الأحد، 14 ديسمبر 2014

الجنائية الدولية .. الوقوف وراء مظاهر العدالة

لم ينظر خبراء القانون ومحللين سياسيين غربيين بعين الرضاء إلى أداء المحكمة الجنائية الدولية . فقد كتب ديفيد كاي، خبير في القانون الدولي، حكماً قاسياً بحقه في مجلة Foreign Affaires. حمل مقاله عنواناً معبراً: «مَن يخشى المحكمة الجنائية الدولية؟». تناول كاي أخطاء المدعي السابق مورينو أوكامبو، بما فيها «أسلوبه في الإدارة واتخاذ القرارات، الذي أدى إلى تهميش أعوانه ومسئولي المحكمة على حد سواء»، «صراعات تافهة حول الصلاحيات والموارد»، «اتخاذ قرارات عشوائية»، «سلوك متسرع»، و{تُهم بتسييس بعض القضايا». يتابع كاي موضحاً أن إخفاقات مورينو أوكامبو القضائية المتكررة شككت في مدى فاعلية منصبه. وللأسف يبدو أن فاتو لم تتعلم من أخطاء سلفها أوكامبو.
وكتب صحفي سنغالي مقيم بالعاصمة الفرنسية باريس بمجلة (جون أفريكا) مقالاً تحليلياً مطولاً حاول من خلاله البحث في ثنايا القرار الذي حيد – عن محكمة الجنايات الدولية باهدار تهمة ابادة جماعية جديدة تضمنتها مذكرة توقيف جديدة – هي الثانية – بحق الرئيس البشير بعد المذكرة الأولى الصادرة في مارس من 2009.ويشير الصحفي الذي يُدعي (ينخ يريمسيك) الى أن خطوة المحكمة تعتبر خطوة سياسية واضحة، فهي لجأت لاصدار تهمة إبادة جماعية أملاً في توسيع دائرة الدول المؤيدة لها ويدلل الصحفي على ذلك بقوله أن الولايات المتحدة وفي موقف متناقض غريب ظلت تطالب السودان بالتعاون مع المحكمة على الرغم من أنها هي نفسها ليست مؤيدة لها ولا منضمة لميثاقها! ويضيف، ان أوكامبو مدعي المحكمة وان كسب الجولة، باستصداره لقرار تهمة الإبادة الجماعية – فهو لن يستطيع كسب المعركة، خاصة وأن الخطوة قوبلت باعتراضات حادة من دول الاتحاد الافريقي، وجامعة الدول العربية وقد رفضت الجامعة العربية القرار واعتبرته انتهاكاً صارخاً لحصانة الرؤساء المنصوص عليها في معاهدة (فيينا) سنـ1961ـة. ويشير (يريمسيك) الى أن الرئيس البشير ورغم مذكرة التوقيف استطاع زيارة عدد من الدول مثل مصر والسعودية والجماهيرية وقطر وأريتريا وزيمبابوي واثيوبيا. ويمضي المقال التحليلي ليخلص الى أن اصرار المحكمة على موقفها من شأنه مفاقمة الأوضاع في دارفور وتعصُّب المجموعات المتمردة حيث يعتقد المتمردون أنه اذا كان البشير متهماً فليس من المناسب التفاوض معه وهو ذات ما نشرته صحيفة أمريكية في 12/2/2009 والتقطه قادة التمرد الدارفوري وجعلوه موقفاً لهم. وهكذا فإن المقال ينتهي الى أن المحكمة ومن حيث تزيد من سوء الأوضاع في دارفور وتعمل على تعقيد الأزمة فيها فهي بالمقابل لا تستطيع زعزعة استقرار رئاسة البشير ويستشهد المقال بدراسة أجراها معهد دراسات بسويسرا خلصت الى أن المحكمة أسهمت في تعويق قيام نظام ديمقراطي في السودان حيث يسيطر حزب الرئيس البشير على السلطة بدعم من قطاعات الشعب المختلفة لأنه أصبح رمزاً للسيادة.هذا المقال التحليلي الوارد في صحيفة واسعة الانتشار وتحظى بانتشار في غرب أفريقيا وأوروبا من كاتب ومحلل عريق تجاوز عمره الخمسين عاماً ولديه شهادات رفيعة من جامعات فرنسية جدير بالاحترام كونه أعطى صورة واقعية بشأن قرارات الجنايات الدولية الأمر الذي يمكن اعتباره بمثابة (نتيجة عكسية) حققتها محكمة الجنايات التي بدأت تفقد التأييد الدولي وتتلاشى في الأفق العريض.
