الأحد، 28 ديسمبر 2014

الرئيس البشير يهاجم المعارضة السودانية

شن الرئيس الرئيس السوداني عمر البشير، هجوماً كاسحاًعلى المعارضين والمتمردين في دارفور ومنطقتي النيل الأزرق ، وقال "إن الوثائق والاتفاقيات التي وقعها قادة المعارضة ومتمردو الجبهة الثورية فيما بينهم مؤخراً، عليهم أن يبلوها ويشربوا مويتها".
وقال البشير خلال مخاطبته حشوداً من الطرق الصوفية في محليّة شرق النّيل في العاصمة الخرطوم ، إن اتفاقيات الفجر الجديد وإعلان باريس صناعة الموساد الإسرائيلي والمخابرات الأميركية (السي اي ايه).
وقال البشير إن تنظيمي (الجبهة الثورية) و(حركة تحرير السودان) ليسا سوى مسميات لا تعبر عن أصحابها لأن منتسبيهما (عملاء وخونة ومرتزقة)، وإنهم إذا كانوا يعتقدون بأن الشعب السوداني معهم فإن باب العمل السياسي مفتوح.
وأشار الرئيس البشير لوجود أحزاب شيوعية وبعثية وناصرية تعمل بالسودان ولديها نشاط ، وقال أن الجبهة الثورية أو حركة تحرير السودان لو كان لديها اتباع لجاءوا وعملوا من داخل السودان بدلاً من فنادق باريس وإسرائيل.
وسخر الرئيس البشير من المطالبات بإلغاء الشريعة الإسلامية، وعدها من المستحيلات، مضيفاً "بنقول ليكم إلا تلحسوا كوعكم" ، كما سخر من مُطالبة المتمردين بحل الجّيش والشرطة والأمن، قائلاً "نقول للعايزين إلغاء الجيش والشرطة والأمن ، والله إنا لكم بالمرصاد".
وأكد البشير عدم سماحه للعُملاء والمُرتزقة بتفكيك البلاد، مُؤكِّداً أن أهل الطُّرق الصوفية مِن الرّكائز التي يُعْتمد عليها في تماسك البلاد ووحدة صفّها.
وحث الرئيس السوداني الطرق الصوفية على العمل لتوحيد أهل القبلة وتفويت الفرصة على المساعي الرامية لتشتيتها، مردفاً بالقول "نريد الوقوف صفاً واحداً ضد الذين يريدون إلغاء الشريعة".
من جانبه دعا ممثل المجلس الأعلى للتصوف محمد صالح محمد الشريف ، الرئيس البشير إلى الحوار والقتال سوياً ومحاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة من المواطنين وتخفيف المعاناة ومحاربة الغلاء.
وكان قادة تحالف الجبهة الثورية ، التي تتشكل من تحالف حركات دارفورية مسلحة والحركة الشعبية قطاع الشمال ، قد وقعوا اتفاق باريس مع زعيم حزب الأمة المعارض في السودان الصادق المهدي ونداء السودان مع المهدي وتحالف قوى الإجماع الوطني، الذي يضم أحزاباً يسارية على رأسها الحزب الشيوعي.

