الاثنين، 30 يناير 2017

المهدي كان يريده (أن ترفع ويذكر فيها إسمه)!

 الذي يعرف شخصية وموافق زعيم حزب الأمة القومي السيد الصادق المهدي وتاريخه الطويل الحافل بالإخفاقات والتردد، وسوء إدارة التوقيت والتعامل مع المواقف والأزمات، لن يستغرب قط ولن تستوقفه استدراكات المهدي المدهشة على قضية رفع العقوبات الامريكية عن السودان.
الرجل ولفرط تفاجئه وربما اغتياظه من القرار أورد من عنده وعلى طريقته الفلسفية المشهورة فى تعداد الأشياء ما أطلق عليها (الأسس والمقاييس الحقيقية لرفع العقوبات) وطفق الرجل (يوجّه) الإدارة الامريكية بهذه الأسس والمقاييس ويعددها فى التحول الديمقراطي وتحقيق السلام وإطلاق الحريات ووقف الحرب!
كأني بالمهدي اصبح (مساعداً) للرئيس الأمريكي. وكأني بالرجل لا يحس بمعاناة السودانيين ليس من هذه العقوبات الاقتصادية الغليظة فحسب ولكن من إذلالها وإهانتها لكرامة شعب السودان، وانتهاكها لحقوقه!
كيف لسياسي سوداني يرتكز على خبرة تجاوزت الـ50 عاماً فى المضمار السياسي ان يبدي استياءاً صريحاً برفع عقوبات ظالمة مخالفة للقوانين والأعراف الدولية على بلاده، ثم لا يواتيه أدنى حياء ليطالب الإدارة الامريكية بأن تبني قراراتها على (مقاييس حقيقية)! إن هذا الموقف غير الموفق للمهدي المعروف بمواقفه الكثيرة المماثلة يمكن ان نستخلص منه عدة نقاط للأسف تطعن في صميم مصداقيته الوطنية والسياسية.
أولاً، بدا واضحاً أن المهدي كان ولا يزال والى هذه اللحظة (مؤيداً) للعقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان مع علمه القاطع بأن ضررها المباشر على شعب السودان. الدليل المادي على ذلك أنه (انتقد) المقاييس التى تم رفع العقوبات على أساسها وربطها بمقاييس أوردها من عنده!
ومعنى هذا ان الرجل يرى ان مقاييسه هذه لم تتوفر حتى الآن و من ثم فهو غير موافق وغير سعيد برفع هذه العقوبات. ومن البديهي ان الرجل كان يأمل ان ترفع و يذكر فيها إسمه أي حين يصبح هو صاحب التحول الديمقراطي. الأمر لا يحتمل تفسيراً آخر.
ثانياً، ان السيد المهدي -كسياسي عريق- بعيد كل البعد عن معاناة شعبه، اذ إن أي سياسي وطني حقيقي يهمه قبل كل شيء رفع المعاناة عن شعبه ثم يفكر بعد ذلك فى (حظوظه السياسية الخاصة) وفي مستقبله السياسي والتحول الديمقراطي الخاص به! والمدهش هنا ومضحك ومبكي معاً أن إدارة المهدي لحزبه (حزب الأمة القومي) تفتقر للديمقراطية ويعيش حزبه نزاعاً تاريخياً متشعباً بسبب هيمنته الأبوية و غياب الممارسة الديمقراطية.
حتى لجنة استقباله في عودته من منفاه الاختياري وقع فيها نزاع! مجرد لجنة مراسمية للاستقبال لم تنجح فى الممارسة الديمقراطية ومع ذلك يرهن شعب السودان كله للإدارة الامريكية بمزاعم التحول الديمقراطي!
ثالثاً، حتى لو استجابت الإدارة الامريكية -بكرم سياسي فياض منها- لطلبات السيد الصادق و قبلت بمقاييسه الخاصة هذه ترى من أين للرجل (بميزان) يصلح لمقايسة مقاييسه هذه ومن ثم تصحيح امتحان الحكومة؟ هل يصبح الرجل ضمن (لجنة الكنترول والتصحيح) ليقرر هل نجحت الحكومة فى امتحان مادة المقاييس  الديمقراطية؟ أم يترك الأمر للجنة التصحيح الامريكية؟ أم يسند الى لجنة من حزب الأمة شبيهة بلجنة الاستقبال التى استعصى عليها وضع برنامج استقبال زعيم الحزب العائد من القاهرة؟

اليوناميد .. عودة ارهاصات المغادرة

ترجح أوساط متابعة للشأن السوداني أن تسرع حادثة ضبط أسلحة بحوزة عناصر وحدة من الشرطة الإندونيسية وهم بصدد مغادرة دارفور، من جهود الخرطوم في إخراج البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة (يوناميد) من السودان.
وكانت السلطات السودانية منعت، الأسبوع الماضي، 139 من شرطة إندونيسيا من السفر جوا من شمال دارفور، بعد أن أظهرت شاشات التفتيش الأمني وجود بنادق وذخيرة في حقائبهم.وقد أعلن رئيس بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي السفير ماما بولو، منذ أربعة أيام، عن بدء تحقيق حول الحادثة، فيما أصرت الحكومة السودانية على ضرورة التسريع في كشف الحقائق.