مؤخرا هاجم المفكر الفرنسي تييري ميسان المحكمة الجنائية الدولية بعد ان رفضت الأمم المتحدة اقتراح لوران فابيوس إحاطة المحكمة الجنائية الدولية بالجرائم التي ارتكبت في سوريا ، وقال ميسان في الواقع ان المحكمة الجنائية الدولية تقف وراء مظاهر العدالة كأداة بيد الامبريالية الغربية. إجراءاتها بمنتهى النذالة, وهي لاتتردد في ابتكار جرائم وهمية لإدانة المتهمين, كما تشارك في عمليات التضليل التي يمارسها حلف ناتو. نعم, نحن نريد العدالة. نريدها أن تبدأ بمقاضاة السيد فابيوس على جرائمه في سوريا.
ويضيف : لذا, فهي منذ انشائها عام 2002, وعلى الرغم من تمتعها بصلاحيات دولية, إلا أنها لم تصدر من أصل عشرين قضية تولتها سوى ثمانية أحكام إدانة بحق مسئولين كلهم من أصول أفريقية, ومعارضين للغرب.لهذا السبب, قررت قمة الاتحاد الأفريقي التي انعقدت في شهر -أكتوبر 2013 عدم الالتزام بتعهداتها إزاء المحكمة الدولية, حين يتعلق الأمر بملاحقة رؤساء دول على رأس عملهم.
واستشهد ميسان على بؤس المحكمة الجنائية بالحالة الليبية فيقول :(بناء على طلب من مجلس الأمن, قرر المدعي العام للمحكمة ملاحقة كل من معمر القذافي, وابنه سيف الإسلام, و شقيق زوجته عبد الله السنوسي, بتهمة قيامهم بذبح عشرات الآلاف من خصومهم. ونظرا لتمتع المحكمة بإمكانات هائلة, فقد صرح المدعي العام آنذاك بأنه يملك الأدلة على ادعائه.في الواقع, كانت أدلة المدعي العام تستند في مجملها إلى ماتنشره الصحافة الغربية من تقارير صحفية.مع ذلك, كان بوسع أي شخص حسن النية يعيش في ليبيا آنذاك أن يؤكد أن هذه الجرائم لم توجد أبدا.ويضيق ميسان :(باعتقادي أن المدعي العام قد اخترع هذه القصة لكي يحطم معنويات الشعب الليبي ويساعد قوات الأطلسي على متابعة غزوها لباقي أنحاء البلاد.بالمحصلة, لم يتم توقيف سيف الإسلام إلا بعد ثلاثة شهور, في 19 نوفمبر.بالتأكيد, كان معمر القذافي يلجأ طيلة اثنتي وأربعين سنة من السلطة إلى الاغتيال السياسي لمعارضيه, الإمام موسى الصدر على سبيل المثال, لكنه لم يرتكب قطعا أيا من الجرائم التي سعت المحكمة الجنائية الدولية إلى مقاضاته بشأنها. كانت هذه الجرائم اختراعا صافيا من البروباغندا الغربية من أجل تبرير غزو ليبيا.بوسع أي شخص أن يستنتج الآن وبعد عامين من إعدام القذافي على يد الغرب, أن أحدا لم يعد يأتي على ذكر هذه الجرائم الخيالية.