أفريقيا وفت وصدقت

لو كنت صاحب سلطة وقرارات لما ترددت في طرح موجه عام وفوري بالانفتاح الثقافي والسياسي والاقتصادي على أفريقيا، وقد كنت الأسبوع الماضي في "أديس أبابا" برفقة وزير الدولة للإعلام والذي بأمانة (فات الكبار والقدرو) وهو يتحسس الطريق للإعلام الوطني بالخارج فغنم لبلده وزاد على ذلك كيلاً من ميزان الذهب لصالح مواقف السودان السياسية حينما حاز على صكوك دعم سياسي قوي في شأن الموقف من تحركات الجنائية الدولية، إذ لم نلتق بمسؤول أفريقي داخل الاتحاد الأفريقي وخارجه إلا وكان الموقف حاسماً وصريحاً بأن السودان منصور بعد الله بإخوته الأفارقة ودعمهم الذي لم تهتز ثوابته التي يقوم عليها.
إعلامياً أحسست بالارتياح الكبير والخرطوم تؤسس لنفسها منصات حضور في بلد واعد وماض بقوة نحو الريادة مثل "إثيوبيا" وفي عاصمة مهمة مثل "أديس أبابا" والتي أكرمت الوزير باستجابات فورية لجل مقترحاته، لم تكن استجابة من باب المجاملة بقدر ما أنها تقديراً لحقائق الهموم المشتركة وتشابه واقع التحديات وظروف المنطقة، وفوق هذا كله إيمان الإثيوبيين حكومة وشعباً أن السودان بلد موصول ببلادهم بوشائج قوية وأنه ليس مثل الآخرين فهو من الأسرة والعائلة أو (بيتا سب) أي من أهل المنزل والمنزلة وليس غريباً.
إن مبادرة وزير الدولة بالإعلام والنجاح الكبير الذي أصابه والقدرات الكبيرة التي أظهرها عمل يستحق الدعم والإسناد والمباركة وأمامنا مرحلة الانتقال بالأمر إلى حيز التنفيذ الجيد للبرامج والمقترحات والتي وإن تركزت إعلامياً في اختصاص الحقل الإعلامي، لكنها بالضرورة مقترحات تفتح الطريق لأنشطة موازية اقتصادياً وسياسياً مع صعود الجالية السودانية بإثيوبيا – تسمى أسرة هناك – والتي بإحصائيات وزارة الصناعة هناك ودائرة الاستثمار تحتل المرتبة الثانية، فضلاً عن أن غالب الاستثمارات العربية الضخمة تدار إما شراكة مع عرب وسودانيين أو تدار ثقة وأمانة بواسطة سودانيين، وحتى الوجود السوداني في المنظمات الدولية والأفريقية بـ"أديس" وجود كبير ومميز وبقيادات تحسسنا فيها حرصها على وطنها وتمسكها به دون أن يؤثر ذلك على التزامهم المهني بمهامهم.
إن بين يدي الوطن طريقاً معبداً للسير فيه والتوجه نحو أفريقيا والتي صدقتنا حينما انخذل عنا آخرون وتمسكت بنا في الوقت الذي يزايد فيه البعض ضدنا، ولهذا من المهم أن تتعمق الحكومة في قراءة فتوحات وزيرها الشاب وما أنجز ولتبني عليه وتؤسس لمرحلة جديدة.

قيادات الاعتذار وعودة الزعيم وطلاب الحرائق