وأجريت في العام المنصرم لقاءات مكثفة مع الحكومة في الخرطوم وحكومات ولايات دارفور. بشأن خروج البعثة. وتمسكت الحكومة بإستراتيجية الخروج، لجهة أن التفويض الممنوح للبعثة انتهى منذ ثلاث سنوات، وذلك لأن التفويض ينتهي بشرطين هما تحسن الأوضاع الأمنية والإنسانية، وتؤكد الخرطوم أن هذين الشرطين متوفران حالياً وأنه لا مناص من وضع إستراتيجية لخروج محسوم وسلس ومتدرج للبعثة. وكانت الشقة تباعدت بين الحكومة و(يوناميد)، وكانت الأمم المتحدة قد أوصت في نهاية أبريل الماضي، بخفض عدد الجنود وشرطة اليوناميد بأكثر من 4000 فرد، وذلك نتيجة لتحسن الأمن في بعض أجزاء دارفور، وأعلن ذلك أمام مجلس الأمن رئيس عمليات حفظ السلام آرفيه لادسو.وقال لادسو لمجلس الأمن إن عدد الجنود ينبغي خفضه بمقدار 3260 أو حوالى 16% من الحجم المرخص به، بينما ينبغي خفض قوة الشرطة بمقدار 770 شرطياً أو حوالى 12%. وأكد أن الخفض المقترح في المشاة يرجع بشكل أساسي إلى تحسن الأمن بمحاذاة الحدود بين دارفور وتشاد وفي أقصى لوضع القوات.والآن وبعد أن ثبت بأن المجموعة لم تعد أكثر من مجرد أداه من الأدوات الأممية لتركيع وإذلال السودان من القوي العظمي التي تحرم الجرائم في بعض أرجاء العام وتحللها في إرجاء أخري منه فما لوجود هذه البعثة أي مبرر .
وتقول خلفيات نشر هذه القوات أن بعثة اليوناميد كان تم نشرها بدارفور وفق قرار مجلس الأمن الدولي ( 1769 ) المؤرخ بـ(31 يوليو 2007م) وتقوم مهمة اليوناميد الأساسية – وفق الموقع الالكتروني للبعثة – على حماية المدنيين، إلا أنها مكلفة أيضا بالإسهام في توفير الأمن لعمليات المساعدة الإنسانية، ورصد تنفيذ الاتفاقات والتحقق منه، والمساعدة على إجراء عملية سياسية شاملة، والإسهام في تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون، والرصد والإبلاغ فيما يتعلق بالحالة على طول الحدود مع تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى”.ويقع مقر البعثة في الفاشر، عاصمة شمال دارفور، ولديها مواقع نشر إضافية في جميع أرجاء ولايات دارفور الثلاث. وتقوم البعثة بأكثر من 200 دورية يوميا محاولة زيادة فعاليتها غالبا في مواجهة الإعاقات البيروقراطية أو المسلحة. وتهدف البعثة إلى بذل كل ما في وسعها لحماية المدنيين في دارفور وتيسير وصول عمليات المعونة الإنسانية لجميع المناطق، بغض النظر عن المتحكم فيها، والمساعدة على تهيئة بيئة لترسيخ السلام.
عموما فتجربة البعثة المشتركة (اليوناميد) في دارفور – كما تقول الشواهد – هي نموذج لتجربة إهدار المال الدولي فيما هو غير مفيد, فالسنوات الست التي قضتها قوات اليوناميد في دارفور بدت فيها غير فاعلة ولم تقم بأي عمل ذي بال كان الإقليم في حاجة ماسة إليه, بل ان قوات اليوناميد أصبحت هي نفسها عبئاً علي الإقليم حين تعرضت مراراً لهجمات المتمردين وتورطت في أحيان أخري في تقديم الدعم للمتمردين. وحتي الآن لم نقرأ تقريراً حقيقياً صادقاً لهذه القوات بحجم الإنجازات الميدانية الملموسة التي أنجزتها, كل تقارير اليوناميد كانت إقرار بتحسٌّن الأوضاع وتوقف وتيرة العنف والمواجهات ومن الملاحظ هنا أن هذه البعثة المشتركة لم يحدث قط أن قدمت تقريراً أقتضي أن يغيَّر مجلس الأمن من تفويضها من الفصل السادس الي السابع. و مطالبة الحكومة السودانية بتقليص وخفض هذه القوات إنما هو من قبيل التعامل الدبلوماسي.

إستراتجية البناء الوطني برؤية جديدة!

بعد التطورات الاستراتيجية الهائلة التى شهدها السودان انطلاقاً من 13 يناير 2017 حينما نفض الغبار الظالم الممثل فى العقوبات الاقتصادية التى كانت قد فرضتها عليه الولايات المتحدة لحوالي 20 عاماً فإن مترتبات رفع هذه العقوبات مقروءة مع
الجهد الهائل والشاق الذي تم بذله بواسطة الحكومة السودانية بمساعدة أصدقائه عربياً, آسيوياً وأفريقياً يستلزم عدة أمور إستراتيجية بالغة الأهمية ينبغي على القوى السياسية السودانية ان تعيد صياغتها كثوابت وطنية لا محيد عنها مطلقاً.
