد أن نبحر في (لجج) ذكرى أكتوبر (الواحد والخمسين)، ما نريده اعادة قراءة تاريخنا ومن ثم كتابته بالشكل الصحيح واللائق للأجيال القادمة.
•    كثيراًما نجري استطلاعات مع شرائح عشوائية من الشعب السوداني بهذه المناسبة، وتتكون اجابات الشباب (مخجلة)، اذكر من هذه الاستطلاعات في سنوات ماضية أن شاباً عندما سئل عن ما هي اكتوبر قال هو (شارع بالقاهرة).
•    معظم الاجابات للمستطلعين، تأتي خارج الموضوع تماماً وتدلل على أن اجيالنا الشابة بعيدة كل البعد عن تاريخ هذه الامة، لا يعرف اكتوبر الا الفئة التي تقدم بها العمر وحضرت جزءاً من مشاهد التاريخ.. أو كانت قريبة من الأحداث بالمجايلة أوبالاطلاع والقراءة.
•    نحن بحاجة ماسة للنظر من جديد الى تأريخ البلد وصفحاته التي تمثل الزاد للأجيال الجديدة، وأمة لا تعرف تأريخها غير جديرة بتحمل مسؤولياتها.
•    التاريخ الموجود بالمناهج لا يكفي لتزويد الناشئة بمجاهدات أسلافنا منذ السلطنة الزرقاء والمهدية وكفاحها ضد الاستعمار البريطاني.
•    زرت مع مجموعة قبل (عام من الآن) ادارة المعارض والمتحف والتاريخ العسكري، أوما يعرف المتحف الحربي.. وتعرفنا في الزيارة على تأريخ ومجاهدات القوات المسلحة منذ ما قبل قوة دفاع السودان.
•    أصابنا الذهوب ونحن نتجول بين أجنحة المتحف، ونستمع إلى إفادات الضباط المسؤولين عن هذه الثروة القومية.. من ضمن ما أذهلنا معلومة أن قلعة المتحف الحربي بسلام الأسلحة توجد بها (المقصلة) التي أعدم بها المستعمر الانجليزي الضابط عبد الفضيل الماظ.
•    هذا قليل من كثير يجهله الشباب عن تأريخ البلاد.. وأكثر ما (يدخل) على النفس (احداثاً) قريبة بحساب السنوات لكنها لم تجد حظها من التوثيق الجيد، ومنها بالتأكيد ذكرى ثورة اكتوبر في العام 1964م التي كانت بمثابة ربيع عربي سوداني سابق لكل ثورات الربيع العربي من حولنا.. وبرغم إنها لم تعش طويلاً، لكنها لم تخلف الفوضى والانفلات الحادثان الآن في دول (ما بعد الربيع).

من يكسب الرهان الحكومة أم المعارضة اليوم؟!

هل تكسب الحكومة الرهان بموافقتها للمعارضة بإقامة ندوة سياسية بميدان الأهلية بأم درمان بمناسبة ذكري أكتوبر، ,أخري داخل دار حزب  الأمة القوي وثالثة بمنطقة شمبات، دعا لها حزب (الإصلاح الآن).
المعارضة ما زالت تشكك في نوايا الحكومة وتحاول من خلال دعوتها لتلك الندوة علي الأقل نقول ندوة  ميدان الأهلية، لأنها تتعلق بذكري أحدي الثورات التي قامت بالسودان، وهي ثورة أكتوبر المجيدة التي سجلها التاريخ كواحدة  من الثورات الأول التي اندلعت بالمنطقة، فقيام تلك الندوة اليوم يؤكد علي أن الحكومة تحاول أن تجدد  الثقة للمتشككين، وثانياً تؤكد أن مناخ الحوار الذي دعت له يتطلب المرونة في المواقف والالتزام بما جاء من حديث لرئيس الجمهورية في فاتحة أعمال الحوار الوطني.
لا أشك أن الحكومة ستمنع قيام تلك الندوة ولا أشك أن السلطات الأمنية سترفض للقائمين علي أمرها منح تصريح قيامها، وكذا الحال لقيام ندوة الإصلاح الآن.
كثر الحديث عن أن الحوار الذي تحتضنه قاعة الصداقة بالخرطوم ومشاركة الأعضاء من الحكومة أو المشاركين في السلطة من الأحزاب أو الحركات المسلحة العائدة للمشاركة في هذا الحوار، بأنه الفرصة الأخيرة لأبناء السودان فاللجان التي تناقش القضايا المختلفة الهوية والسلام والمسألة الاقتصادية بالتأكيد ستخرج برؤية تصب في مصلحة الوطن ولذلك ستكون مرنة خلال الفترة القادمة ولن تعترض نشاط الأحزاب السياسية، سواء الندوات فوضي في الشارع العام، أو تحدث اضطراباً يستدعي تدخل الجهات المختصة.
فالمعارضة إن كانت حقاً تريد الممارسة الديمقراطية بقيام تلك الندوات تعكيراً لصفو الحياة العامة.
الحكومة نتوقع أن تفي بوعدها وبوعد رئيس الجمهورية الذي قال في كلمته الافتتاحية في مؤتمر الحوار، بأنه يتيح للأحزاب السياسية ممارسة نشاطها السياسي.
وأعلن عن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ما لم يكونوا معتقلين في جنحة جنائية.. فاليوم إما أن تكون الحكومة صادقة وملتزمة بما تقول، وإما أن تكون المعارضة قد كشفت القناع عن الحكومة وعدم صدقها لما تقول، ولكن لدي إحساس داخلي أن الحكومة هذه المرة ستفوت الفرصة علي المعارضة، وستقول لها ها أنا قد التزمت بما وعدت فعل أنتم ملتزمون؟ وهل ستكون ندواتكم فيها مصلحة الشعب أم هي تهريج ومحاولة لزعزعة الأمن والاستقرار، إن غداً لناظره ريب وما الصبح ببعيد فمن يكسب الرهان الحكومة أم المعارضة؟.