من غريب السياسة السودانية الذي قد لا يتكرر في غيرها، هو أن يصبح خط سير زعيم الحزب وسفره وإقامته أهم من الخط السياسي الذي يتبناه الحزب لو كان له خط سياسي أصلاً، والعجيب أيضاً في غرائب ممارستنا السياسية أن يتم تضخيم عودة الولاة من رحلاتهم الخارجية أو حتى من العاصمة الخرطوم إلى حواضر ولاياتهم أكثر من عودة رئيس الجمهورية نفسه من رحلاته الخارجية. فتحشد الحشود لاستقبالهم تارة في الخرطوم أن كانوا قادمين من الخارج وتارة أخرى من المحليات حيث تتسابق المحليات في إظهار ولاء قيادتها للوالي وتتبارى في الذبح والنحر تحت أقدامه عند مقدمة، أما عن القيادات السياسية التي تماهي بين الرئيس والحزب أو الحزب والرئيس لدرجة يصعب فيها الفصل بينهما، فحدث عنها ولا حرج، كم من زعيم حزب يغيب فيغيب معه الحزب ويعود فيعود معه؟ هل منا من يستطيع التمييز بين آراء الكثير من رؤساء الأحزاب السياسية الشخصية ومواقف أحزابهم في ذات القضايا؟ أو بالأحرى كم من الأحزاب يستطيع أن يخضع رأي رئيسه لرأي مؤسساته؟ أما عن انشغال بعض الأحزاب ببرنامج الرئيس الشخصي أكثر من برنامج الحزب أن لم يكن البرنامجان مدمجان في برنامج واحد، فحدث وسيكثر الحديث، فكم من رئيس لزم داره تحت الأرض أو عليها وربط نشاط الحزب بعودته من المهجر أو خروجه من الخفاء؟ وكم من زعيم حزب زاود بعودة رئيسه من الخارج وحاول اشتراط الشروط لها ومساومة الحكومة لأجلها، ناسين أو متناسين أن بقاء الزعيم في الخارج خصماً من رصيده ورصيد حزبه أكثر منه مكسباً سياسياً، وكلما ابتعد عن نبض الشارع والجماهير والتواصل مع قواعد حزبه، كلما بعدت الشقة بينه وبينهم وربما أحسوا انه ليس كامل الانتماء لواقعهم والمعايشة لقضاياهم والإحساس بمعاناتهم بدليل انه لا يريد العيش في ذات البيئة التي يعيشونها. وها نحن نعاني من بقاء هذا الزعيم أو ذاك خارج أرض الوطن واشتراط المن والسلوى للعودة الى ارض الوطن، فهل تقتضي الوطنية المزاودة على البقاء في الوطن أو العودة إليه أو التعالي عليه؟ وهل من لوازم النضال المزعوم الاستماتة في النضال المزعوم تتطلب تحمل الأذى والصبر مهما كان لتقديم مستحقه أن وجد.
حاشية :
لا تزال القيادات السياسية عاجزة عن تقديم القدوة والنموذج في التعاطي مع الشأن الوطني والتمييز بين معارضة الحكومة والدولة، لذا ليس مستغرباً أن يصبح منهج الجيل الجديد من سياسي المستقبل وقادته في الجامعات السودانية أن يكون أسلوب التخريب بإضرام الحرائق في منشآت الجامعات ولن تكون أحداث جامعة بحري وإحراق السيارات فيها آخر الأحداث المؤسفة طالما أن القدوة هم من يقدمون على إحراق البلد، وإذا كان الهروب من الانتخابات بهذه الطريقة التي تنشر بها المعارضة العنف في الجامعات، فكيف تستطيع أن تواجه الشعب صاحب الحق الأول والأخير سواء في التفويض بالتصويت أو المحاسبة على الأداء، وإذا كان المهدي يطلب من الحكومة الاعتذار فماذا يطلب منه الشعب، أليس أكثر من الاعتذار؟ فإذا كان ثمة تقصير من الإنقاذ فهي جاءت بتقصيره هو؟ وإذا فشلت في شئ في ربع قرن فقد فشل هو في الحكم والمعارضة لأكثر من نصف قرن؟ أليس الشعب أولى بالاعتذار؟