 أولاً، مهما كانت درجة الخصومة السياسية والخلافات بين الفرقاء السودانيين يجب إخراج العامل الخارجي الضار بالدولة السودانية من عناصر وأدوات النزاع. لم يعد مجدياً لا سياسياً ولا أخلاقياً استعداء الاجنبي على الدولة السودانية بدواعي الانتصار على الخصم لأنه وببساطة فإن الضرر الناجم عن هذا السلاح غير المصرح به يحيق بالمواطن وبالدولة السودانية ونهضتها وسمعتها الدولية، بإمكان الفرقاء ان يختلفوا ويتخاصموا ويستخدموا الوسائل السياسية المختلفة ولكن بعيداً جداً عن إقحام عوامل ضارة ضرراً محضاً بنواة الدولة وبنيتها الأساسية المركزية.
ينبغي إبعاد الدولة عن التراشق السياسي لأنها باقية والساسة ذاهبون. ومع أن هذا المبدأ الوطني واضح وجلي وما كان ينبغي المساس به ولكن للأسف جرى استخدامه ورأى الجميع نتائجه أثبتت وعلى نحو قاطع ان سلاح الاستعانة بالأجنبي واستجلاب القرارات الدولية الضارة و التحريض على الحصار والعقوبات غير مفيدة لمن يستخدمونه لا على المدى القريب ولا البعيد.
وليس أدل على ذلك من ان القوى المعارضة التى ظلت (تتبرع) بالمعلومات الخاطئة وتمنح تقارير مجانية ضارة بالوطن للقوى الدولية لم تنل فى خاتمة المطاف أية جائزة، فقد تجاوز النظام الحاكم العقوبات بمعية شعبه ولم يسقط أو يضعف واحتفظ بقواعده السياسية فى مقابل ضعف وتضعضع أوصال القوى المعارضة التى راهنت على هذه العقوبات.
لم تستفد هذه القوى شيئاً، لا أسقطت الحكومة، ولا حصلت على مزايا سياسية من الخارج ولا كسبت ثقة شعب السودان ولا قويت بحيث يمكن القول انها قوى المستقبل. فقط أضرت وطنها و سلبته سيادته الوطنية وخسرت جماهيرها ونبذتها القوى الدولية التى كانت قد تحالفت معها ضد الحكومة أي ان ناتج هذه القوى بكل أسف صفراً كبيراً!
ثالثاً، ان البناء الوطني –مهما كان رقعة المواجهة ومقدار الخصومة– مقدم على اي شيء آخر لان المقصود البناء الوطني هو المحافظة على الوطن سالماً للأجيال القادمة، أما الاعتقاد ان إسقاط النظام بأية وسيلة ومهما كان ثمنها وكلفتها هو الهدف وحده، فهذا عبث ثبت ضرره وبؤسه. وفي خاتمة المطاف إما ان تسقط هذه القوى المعارضة من صحائف التاريخ أو ان تضطر للعودة والإسهام في بناء الوطن وهي منهكة، وكسيفة ومطأطأة الرأس.
إن مجمل القول إن القوى السياسية المختلفة عليها ان تسهم فى البناء الوطني حتى ولو كانت تستشعر غبناً او خصومة أو عداء تجاه النظام الحاكم فما تبنيه اليوم ينفعك غداً، ويضيف الى سجل الوطن ويخرجك من جريمة التآمر على الوطني بلا ثمن ولا جزاءً ولا شكورا!

السودان والقوى الدولية.. إستراتيجية استعادة الحق!

برفع الولايات المتحدة الامريكية عقوباتها الاقتصادية الأحادية الجانب التى دامت لحوالي 20 عاماً على السودان، عقب إصدار الرئيس الأمريكي المنصرف باراك أوباما قراراته التنفيذية بتاريخ 13يناير 2017 القاضية بإلغاء الأوامر التنفيذية الصادرة ضد السودان بحظر التعامل معه وحجز أرصدته المالية، بهذا الرفع يكون السودان هذا البلد المصنف من شانئيه، بلداً ضعيفاً مثخن بالجراحات والحروب قد استعاد حقوقه السليبة.
رفع العقوبات الامريكية عن السودان لا ينظر اليه على انه (محض مكرمة سياسية أمريكية) وإنما هو نجاح استراتيجي باذخ لبلد بالكاد يضع أقدامه على التعبة الدولية، استطاع أن ينازل الكبار والأقوياء و أن ينتزع منه -باقتدار وعزة- حقوقه المسلوبة منه. ولهذا فإذا أردنا قراءة القرار الأمريكي موضوعياً فإن قراءته لا تأتى إلا من خلال الرؤية الاستراتيجية السودانية زاوية استعادة الكرامة واسترداد الذات الوطنية و مقارعة الكبار بمنطقهم السياسي نفسه والانتصار عليهم.
أولاً، أثبت السودان بجلاء انه قادر على الصمود والاحتمال مهما كانت المشاق، وهذه في حد ذاتها ميزة إستراتيجية نادرة، إذ ان بلداً مثل ظرف السودان تحتمل عقوبات اقتصادية لـ20 عاماً، دون أن تنهار آو تسقط أو تدخل فى فوضى هذا يعني الكثير جداً وهو بمثابة (مران استراتيجي) مماثل لمران ضرب النار و تمارين الرماية بالذخيرة الحية و المناورات العسكرية.
 أثبت السودان انه قادرة على احتمال هذا السلاح الاقتصادي والصمود تجاهه دون أن تنكسر نواته الصلبة، ويملك قدرة هائلة على امتصاص ضربات الاقتصاد الموجعة مهما كانت مقدار الألم وطول أمده.