القرار 1593 .. مطالب لإعادة النظر

قالت المدعية في المحكمة الجنائية الدولية الجمعة إنها حفظت تحقيقا في جرائم حرب في دارفور لعدم تحرك مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للضغط من أجل اعتقال المتهمين للمثول أمام المحكمة. هكذا زعمت مدعية الجنائية لكن الواقع يقول إن قرار المحكمة الجنائية الدولية وقف تحقيقاتها حول الجرائم المرتكبة بدارفور دليل على فشلها، و"استسلاما" من المحكمة لإرادة الشعب.فاتهامات المحكمة كانت محاولة للتركيع والذل، لكن الآن رفعت يديها واستسلمت".و"فشل المحكمة ليس لأن الحكومة رفضت التعاون معها، بل لأن الشعب السوداني هو من رفض ذلك"، فالمحكمة "مسيسة وأداة استعمارية موجهة ضد الأفارقة". ومما يستفاد من قرار فاتو بحفظ ملف دارفور والبشير هو إنّ الدول التى لم توقع بعد على ميثاق المحكمة وخاصة الدول العربية والأفريقية وبعض دول أمريكا الجنوبية سوف تنظر للمحكمة كمصرد خطر على أمنها السياسي و الإقتصادى فلذلك لن تقدم على خطوة الإنضمام فى المستقبل القريب أو البعيد. وعليه يمكن أن نتنبأ بعدم زيادة أعضاء المحكمة فى المستقبل وبالتالى ستظل هذه المحكمة كجسم غريب فى النظام العالمى حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.كما إنّ الدول التى وقّعت على ميثاق المحكمة لها إلتزامات وتحالفات إمّا إقليمية أو إثنية أو عقائدية تضغط عليها وتسير بها فى إتجاه معاكس لاتجاه المحكمة. ونضرب لذلك مثلا بدولة الأردن وهى واحدة من ثلاث دول عربية أعضاء فى هذه المحكمة، ولقد صوتت الأردن ضد القرار فى إجتماع مجلس الوزراء العرب الذى إنعقد بعد صدوره. وستصوت ضد القرار مرة ثانية إذا إجتمعت منظمة الدول الإسلامية وأدانت القرار. ومثل هذه المواقف ستخلق إشكالية إلتزام بين المحكمة والأردن كعضو فيها!! وبالطبع لا أحد يتوقع أو يتصور أن تقوم الأردن أو الصومال أو جيبوتى بتسليم الرئيس البشير لأنّهن أعضاء فى جامعة الدول العربية وميثاق الجامعة لا يسمح بذلك. ولهذا فإنّ القرار سيحرج الدول الأعضاء فى المحكمة نفسها، ونفس الذى قيل عن الأردن يقال عن الدول الأفريقية الموقعة لإتفاق روما وفى نفس الوقت تحتفظ بعضوية فى الإتحاد الأفريقى. ولعل ردود الفعل التى جاءت من أمريكا الجنوبية بقيادة فنزويلا تدل على أنّ المحكمة لن يكتب لها البقاء طويلا.
و لن يقوم مجلس الأمن فى المستقبل بتحويل ملف أى دولة لم توقع على إتفاقية روما إلى هذه المحكمة، ولقد كان تحويل ملف السودان فلتة لن تتكرر. والشاهد على ذلك هو الخلاف الذى حدث فى مجلس الأمن بالأمس بقيادة الصين وروسيا على الإقتراح الفرنسى لإصدار بيان يدين السودان بسبب طرده لبعض منظمات الإغاثة الدولية، كما أنّ خوف الولايات المتحدة على قادة إسرائيل سيقفل باب مجلس الأمن أمام هذه التحويلات. وبالتالى ستفقد المحكمة القدرة على التدخل فى شئون البلاد غير الموقعة لأنّ مجلس الأمن لن يحيل إليها ملفات تلك الدول. وهكذا ستنحصر فاعلية المحكمة فى الدول الأعضاء فقط وستفقد هيبتها الدولية بمرور الزمن وستموت موتا تدريجيا. و كشفت المحكمة عن حقيقة هامة وهى أنّ المحكمة لا تمتلك آليات لتنفيذ قراراتها.
عموما فالمجتمع الدولي ومجلس الأمن مطالب لإعادة النظر في القرار 1593 الخاص بإحالة السودان للمحكمة الجنائية الدولية، والاعتراف بالمجهودات الكبيرة التي تبذلتها وبالتقدم الكبير المحرز على الأرض في دارفور بعد إبرام اتفاقية الدوحة.فإعادة النظر في قرار الإحالة مطلوب لدعم لمجهودات السلام والتنمية التي بدأت تؤتي ثمارها في دارفور.والشواهد أكدت صحة موقف السودان القانوني السليم من حيث عدم انعقاد أي اختصاص للمحكمة الجنائية الدولية على السودان بحسبانه ليس طرفاً في نظامها الأساسي، كما أن قرار مجلس الأمن رقم 1593 الخاص بإحالة السودان للمحكمة الجنائية يناقض بوضوح أحكام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969م.وقرار المدعي بالمحكمة الجنائية الدولية بالقبض على رئيس دولة، وهو على سدة الحكم ينافي ويجافي القواعد المستقرة في القانون الدولي، وسوابق محكمة العدل الدولية المتعلقة بحصانة رؤساء الدول".والسودان سيظل ملتزماً بمواصلة المساعي مع شركاء السلام والتنمية لتحقيق واستدامة الاستقرار والسلام والتنمية في دارفور وكافة ربوع السودان عبر الحوار الوطني الجاد والبناء مع القوى السياسية كافة بالبلاد.