المهدي أقرب للعودة والحوار

تسبب إعلان باريس ثم نداء السودان في أن يحتفل السيد الصادق المهدي بعيد ميلاده الـ(79) خارج الوطن حيث اعتدنا في السنوات الأخيرة أن نشاركه تلك  المناسبة  السعيدة بمنزله في حي الملازمين بأمدرمان حول إفطار صباحي لا يغيب عنه أحد من رموز السياسة والصحافة والشخصيات العامة إلا أن الأقدار قد شاءت في هذا العام أن يتغير مكان الاحتفال بعيداً عن الوطن وفي (قاهرة المعز) تحوطاً من الإمام المهدي في العودة والاحتفاء بميلاده داخل سجن كوبر، بعد الاتهامات الرسمية التي وجهت له وبعد أن أًبح جزءاً من الحركات المسلحة التي تحمل السلاح في وجه الدولة عبر تلك التوقيعات التي تمت في باريس وأديس أبابا...
ولكن المتابع لمسيرة السيد الصادق المهدي السياسية يكتشف بأن الرجل لا يميل كثيراً للمعارضة الخارجية، ويجد نفسه أكثر إيجابية في الأداء  السياسي داخل الوطن، عبر تلك  النشاطات والمواقف المدنية ضد  أو مع الحكومة فيما تطرحه من قرارات وأفكار قابلة للنقاش..
ولارتباط المهدي بالداخل وعدم رغبته في البقاء الدائم في المنافي شواهد كثيرة، كان من بينها مصالحة الرئيس جعفر نميري بعد فشل حركة يوليو 1976م وعودته لأرض الوطن غير راغب في الاستمرار خارجه... وتكرر المشهد في سنوات التجمع الوطني الديمقراطي حيث أبرم المهدي اتفاقاً منفرداً مع الحكومة في (جيبوتي) ليعود إلي السودان قبل رفاقه الذين صاغ معهم مقررات أسمرا للقضايا المصيرية، وشارك معهم عسكرياً بجيش  الأمة التابع لحزبه، والذي كان جزءاً من قوات التجمع الوطني الديمقراطي، التي اختارت من بعده الحوار والاتفاق مع الحكومة في نيفاشا والقاهرة ثم العاصمة الارترية (أسمرا) التي احتضنت جبهة الشرق، وفي داخل السودان اختلف المهدي مع الحكومة، وعلي وجه الخصوص مع المؤتمر الوطني، إلا أنه عاد ووقع معه اتفاق (التراضي الوطني) الذي انهار في مايو الماضي بعد إن وجه المهدي انتقادات لقوات الدعم السريع قادته خلف القضبان حبيساً، باعتبارها خطوطاً حمراء لا تقبل الحكومة نقدها ولا تتهاون فيمن يتعرض  لها، ليؤدي ذلك الاعتقال إلي قطعية بين حزبي الأمة والمؤتمر الوطني الذي كان أحد عناصره الأساسية الهامة ليخرج بعد ذلك المهدي من المعتقل غاضباً، ومتوجهاً بشكل مباشر نحو الحركات المسلحة بالخارج ليوقع مع الجبهة الثورية وثيقة (إعلان باريس)، مما أثار استنكار الحكومة التي أعلنت عن محاسبته ومقاضاته حال عودته إلي الخرطوم، ليزداد الأمر ما بين الطرفين احتقاناً وتسوء تلك العلاقة الثنائية، ليتردد المهدي كثيراً في اتخاذه لقرار العودة الذي أعلن عنه أكثر من مرة.
ولكن في نهاية الأمر نحن أمام أزمة جديدة لن تكون في صالح خطواتنا نحو الحوار الوطني، باعتبار أهمية حزب الأمة في دعم مسيرته وصولاً إلي غاياته، وبالتالي لابد من معالجة بعيدة عن كل الانفعالات التي جعلت المهدي يخرج من المعتقل صوب الجبهة الثورية غاضباً، ليأتي رد فعل الحكومة أكثر تشدداً في الإعلان عن اعتقاله ومحاكمته عند وصوله إلي مطار الخرطوم، مما يقودنا إلي البحث عن طريق ثالث لمعالجة الأزمة، يكمن في وساطة شعبية من الحادبين علي إنجاح الحوار الوطني الذي أصبح فرصتنا الوحيدة للخروج بالبلاد من كل الأزمات التي تطوقها في كل الاتجاهات.
ولنجعل تلك المهمة من صميم عمل لجنة (7+7) قبل الذهاب والتفاوض مع الحركات المسلحة، فالصادق المهدي هو الأقرب بأفكاره ورؤاه التي ترفض العنف كسلوك للمعالجات السياسية، ويميل كثيراً للحوار الذي شارك في تأسيس فكرته في يناير الماضي، وعلي الحكومة أن تتجنب تلك التصريحات النارية بل واجبها يملي عليها الترحيب بالمهدي مشاركاً في الحوار وذلك من أجل مصلحة الوطن أولاً وأخيراً.