ثانياً، صمود السودان وامتصاصه للعقوبات الامريكية فى واقع الأمر  أعطى نتائجاً عكسية للقوى الدولية فحواها ان السودان مستقبلاً لن يجدي معه قط هذه النوعية من الأسلحة الاقتصادية. لم تعد فاعلة ولن تجدي نفعاً.
ثالثاً، أثبت السودان -بأدلة مادية قاطعة- انه لم يرتكب ما استوجب معاقبته من الأساس والدليل على ذلك أن واشنطن استجابت لرفع العقوبات، ولو لم يكون السودان بريئاً مما أتهمته به واشنطن لما تسنى ذلك قط، وذلك ببساطة لان واشنطن لا تعرف فى قاموسها السياسي وعلاقتها الدولية شيء اسمه المسامحة، أو العفو أو المغفرة.
هي تمعنت بعين فاحصة وموضوعية فى كل سلوك السودان وحركاته وسكناته وأدركت انه لم يرتكب ما اعتقدت انه ارتكبه! هي فقط (تخشى) ان يفعل، ولديها هواجس تفسرها لصالح أمنها القومي، ولكنها لو تيقنت من اتهاماتها بأدلة قاطعة فإن من المستحيل تماماً أن ترفع العقوبات.
رابعاً، صبر و مثابرة السودان على إثبات سلامة موقفه هو من قبيل الإصرار على الحق والإصرار على الحصول على هذا الحق. وفي واقع الأمر لم يكن السودان ولن تجده يوماً يستجدي أحد بشأن حق من صميم حقوقه. هو ثابر على نيل حقوقه بالوسائل المتاحة، وقد فعل.
خامساً، العقوبات نفسها وعلى شدة وطأتها إلا أنها علمت السودان الكثير فى شأن إيجاد البدائل الاستراتيجية وفن إدارة الأزمة، وفهم طبيعة هذه العقوبات وقد رأينا كيف سارعت شركة (شيفرون) النفطية الامريكية للعودة للسودان على الفور، ورأينا كيف تتسابق البنوك الامريكية والشركات الاستثمارية الى السودان لقد كانت الضربات متبادلة، إذ بقدر ما تألم السودان من سياط العقوبات تألم (الجلاد) نفسه من بعض أطراف السوط التى تأبى إلا ان تنال طرفاً منه!
وهكذا فإن اختطاط السودان لإستراتيجية استعادة حقوقه كما فعل بشأن العقوبات وكما سيفعل بشأن قائمة الارهاب وكما قطع شوطاً محترماً بشأن الجنائية، هي إستراتيجية بالغة المهارة والذكاء وهو ما أكسب هذا البلد بجدارة قدرات استثنائية ستظل محفظة فى خزانة تاريخه السياسي تؤكد انه لا يتراجع ولا يئن ولا يقدم تنازلات إذا تعلق الأمر بحقه السليب، وسيادته الوطنية.

ترامب رئيس لا يشبه أمريكا!!

حدثت ريكة في كل  مكان في العالم,, الرئيس الأمريكي الجديد وقع أمراً تنفيذياً وضع فيه قيود علي دخول مواطني سبع دول معظمها شرق أوسطية..
القرار حدد مهلة  تسعين يوماً  لسريان القيود حتي تتمكن أجهزة الأمن الأمريكي من ترتيب البيت من الداخل.. اللافت أن القرار في البداية شمل حتي الذين يحملون بطاقات الإقامة الدائمة..
تحدث  الرئيس ترامب عن الإرهاب الإسلامي بشكل مباشر كما أشار لأوضاع المسيحيين في سوريا.. هنا انزلق ترامب البعد السياسي لقراره إلي التفرقة بين الناس علي أساس ديني.
لم تمض ساعات طويلة حتي اندلعت مظاهرات تندر بالقرار الأمريكي.. مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أوضحت أنها ستصنف نفسها مسلمة في سبيل الدفاع عن حقوق المسلمين.. حتي اللوبي اليهودي النشط في أمريكا لم يكن سعيداً بالتوجهات الأصولية للإدارة الأمريكية.. نافذون في الكونغرس انتقدوا صراحة القرار الذي يؤجج مشاعر الكراهية بين المواطنين.
قاصمة الظهر جاءت من السلطة القضائية حيث أصدرت القاضية أن دونلي حكماً بإبطال المرسوم الرئاسي. وتبعتها قاضية أخري في واشنطن.. وزارة الأمن القومي أكدت أنها ستذعن لقرار السلطة القضائية وبالتالي تسمح بدخول المواطنين العالقين في المطارات الأمريكية .. كما تلغي الأوامر القضائية كلما ترتب من آثار علي المرسوم الرئاسي، خاصة تجاه اللاجئين.
قبيل الدخول في تفاصيل القرار حري بنا أن نحلل الظروف التي أوصلت ترامب إلي البيت الأبيض.. في يوم الاحتفال بتنصيبه رئيساً خرجت مظاهرات غضب في العديد من المدن الأمريكية..  لم يتمكن ترامب من الفوز بالأغلبية الشعبية وإن فاز بأغلبية الكليات الانتخابية قبل عشرة أيام رئيساً..
ارتفعت أصوات في ولاية كلفورنيا تطالب بالانفصال من أمريكا وستسري الموجة في ولايات أخر.. صحيح لن ينتج عن ذلك انفصام في عري الاتحاد الأمريكي.. لكن يمكن أن تقرأ تلك المشاعر باعتبارها  صوتاً رافضاً للسياسات المتشددة للرئيس الأمريكي الجديد.