إعلان الحرب على الوطن.. نداء السودان نموذجاً!!

واحدة من أكبر معضلات الممارسة السياسية في الراهن السياسي السوداني علاوة على افتقار اللعب السياسي للمهارة والقدرة على تمرير الكرة بعيداً عن حالات التسلل والمراوغة بذكاء بصرف النظر عن الوصول للمرمى من عدمه، استخدام أسلوب اللعب على الأجسام والركل ومحاولة إفساد الملعب بشتى السُبل. فعلى سبيل المثال فإن اعتقاد بعض القوى السياسية أن من قواعد اللعب الاستعانة بحملة السلاح واستخدامهم في المناورة والمزايدة السياسية هو داء عضال في الممارسة السياسية السودانية يوشك أن يحيلها من ممارسة سياسية إلى ميدان ضرب نار بالذخيرة الحية! والغريب في هذا الصدد أن التحالف مع القوى المسلحة – عبر التاريخ – أثبت بما لا يدع أدنى مجال للشك أنه عديم الجدوى، بل ربما كانت له خسائره الفادحة التي يصعب تعويضها ففي تجربة التجمع الوطني المعروفة في تسعينات القرن الماضي، فإن الحركة الشعبية التي كانت حينها تقاتل الحكومة السودانية بشراسة لم تهتم كثيراً حين دخلت في مفاوضات مباشرة مع الحكومة بحلفائها في التجمع. بل لم تلجأ حتى لاستشارتهم أو تنويرهم بمجريات التفاوض، وحرصت على إبرام اتفاقها مع الحكومة لوحدها ودون أدنى شريك رغم كونها ملتزمة سياسياً وقانونياً بميثاق التجمع!! ليس ذلك فحسب ولكن الحركة الشعبية – بمسلكها هذا في ذلكم الحين – أضعفت التجمع وجعلت منه أضحوكة وهي قصة معروفة لا تحتاج منا إلى كثير تفصيل. حامل السلاح دائماً يعطي لنفسه (ميزة خاصة) سواء بحكم احتماله لضريبة النار المباشرة والتي يسددها من حر دمه، أو بحكم كونه الأحق – بحسب اعتقاده- بنيل الجائزة الكبرى كاملة! وليس سراً في هذا الصدد أن حملة السلاح غالباً ما يعوزهم السند السياسي الجماهيري ولهذا فإن الفرحة لا تسعهم حين يجدون (غطاءً سياسياً) من أحزاب سياسية عريقة وذات وزن وقوى مختلفة يميناً ويساراً ووسطاً مهما كان وزنها ضئيلاً فالعبرة عندهم فقط بالأسماء والصفات السياسية لا الكم ولا الكيف!! القوى المسلحة كذلك غالباً ما تتعمد إحراج حلفائها عند مهاجمتها للمناطق المختلفة فإما يضطر هؤلاء الحلفاء إلى إدانتها وفي هذه الحالة يضعف وجود هذه القوى في التحالف، وإما أن تضطر للصمت وفي هذه الحالة يتناقص رصيدها الجماهيري وتضطر لدفع ثمن باهظ. والمقصد الرئيس للقوى المسلحة – في حالة قيامها بمثل هذه الهجمات – كما رأينا مراراً وتكراراً هو الحط من شأن هذه القوى السياسية على نطاق البلاد وتدمير سمعتها السياسية وتفتيتها حتى يسهل القضاء عليها لاحقاً حين تدين الأمور لحملة السلاح.
إن تجربة (نداء السودان) التي خاضتها القوى السياسية الموقعة على الميثاق في ديسمبر الجاري بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا تجربة مضحكة ومبكية في ذات الوقت لأنها (تجربة مجربة) إذا جاز التعبير، فقد نجحت ذات القوى المسلحة التي كانت في الحركة الشعبية الأم في تكرار ذات التجربة مع أحزاب التجمع الرئيسية (الأمة القومي، الشيوعي) مضافاً لها هذه المرة المؤتمر السوداني وبعض القوى الصغيرة التي بالكاد تُرى بالمجهر!!. بقايا الحركة الشعبية المتمثلة في قطاع الشمال نجحوا (بذكاء ومكر) في إعادة إنتاج التجمع الوطني بتعبئة جديدة في (لفافة جديدة) بتاريخ صلاحية جديد! إذ أن ما يُسمى بالجهة الثورية هي في الواقع (إعادة تركيب) للحركة الشعبية مع إضافة حركات دارفور المسلحة وفي ذهن قادة القطاع الاستفادة من هذا الزخم في طاولة المفاوضات في أديس أبابا!! وبهذا فإن الأمر ليس بجديد ولكن الجديد حقاً هو أن تقبل هذه القوى السياسية لأن تصبح غطاءً سياسياً لهذه القوى المسلحة في ظل ظروف ومعطيات طرحت فيها السلطة الحاكمة مائدة للحوار الوطني، مهما قيل عنها ومهما كانت المآخذ عليها هي دون شك أفضل (مئات المرات) من التحالف مع حملة السلاح.