الخرطوم تعاقب موظفي الأمم المتحدة

احتدمت المواجهة بين الأمم المتحدة والحكومة السودانيّة، عقب الخطوات التصعيديّة التي اتخذتها الأخيرة بطرد اثنين من كبار موظفي الأمم المتحدة في السودان، خلال الأيام الماضية، الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام تصعيد أكبر. وأبلغت الخرطوم رسمياً المنسّق المقيم للشؤون التنمويّة والإنسانيّة للأمم المتحدة في السودان، علي الزعتري (أردني الجنسيّة)، بأنّه شخص غير مرغوب فيه، وطالبته بمغادرة البلاد بعد يوم من إبلاغه بقرارها إبعاد المديرة القطرية لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي ايفون هيلي، من دون أن تحدّد الأسباب.
وتأتي الخطوة بعد جدل بين الحكومة في الخرطوم والأمم المتحدة في ما يتصل باتهام فصيل من الجيش السوداني بارتكاب عمليات اغتصاب جماعي في قرية تابت في إقليم دارفور، الشهر الماضي، فضلاً عن إيداع المحكمة الجنائيّة الدوليّة ملفّ جرائم دارفور في مجلس الأمن، بعد أن قررت تجميد الملف بسبب فشلها في القبض على المسؤولين السودانيين الذين أصدرت بحقّهم مذكرات توقيف لاتهامهم بجرائم الحرب في دارفور، ومن بينهم الرئيس السوداني عمر البشير.
وساقت الخرطوم جملة من المبرّرات لطرد الزعتري، واتهمت المسؤولين الأمميين بمخالفة التفويض الممنوح لهما. واستندت الحكومة في قرار طرد الزعتري، وفقا لبيان الخارجية، إلى حوار صحافي أجراه مع صحيفة نرويجية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وكان المركز السوداني للخدمات الصحافية، القريب من الأمن السوداني، قد نشر مقتطفات من ذلك الحوار في الثاني من الشهر الحالي، قال فيها إنّ الزعتري وجّه انتقادات لاذعة للرئيس السوداني. ونقل عنه إشارته إلى أنّ البشير "حكم السودان بيد من حديد لعشرات الأعوام، وأنّ المنظمة الأممية تتعامل بتوازن مع شخص متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانيّة في دارفور"، (في إشارة إلى البشير)، وألمح المركز حينها إلى قرارات مرتقبة لطرد الزعتري من البلاد، الأمر الذي قاد الأخير إلى عقد مؤتمر صحافي، فنّد خلاله تلك الادعاءات، ونفى تماماً أن تكون قد جاءت على لسانه.
وألمح إلى امكانيّة أن يكون المركز نقل ترجمته خطأ، قاطعاً بامتلاكه تسجيلاً كاملاً للحوار الذي أجراه مع الحكومة. لكنّ المؤتمر الصحافي لم يعفه من المساءلة، إذ تمّ استدعاؤه إلى الخارجيّة السودانيّة لاستيضاحه بشأن ما نشر. وأكّدت الأخيرة في بيان يوم الخميس الماضي، أنّ الزعتري "مُنح الوقت الكافي لإبراز التسجيل الذي يُثبت صحّة موقفه"، معتبرة أنّ في حديثه "إهانة للشعب السوداني ولقيادته السياسية". وذكّرت بأنّ "المتعارف عليه، عرفاً وقانوناً، أنّه لا يجوز لأي موظف دولي، مهما كان، أن ينصّب نفسه قيّماً وحكماً على اداء رئيس دولة ويسيء لشعب بأكمله".
وفيما يتصل بقرار طرد هيلي، اعتبرت الخارجيّة السودانيّة، أنّ الأخيرة تُعتبر "شديدة التحامل على الحكومة، فضلاً عن تعاملها بغطرسة وتعال مع المسؤولين السودانيين بجانب اتخاذها لقرارات بإيقاف الدعم المالي الفني لعدد من البرامج والمشروعات الاستراتيجية من دون استشارة الحكومة"، الأمر الذي رأت فيه أنّه "يتناقض مع مهامها كممثلة لمعالجة الأوضاع التنمويّة وخفض الفقر". ورفضت الخارجيّة تماماً "الإدانات التي وجّهتها الأمم المتحدة في ما يتصل بقراراتها تلك، وأكدت التزام الخرطوم بأحكام وميثاق الأمم المتحدة والجمعية العمومية ومجلس الأمن، وقطعت أن القرارات جاءت متسقة تماماً مع اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسيّة التي تتيح للدول الحقّ في أي وقت، ومن دون ذكر الأسباب، إبلاغ أي عضو من طاقم بعثة دبلوماسيّة، بأنّه غير مرغوب فيه شخصياً". وهددت في الوقت نفسه بأن "الحكومة لن تتأخر في إبعاد أي دبلوماسي أو موظف دولي يتجاوز مهامه المرسومة أو تفويضه الوظيفي".
وتُغلق الحكومة السودانيّة بذلك، أيّ باب للعدول عن قرارها، استجابة لطلب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي وجّه رسالة احتجاج رسميّة إلى الخرطوم بشأن الخطوة وطالبها بالتراجع عنها فوراً. واعتبر، وفقاً لتصريحات الناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة في نيويورك، ستيفان دوجاريك، معاقبة موظفي الأمم المتحدة أمراً غير مقبول، وحثّ النظام في الخرطوم للتعاون الكامل مع الهيئات الامميّة الموجودة هناك.
ويرى مراقبون أنّ قرار طرد الزعتري، الذي جاء متأخراً نظراً للواقعة التي استند إليها في طرده، ربّما كان بمثابة رسالة قويّة إلى النظام الحاكم في الأردن، والذي تنظر الخرطوم إلى مواقفه الأخيرة المتعلّقة بالمحكمة الجنائية بشيء من الريبة.
وكانت الخارجيّة السودانيّة، قد استدعت الأسبوع الماضي، السفير الأردني عايد جميل الدرارجة، وطالبت حكومته باعتذار رسمي عن مداخلة لنائب مندوب الأردن في مجلس الأمن، ابّان تقديم المدعي العام للمحكمة الجنائيّة تقريره والذي تضمّن قرار تجميد ملف جرائم دارفور. واعتبرت الخرطوم في مواقف الرجل تأييداً لمواقف الجنائيّة المطالبة بالضغط للقبض على الرئيس البشير وثلاثة أخرين، بينهم وزير الدفاع عبد الرحيم محمد حسين للمثول أمام الجنائيّة.
وتقول مصادر قريبة من الزعتري لـ "العربي الجديد"، إنّه "صُدم من قرار طرده بعد أن أوضح موقفه للحكومة بشأن ما أثير في الحوار واطمئنانه تماماً، لأنّ الأمر لن يتطور إلى إبعاده، ليفاجأ بالقرار أخيراً، ويقرّر حزم أمتعته في الثاني من شهر يناير/كانون الثاني المقبل لمغادرة البلاد. وتظهر مراجعة مواقف الزعتري، حرصه طيلة فترة وجوده في السودان، على عدم المواجهة مع الخرطوم، وهو يُعرف بالانضباط في تصريحاته وعدم الميل نحو انتقاد الحكومة، وربما نتيجة تفهّمه لردة فعل الخرطوم، التي سبق وأن أقدمت على طرد المبعوث الأممي يان برونك على خلفية مقال صحافي نشره وانتقد عبره الخرطوم.