في تقديري .. أن الجدل الذي ولدته سياسات ترامب والذي سيأتي لاحقاً يؤكد أن الاتجاهات العنصرية والانعزالية لا تعبر عن مشاعر الأمريكان.. لكن السؤال يقفز حائراً كيف نجح رجل الأعمال في كسب معركة الانتخابات.. الذين يصورون ترامب باعتباره متطرفاً أو رئيساً فاقد البصيرة يخطئون كثيراً.. هذا الرجل ومن خلفيته كرجل أعمال استطاع أن يستثمر في مخاوف الأمريكان.. جزء من هذه المخاوف جاءت من التطرف الديني في الشرق الأوسط.
حينما تقوم حركة متشددة بحرق طيار مسلم وتبث ذاك في الأسافير.. أو تجز عنق رهينة غريبة وتسجل كل المشاهد المرعبة في فيديو.. ستتولد مشاعر خوف يستفيد منها رجل انتهازي مثل دونالد ترامب ويجعلها عظم ظهر برنامجه الانتخابي.
بصراحة.. سيخسر ترامب محاولات خلق عنف مضاد خاصة إذا ما حاول أن يستهدف الإسلام.. لأن ذلك ضد طبيعة لانفتاح في الذهب الأمريكي.. لكن علي المسلمين في كل مكان أن يدركوا أن العنف يولد عنفاً مضاداً وفتنة لا تقتصر علي الفئات الباغية.. هذا هو الدرس المهم في هذه المحنة.

مرحب بالحبيب الصادق المهدي

لا أحتاج إلى أن أعبّر عن سعادتي الغامرة بعودة الإمام الصادق المهدي إلى حضن الوطن، فقد ظللنا نطالب ونلح في الدعوة إلى عودته اقتناعاً منا بالفراغ السياسي الكبير الذي خلّفه غيابه ولأهمية وجوده في الساحة للدفع باتجاه تحقيق المشروع الوطني الديمقراطي الذي ظللنا نُدندن حوله آناء الليل وأطراف النهار .
كنا على الدوام نطالب بإحسان التعامل مع المهدي باعتباره أحد رموزنا الوطنية البارزة، فقد اعترضنا على المعاملة القاسية التي تعرّض لها لمجرد إبدائه رأياً لا يتفق مع الحكومة مما أدى إلى خروجه وغيابه المؤلم عن وطنه الغالي، وكنتُ ولا أزال لا أرى في الساحة السياسية بين قوى المعارضة جميعها من هو أجدر منه بالاحترام والتقدير لسببين اثنين أولهما أنه الأكثر شعبية وقبولاً وتأثيراً من بين
رموز المعارضة السودانية، وثانيهما لأنه الأكثر خبرة في التعاطي مع الأزمة السودانية والأوفر ديناميكية ونشاطاً بين قيادات القوى السياسية.
لا يصدني عن قول هذه الحقائق اختلاف الرأي المصادم أحياناً حول بعض القضايا الوطنية أو قيادتي لحزب سياسي آخر (منبر السلام العادل) يحمل رؤى مختلفة عن طروحات المهدي الفكرية والسياسية فنحن نحتاج إلى الصدع بما نعتقده حقاً بدون أن تأخذنا في ذلك لومة لائم.
لعلَّ ما يشد المرء إلى خطاب المهدي السياسي أنه يتحلّى بمرونة كثيراً ما تدفعه إلى التمرد على (الصندوق) الذي يريد حلفاؤه إبقاءه في جُبّه وسجنه اللعين، ولذلك سعدتُ أن يُعلن المهدي عما سماه بالاختراق الوطني بينه وبين بعض القوى المعارضة (يقضي بعدم إسقاط النظام بالقوة أو تقرير المصير لأية منطقة والعمل بلا عنف لتحقيق الأهداف السياسية).
أقول للإمام إنك وصفتَ العلاج الناجع، ولا أظننا سنختلف في بقية القضايا طالما أنك أعلنت عن رفضك لإسقاط النظام بالقوة، ذلك أننا ظللنا نُحذِّر من المآلات المخيفة التي لا نزال نراها تُدمدم وتُزمجر وتشتعل في محيطنا الإقليمي سيما وأن بلادنا أكثر هشاشة من دول تتقلّب الآن في نيران الحرب الأهلية بالرغم من أنها كانت أكثر تماسُكاً وتوحُّداً وأمناً واطمئناناً ومعاشاً من بلادنا المأزومة.
قال الإمام الصادق المهدي في خطبة الجمعة الفائتة (لا يمكن أن نسمّي ما اتفق عليه بعض الناس حلاً للبلاد، والحرب مستمرة والجسم السياسي منقسم). وطالب (بوقف الحرب وتوحيد الكلمة بصورة قومية).
لن أجُادل المهدي فيما قال، ولا يمكن أن ننكر أن الحرب لم تتوقف طالما أن بعض حركات دارفور وقطاع الشمال لا يزالون يرفضون التوقيع على وقف إطلاق النار، كما لا يمكننا أن نزعم أن الحوار شامل ويضم جميع القوى السياسية بالرغم من أنه يضم غالبها ولكن ..
ألا يتفق المهدي معناً أن معظم حركات دارفور والمقاتلين قد وضعوا السلاح ولا يمثِّل الرافضون لوقف الحرب إلا نسبة ضئيلة للغاية من مجموع المقاتلين، وأن دارفور الآن تختلف كثيراً عنها قديماً عندما كانت الحركات المنخرطة في الحوار الآن، والتي تتجاوز الثلاثين، حاملة للسلاح؟ لماذا، أخي الحبيب، يصر جبريل ومناوي وعبد الواحد (مستر نو) على رهن قضية دارفور لقرارهم رغم علمهم أنهم ما عادوا
يملكون عُشر معشار ما كانوا عليه من قوة عسكرية وسياسية في أيام سالفات؟ ألا يعلم المهدي أن شراذم المتمرّدين تحوّلوا إلى مرتزقة في دول الجوار يبيعون أرواحهم وسلاحهم وقضيتهم لقاء حفنة دولارات؟! ألم تقرأ ما قاله المبعوث الأمريكي دونالد بوث عن المتمردين جميعاً الذين تمنعهم العزة بالإثم وتقديم حسابات الأنفس الشح على مصالح الوطن من العودة إلى بلادهم رحمة بشعبهم الذي
قتلوه ومزَّقوه وشرَّدوه ورحمة بوطنهم الذي أرهقوه وعوَّقوا مسيرته وشوَّهوا سمعته بين الأمم بدون أن يسألوا أنفسهم: من فوّضهم ليخوضوا الحرب باسم مناطقهم وشعوبهم وليقتلوا المواطنين ويشردوهم بينما أبناؤهم هم وأطفالهم ينعمون بالعيش الرغيد والتعليم الجامعي في الخرطوم وعواصم العالم؟!
أما عرمان وحركته الشعبية وجبهته الثورية فقد والله علمت أيها الحبيب ما يحملونه لك من بُغض تعرفه في لحن القول بل وفي الكلام (العديل) الذي لطالما هرف به عرمان وفي الأشرطة المسربة من سكرتيره وكاتم سره مبارك أردول.
أخي الحبيب .. الآن وقد عدتَ إلى حضن وطنك أرجو أن تنفض يدك عن هؤلاء خاصة وأنك تعلم أن خيارهم الأوحد يتمثّل في إسقاط النظام بالقوة والذي أعلنتَ أنك لستَ من أنصاره.

في ذكرى تحرير الخرطوم

في السادس والعشرين من يناير من العام 1885 م تحررت الخرطوم علي يد المهدية بعد حصار محكم وخطابات ومناورات بين المهدية والمستعمر ، بدأ الحصار في مارس من عام 1884 م بقيادة الشيخ عبيد ودبدر ، وفي أبريل من ذات العام ، تلاه محمد عثمان أبو قرجة الملقب بأمير البّرين والبحرين ، قبل ان تكتمل حلقة الحصار بوصول الامير عبدالرحمن النجومي وحصار الخرطوم من جهة الجنوب ، وقد تحررت علي يده الخرطوم من يد الانجليز والاتراك وتم قتل القائد الانجليزي غوردون باشا .
الخرطوم :
اختيار الخرطوم كعاصمة للحكم التركي جاء من خلال الموقع الجغرافي لوقوعها بين النيل الابيض والنيل الازرق ، واقام عبدالقادر حلمي تحصينات قوية وقام بتحسين دفاعاتها وحفر خندقاً عميقاً بعرض « 12 » مترا مليئاً بالماء بين النيل الأزرق والأبيض وبذلك أحاط المدينة بالمياه من كل جانب وأطمأن إلى تأمينها تأميناً كاملاً. فكر المهدي اقامة الدولة المهدية في الخرطوم والانتهاء من سيطرة الانجليز والاتراك وانهاء حكم المستعمر .
من هو غوردون :
ولد غوردون في ووليتش، بلندن من أب عسكري هو اللواء هنري وليام غوردون «1786 – 1865» وأمه إليزابيث «إندربي» غوردون «1792 – 1873». تلقى علومه في مدرسة فولاندز في تاونتون، سومرست وفي الأكاديمية الملكية العسكرية في ووليش. وبعد تخرجه منها برتبة ملازم ثان ألحق بسلاح الهندسة الملكي عام 1852 ، ليكمل تدريبه في تشاثام. رقي ملازم أول عام 1854
النجومي الميلاد والنشأة :
ولد عبد الرحمن أحمد محمد عبدالرحمن محمد أدريس الشهير بالأمير ود النجومي، في قرية مويس ريف شندي ولاية نهر النيل عام 1854 م من عائلة متدينة تنتمي إلى قبيلة النافعاب، إحدى بطون الجعليين ، توفى والده وهو رضيع في عامه الأول ، اضطرت عائلته للهجرة من قرية مويس بريفي شندي بعد مقتل إسماعيل كامل باشا، نجل خديوي مصر محمد علي باشا عند غزوه للسودان عام 1821 م، فراراً من إنتقام صهره محمد بك الدفتردار ، وانتقلت به والدته إلى حى الصبابي بالخرطوم بحري حيث ترعرع ونشأ في كنف جدها الشيخ خوجلي أبو الجاز صاحب المقام المعروف باسمه في الخرطوم بحري ، ومن خلاوي الشيخ خوجلي تعلم مبادئ الدين، وانطلق منها الي خلاوي الغبش.