ويربط مراقبون الخطوة أيضاً بالتصعيد الأخير بين الحكومة والأمم المتحدة على خلفيّة قضيّة الاغتصاب الجماعي التي وقعت في تابت في دارفور، وإصرار الخرطوم على طرد قوات "يوناميد"، وفقاً لاستراتيجية الخروج التي طالبت البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الافريقي لحفظ السلام في درافور "يوناميد " بالشروع في إعدادها لضمان خروجها بشكل تدريجي. واعتبرت في الخطوة محاولة من الحكومة في الخرطوم لقطع الطريق أمام قرارات دولية تطبخ داخل أروقة مجلس الأمن ضدها فيما يتصل بقضية تابت وقرار الجنائية بتجميد ملف جرائم دارفور وترك الكرة في يد مجلس الأمن .
ويرى المحلّل السياسي عبد المنعم أبو ادريس لـ "العربي الجديد"، أنّ الخطوة جاءت لسببين، أحدهما متصل برفض الأمم المتحدة المساهمة في تمويل الانتخابات المقرّرة في الخرطوم في شهر أبريل/نيسان المقبل، بحجّة أنّ الوضع السياسي في البلاد غير مؤاتٍ لإجراء انتخابات، والآخر بمثابة رسالة للمنظمة الأمميّة، تؤكّد فيها الحكومة قدرتها على فعل أي شيء لقطع الطريق أمامها، للتصعيد ضدّ الحكومة في ما يتصل بقضيّة تابت وقراراتها بطرد "اليوناميد". ويتوقّع أبو إدريس أن تزيد الخطوة التوتر بين المجتمع الدولي والسودان، وتدعم موقف المتشدّدين ضدّ الأخيرة، فضلاً عن تأثيرها السلبي على المشاريع التي ينفّذها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في البلاد.