شب عبد الرحمن النجومي في بيئة متدينة وتعلم القرآن علي يد الفكي هاشم «صاحب قبة الفكي هاشم بالخوجلاب حالياً». وفي إحدى رحلاته التجارية إلى جنوب السودان سمع اثناء مروره بالقرب من الجزيرة أبا بدعوة الإمام المهدي وبوجوده فيها، فقابله خلال رحلة عودته من الجنوب في أغسطس 1881 م، وبايعه خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم، وظل في رفقته وهاجر معه إلى جبل قدير بجنوب كردفان مع خمسمائة من الأنصار الآخرين.
باخرة الحكمدار :
صبيحة يوم 18 فبراير 1884م، رست باخرة الجنرال غوردون باشا، حكمدار عام السودان على رصيف الخرطوم ، فاستقبله كبار الضباط وقناصل الدول الأجنبية والمشايخ والعمد وأعيان البلاد ورجال الدين، وأوضح مهمته أمامهم قائلاً: « إني بمقتضي هذا المرسوم قد سميت حاكماً عاماً ومفوضاً على كل السودان لأنظر مافيه من مشاكل».
أبلغ غوردون رؤساءه في مصر بتعذر إخلاء الخرطوم من الوجود التركي المصري وأوضح لهم انه لن ينصاع لأوامر الاستدعاء، إلا بعد الاطمئنان على حياة الجنود والمدنيين الموجودين بالسودان ، وكان من رأيه أن الإخلاء يتطلب عوناً خارجياً وعسكرياً وسياسياً إذا أريد حقن الدماء.
لماذا الحصار ؟
وجاء إختيار المهدي لإستراتيجية الحصار نتيجة تجاربه في الأبيض و بارا و لتجنب خسائر الهجوم المباشر ، وفي غضون ذلك بدأت قوات المهدية بقيادة الشيخ عبيد ودبدر حصار الخرطوم في جبهتين ، وتلاه في أبريل 1884 ، محمد عثمان أبو قرجة الملقب بأمير البّرين والبحرين قادماً من مدينة الأبيض لتولى قيادة القوات العامة فاكتملت بذلك حلقة الحصار، ودارت بينه وقوات المستعمر بقيادة غوردون باشا معارك عديدة سجلت فيها قوات المستعمر إنتصارات كادت أن تؤدي إلى زعزعة ثقة قوات الأنصار في أنفسهم كثيراً، ولولا قوة الدافع الديني لديها لإنهار الحصار وتشتت شملها.
الأسلاك الشائكة والألغام :
بدأت جيوش المهدية تحاصر للخرطوم منذ مارس 1884 وتم عزل الخرطوم عن العالم الخارجي فسدت الطرق من جهة الشمال كما عزلتها عن بقية للسودان فاحاطت بها القبائل واحكمت الحصار.
أما غردون فقد عمل على تحصين المدينة بالأسلاك الشائكة و تقوية القلاع «الطوابي» و زرع الألغام .و كانت حامية الخرطوم المكونة من المصريين والأتراك وبعض السودانيين ذات ولاء ضعيف للنظام .
وفي الجانب الأخر نجد ان انضمام الشيخ محمد الخير للمهدية زاد من احكام الحصار على الخرطوم حيث تمكن من السيطرة على بربر في مايو 1884 وازداد الأمر حرجا لغوردون عندما زحفت قوات الأمير عبد الرحمن النجومي إلى الخرطوم ثم جاء المهدي بجمع يقدر بأكثر من مائة ألف من المقاتلين ونزل في ديم ابي سعد جنوبي ام درمان في أكتوبر 1884م وأخذ يبعث بالرسائل إلى غردون.
النجومي منقذ الموقف :
صدرت تعليمات المهدي إلى النجومي الذي كان وقتها يقاتل من اسماهم المرتدين عن المهدية في جبل الداير بجنوب كردفان، صدرت تعليمات للنجومي بالتحرك فوراً إلي الخرطوم وتولي القيادة العامة للقوات التي كانت تحاصرها. وكان في إمرته « 1500 » من المجاهدين و « 5000 » من العرب المزودين بالأسلحة النارية. وصل النجومي إلي منطقة الخرطوم بعد أن سمّاه المهدي أميراً للأمراء في أول سبتمبر 1884 م، قادماً من الرهد بالغرب الأوسط للسودان، واختار مقر قيادته العامة في المنطقة الواقعة جنوب استحكامات الخرطوم وسورها على مسافة مناسبة من مجرى نهر النيل الأبيض، شمال حلة شجرة محو بك «ضاحية الشجرة الحالية».
الدبلوماسية والحرب النفسية :
بعد أن اكمل النجومي استعداداته القتالية بدأ في تنفيذ مرحلة تتكون من خليط من الدبلوماسية والحرب النفسية، بعث برسائل إلى غوردون وأخرى إلى أهالي الخرطوم متيحاً لهم فرصة الإستسلام لضمان سلامة أرواحهم وأموالهم ، وجاء خطابه إلى غوردون مختصراً وصارماً على النحو التالي:
« اعلم انا ود النجومي أمير امراء المهدية وفاتح كردفان والداير وجئتك بجيوش لا طاقة لك بها ومدافع لا قدرة لك باحتمالها فسلم تسلم، ولا تسفك دماء العساكر والأهالي بعنادك. والسلام ».
وجاء رد غوردون باشا على هذا الخطاب جافاً بقوله :
« لقد اطلعنا على خطابك، وأنا لست مبالياً بك ولا بسيدك المهدي وسوف يحل بك ما حل بابي قرجة والشيخ العبيد ود بدر، وخلي عنك شقشقة اللسان وكسر الهريات وجرب نفسك. والسلام ».
علي الرغم من جفاء غوردون واصل النجومي حثّ أعدائه على الاستسلام حقناً للدماء وعمل على تسريب خطاباته إلى المدينة المحاصرة بواسطة جواسيس المنازل واسواق المدينة في الوقت الذي كانت فيه قواته تطبق الخناق عليهم وتسد المنافذ إليهم على أمل ان يحملهم الجوع على الإستسلام.
طلب النجدة :
كان غردون قبل ان يشتد عليه الحصار ، قد ارسل إلى حكومته طالبا إرسال حملة تفتح الطريق بينه وبين مصر لسحب الحاميات ثم اضطره الحصار للمناداة بحملة إنقاذ إلا ان محاولته لم تأت بنتيجة تخرجه من ورطته ، إلا في أكتوبر 1884م حيث تحركت حملة الإنقاذ من القاهرة بقيادة اللورد ولزلي وعندما علمت قوات المهدية بهذه الحملة وضعت خطة محكمة لمناوشتها وتعطيلها والعمل دون تمكينها من الوصول إلى حين تحرر الخرطوم .
خطة الهجوم :
شدد النجومي الحصار على المدينة بدقة واستمرت الأعمال العدائية واعمال القناصة ضد العدو بشكل يومي وكانت المكاتبات جارية بين المهدي وغوردون حتى معركة أبو طليح بالقرب من شندي بواسطة حملة الإنقاذ البريطانية وتبعها قراره ببدء الهجوم على الخرطوم في يوم 26 يناير 1885 م، وكلف النجومي بتنفيذ خطة الهجوم التي تتلخص في تقسيم قواته إلى قسمين رئيسيين ، قسم يتكون من حملة الأسلحة النارية والمدافع بقيادة محمد عثمان أبو قرجه ومهمته الانتشار على طول الخطوط المواجهة لدفاع واستحكامات العدو واحكام الرماية عليه بالاسلحة النارية والمدافع وقت الهجوم بقصد تثبيت قوات الحكومة كلها في المواجهة وانشغالها بالكامل عن هدفها الحقيقي.
علي ان يكون القسم الثاني هو القسم الرئيسي ويتكون في أغلبيته من حملة الاسلحة البيضاء مع عدد من الاسلحة النارية ويقوده عبد الرحمن النجومي بنفسه وواجبه هو اقتحام الثغرة على شاطئ النيل الأبيض ومهاجمة قوات الحكومة في الاستحكامات من الخلف بعد أن يتم تشتيتهم بواسطة القسم الأول. وبعد اكتساح قوات الدفاع في نقاط الاستحكام تتم مطاردة الفلول في داخل المدينة وتمشيطها واقتحام سرايا غوردون لمنعه من الهروب بالبواخر الراسية على ضفاف النيل.
ساعة الصفر :
نفذ النجومي الخطة التي رسمها للهجوم علي الخرطوم في منتصف ليلتي 25 و26 يناير 1885 م، حيث قام بتوزيع قوات القسم الأول بسرية و هدوء ، حتى أن المدافعين عن الاستحكامات لم يشعروا بذلك. واتخذت القوات مواقع لها على مسافة تقلّ عن « 300 » متر من خط الدفاع على طول ضفة النيل الأبيض وحتى النيل الأزرق في الوقت الذي كان يتم فيه تجميع اكثر من « 15 » ألف مقاتل تجاه الثغرة الضيقة على شاطئ النيل الأبيض.
قبيل الفجر مباشرة فتح القسم الأول نيران مدافعه و اسلحته على طول استحكامات العدو وبدأ المدافعون في الرد عليهم بكل امكانياتهم ، ثم اندفع المهاجمون من القسم الثاني وعلى رأسهم عبد الرحمن النجومي مقتحمين الثغرة وتمكنوا من إبادة القوات القليلة التي كانت تحميها بينما ولت الباخرتان النيليتان اللتان كانتا في حماية الثغرة بالفرار إلى عرض النهر فتدفقت موجة المهاجمين واكتسحت قوات غوردون المرابطة في استحكاماتها من الخلف.
وفي أقل من ساعة واحدة أبيدت قوات المستعمر التي كانت منتشرة بين النيل الأبيض وحتى بداية بوابة المسلمية ، وبوابة منطقة كوبري الحرية الحالي بجنوب الخرطوم، وتمكنت قوات النجومي من فتح هاتين البوابتين مما أتاح لقوات القسم الأول من المشاركة بشكل مباشر في المعركة.
و بإنهيار مقاومة القوات التركية المصرية اندفعت قوات النجومي نحو المدينة لتطهيرها وتم في ساعات قلائل أسر كل من بقي حياً من الجنود وانتهت المعركة في ضحى ذلك اليوم بوقوع خسائر قليلة على جانب قوات النجومي.
مقتل غوردون :
بدأ انصار المهدي يعبرون النيل الأبيض للحاق بجيش عبد الرحمن النجومي الذي كان يحاصر الخرطوم من جهة الجنوب ، واثناء هجوم القسم الثاني اندفعت قوة صغيرة من قوات النجومي متفرقة في شوارع المدينة بسرعة شديدة قاصدة سرايا الحكمدار لإعتقال غوردون باشا الذي سقط صريعاً اثناء المقاومة هو وحرسه الخاص في ظروف غير واضحة .