الإنتخابات .. مراقبة دولية ومشاركة واسعة

تقدمت 95 جهة خارجية لمراقبة الانتخابات العامة بالبلاد، بجانب العديد من الدول ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات ومنظمات إقليمية ودولية، فيما حدد الاتحاد الأفريقي رئيساً لبعثته للمراقبة ، يأتي ذلك في وقت استحدثت فيه مفوضية الانتخابات وسائل إلكترونية بفضل جهود شركات الاتصالات ساهمت في تقليل تكلفة العملية الانتخابية المقدرة بنحو 800 مليون جنيه في المدن والمناطق الحضرية من خلال الاقتراع الإلكتروني، بجانب انتداب كوادر في مجال الحسابات من المالية الاتحادية.
وأعلن الأمين العام لمفوضية الانتخابات بروفسيور مختار الأصم عن مساواة المفوضية للمرشحين في الدعاية الانتخابية في وسائل الإعلام المملوكة للدولة على المستويين الاتحادي والولائي في الفترة من 24-2 -2015 م حتى 10-4-2015م، منوهاً إلى أن بدء الاقتراع والفرز وإعلان النتائج سيكون في يوم 13-4- 2015م.
ونوه الأصم إلى أن يوم 24-5-2015م يمثل إنتهاء شرعية المجلس الوطني، وكذلك أمد انتهاء الفترة الرئاسية، موضحا أن عملية الترشيح ستبدأ في الـ 11 من يناير المقبل وتستمر حتى الـ 17 منه، وأن الـ 23 من فبراير المقبل يمثل آخر يوم لسحب الترشيحات.
من جانبه، أعلن الاتحاد الأفريقي تسمية الرئيس النيجيري الأسبق أبوسانجو رئيساً لبعثة مراقبة الانتخابات السودانية.وقال رئيس مراقبة الانتخابات بمفوضية الاتحاد الأفريقي إدريس كبارا، إن الاتحاد سيشارك في مراقبة الانتخابات السودانية، وإن الرئيس أبوسانجو سيرأس بعثة المراقبة، مؤكداً أن الاستعدادات قد اكتملت لمراقبة تسبق العملية الانتخابية، وتعقبها حتى مرحلة ما بعد إعلان النتائج.
وأشار كبارا إلى حرص الاتحاد الأفريقي على قيام انتخابات مستقرة وفي أجواء مثالية.وأكد أن وحدة مراقبة الانتخابات بمفوضية الاتحاد الأفريقي على استعداد لتقديم الدعم الفني لمفوضية الانتخابات بالسودان في مجالات التدريب وبرامج التأهيل، متى طلبت المفوضية السودانية العون لبرامجها.
وقريبا من مراقبة الإنتخابات فقد أكد 17 حزبا مشاركته في الانتخابات القادمة، فالانتخابات هي الوسيلة المثلى لتحقيق الاستقرار وتحقيق التداول السلمي للسلطة والثروة والتسوية السياسية لكافة القضايا. والحكومة أكدت مرارا حرصها على إخراج الانتخابات القادمة بصورة مشرفة بإشراك جميع القوى والأحزاب السياسية مع التأكيد على إتاحة فرص متساوية في أجهزة الإعلام الرسمية بالمركز والولايات لكل الأحزاب.فمراقبة عملية مراقبة الانتخابات ستكون مفتوحة لكل الأطراف من الداخل والخارج.
إذا فكل الإجراءات التي تقوم بها مفوضية الانتخابات تشير إلى انها ستجري في مواعيدها، وكما يؤكد بذلك المسئولون في المفوضية، فالتأجيل الذي تم الآن هو فقط ما يخص المرشحين لرئاسة الجمهورية والبرلمان من 31 ديسمبر إلى الحادي عشر من يناير القادم، فيما عدا ذلك فكل الأمور تسير كما ينبغي .. بينما آخرون يصطادون في الماء العكر ليجدوا مسوغاً قانونياً يدعم أهواءهم بتأجيل الانتخابات حينما صرح البعض بأن اللجنة الطارئة للتعديلات الدستورية لن يسعفها الوقت لاستكمال عملها لذا طالبت المفوضية بتأجيل موعد الانتخابات، ولكن بنفي هذه اللجنة هذا الحديث وإنها على وشك الفراغ من التعديلات وسيتم تقديمها للبرلمان في الثالث من يناير المقبل للقراءة الثانية، تكون قد قطعت الطريق أمام أية تكهنات بتأجيل الانتخابات.. فالانتخابات استحقاق دستوري، والحكومة الحالية والمجلس الوطني بعد العام 2015 تكون غير شرعية وهو ما يستدعي قيام الانتخابات في موعدها المحدد، إذا من الصعب على الحكومة أن تؤجل الانتخابات إلا في حال حدوث توافق مع الأحزاب المعارضة وتقديم مقترح بالتأجيل على المجلس الوطني الذي يجوز له أن يمدد لنفسه وللحكومة والسلطة التنفيذية، وهذا قطعا أمر فيه مغامرة والضامن الوحيد للاستقرار السياسي هو قيام الانتخابات في موعدها.ولذا فإن الأسلم والأوفق أن تقوم الانتخابات في تاريخها المحدد، فقيام الانتخابات يعود بالفائدة على العملية الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

الافارقة والجنائية ... رفض مغلظ للإنضمام ..!!

التصريح الذي أدلى به رئيس الوزراء الأثيوبي هايلي ماريام ديسالين وقوله إن بلاده تؤيد انسحاب كل الدول الأفريقية من المحكمة الجنائية، يفتح الباب للحديث حول علاقة الافارقة بالجنائية ، فالعلاقة بين محكمة الجنايات الدولة والدول الإفريقية تمر بمفترق طرق. بعيد صدور مذكرة اعتقال بحق الرئيس عمر البشير 2008، وبعدها أصدر الاتحاد الإفريقي قرارات متتالية تنص على عدم التعاون مع المحكمة كان آخرها في قمة مايو 2013 في أديس أبابا حيث صوتت 53 دولة في الاتحاد ضد قرار المحكمة الخاص بكينيا مقابل صوت وحيد لبتسوانا مؤيد للقرار. أتهم الاتحاد الإفريقي محكمة الجنايات الدولية "باستهداف عنصري" للقارة الإفريقية. ويذهب الاتحاد الإفريقي إلى أنه في مقدرة العدالة الكينية على التعامل مع القضايا المرفوعة في المحكمة الدولية بعد الإصلاحات التي أدخلت على النظام القضائي الكيني مؤخرا. ليس لهذا القرار أي إلزام للمحكمة الدولية بل ينظر إليه كتكتيك سياسي أكثر من كونه إجراء قانونيا ذا تأثير على مجريات المحكمة.
لا يخفى على المراقبين كون كل القضايا التي تتعامل معها محكمة الجنيات الدولية تخص القارة الإفريقية. يتعلق الأمر أولا: بالإحالات التي رفعتها حكومات بصفة منفردة مثل أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا الوسطى. كل هذه الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي اعترفت بعجز نظامها القضائي المحلي في التعامل مع انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وطلبت تدخل محكمة الجنايات الدولية وفقا لمبدأ التكامل القضائي. ثانيا: إحالتان قدمهما مجلس الأمن الدولي يتعلقان بكل من السودان وليبيا.
ولقي الموقف الإفريقي المعادي لمحكمة الجنايات الدولية زخما كبيرا في القمة العادية الثامنة عشر للقادة والزعماء الأفارقة التي عقدت في يومي 29 و30 يناير 2012 في أديس أبابا، أثيوبيا. وأثناء القمة شدد قادة الاتحاد الإفريقي على قرارهم عدم التعاون مع المحكمة وخصوصا فيما يتعلق بمذكرة اعتقال البشير وذلك انطلاقا من القناعة السائدة بضرورة تطبيق مبدأ المحاسبة على جميع قادة العالم وليس على القادة الأفارقة لوحدهم. اضافة لذلك حاجَّ الاتحاد الإفريقي المحكمة بمون نظام روما الأساسي لا يمكنه أن يتجاوز الحصانة التي يتمتع بها المسئولون الحكوميون في الدول التي لم توقع على نظام روما الأساسي والمنشئ للمحكمة طبقا للأعراف الدولية.
رغم أن موقف الاتحاد الإفريقي تجاه المحكمة لم يحظ بإجماع الدول الإفريقية إلا أن هذا الموقف قد كسب زخما جديدا وضخت فيه دماء جديدة عن طريق الدبلوماسية الصامتة التي تتبعها الحكومة الكينية بعد فوز كل من الرئيس الكيني أوهارو ونائبه روثو بمنصب الرئيس ونائب الرئيس وهما المتهمان من طرف المحكمة الجنائية الدولية. في مؤتمر القمة الذي عقد في يناير 2012 اتخذ القادة الأفارقة قرارا بعدم التعاون مع المحكمة الدولية
وتجد الاتهامات التي يوجهها الاتحاد الإفريقي لمحكمة الجنايات الدولية ومجلس الامن التابع للأمم المتحدة بالانتقائية مصداقيتها في انعدام تحرك مماثل تجاه انتهاكات في دول أخرى مثل أفغانستان، العراق، كولومبيا جورجيا، سوريا والأراضي الفلسطينية المحتلة حيث لم ترفع أي قضية أمام المحكمة الجنائية الدولية تخص هذه الدول. رغم ذلك لا يمكن وصف أي قضية من القضايا المرفوعة حاليا أمام الجنائية الدولية بالتفاهة أو نقص الأهلية القانونية لمعالجتها. في هذا الصدد ستكون التهمة التي يمكن توجيهها للمحكمة هي تهمة الإغفال وليس التفويض. من ناحية أخرى رحب القادة الأفارقة بتحرك المحكمة الجنائية الدولية في القضايا التي اتخذت فيها المحكمة قرارات ملاحقة تتلاءم مع أهواء ومصالح القادة الأفارقة كما في حالة موسيفيني في أوغندا، والحسن واتارا في ساحل العاج وجوزيف كابيلا في جمهورية الكونغو الديمقراطية.