إن أقل توصيف يمكن أن يوصف به ميثاق نداء السودان هذا هو أنه نداء للحرب ومحاولة بالغة الغباء من هذه القوى لتكرار ذات الخطأ التاريخي الفادح!!

"تابت" القرية التي نزعت قُبعة اليوناميد!!

لم يعد من أدنى شك أن بعثة حفظ السلام المشتركة في إقليم دارفور المعروفة اختصاراً "باليوناميد" قد أزفت ساعة رحيلها نهائياً وإلى الأبد من الإقليم ما يقارب الثمانية أعوام مضت من عمر هذه القوة الأغرب في تاريخ قوات حفظ السلام في العالم وكان الحصاد هشيماً! ما يجاوز الـ(9) مليار دولار التهمتها هذه البعثة دون أن تحقق استقراراً أو تنجز مهمة أو حتى تحافظ على هيبة ومصداقية المنظمة الدولية. الحكومة السودانية حينما ارتضت وصول هذه البعثة المشتركة إلى دارفور كانت لديها حساباتها وتقديراتها ونظرتها من كافة الجوانب وحرصت غاية الحرص – طوال هذه المدة الشديدة الثقل على سيادتها الوطنية- على أن تقدم القدر اللازم من التعاون مع هذه البعثة، وأن تحتفظ قدر الإمكان بمسافة معقولة بينها وبين البعثة تكفل الاحترام المطلوب. وفي سبيل هذا الهدف تعاملت الحكومة السودانية – كما يشير بذلك وكيل الخارجية السودانية السفير عبد الله الأزرق – بدبلوماسية فائقة مع أخطاء بل وجرائم البعثة المشتركة التي ارتكبت من قبل منسوبيها في أوقات عديدة ومتفرقة في الإقليم ربما اعتقاداً من البعثة وجنودها أن السودان لن يكن مدركاً لهذه الأخطاء والجرائم أو أنه مشغول بأمور أخرى! الآن بلغت البعثة المشتركة أرذل عمرها في الفشل والإخفاق والانحراف عن المهمة الرئيسية على الرغم من أن ما طرأ من تحسُن ملحوظ في الأوضاع على امتداد إقليم جاء كأمر طبيعي وفقاً للتدابير التي ظلت تتخذها الحكومة السودانية بالإضافة إلى أن الأوضاع – من الأساس – لم تكن بالقدر الذي يستلزم أيفاد بعثة حفظ سلام، ولكن تلك كانت مشيئة المجتمع الدولي ولم يشأ السودان أن يقف ضدها.بلوغ البعثة لذروة عجزها وفشلها مضافاً إليه إنقلابها على طبيعة تفويضها ونطاق مهمتها – حادثة تابت على سبيل المثال – قادها كأمر حتمي ومتوقع لكي تفقد ثقة الأهالي والمدنيين الذين جاءت لحمايتهم.
من الطبيعي أنك إذا كانت غير قادر على اكتساب ثقة من تزعم أنك تريد توفير حماية لهم فإنك حينها تصبح ليس فقط عديماً للنفع وإنما عنصراً إضافياً لزعزعة الأمن والاستقرار من الواجب التخلص منه. إن حادثة تابت التي ما تزال تداعياتها تملأ الآفاق أوجدت شعوراً بعدم الثقة في قوات اليوناميد في كافة مناطق دارفور لأن الافتراض أن بعثة حفظ السلام لديها إدراك ووعي بطبيعة الأمور في الإقليم، وأن مزاعم اغتصاب النساء (بالمئات) يشين سمعة أهل الإقليم ويمس صميم شرفهم الإنساني المستند إلى تعاليم الدين الإسلامي المعروفة في إقليم دارفور. قوات اليوناميد ثبت أنها لم تعد مؤهلة للقيام بمهمتها البائسة في الإقليم ولهذا فإن السودان حين تقدم بطلب يلتمس فيه أن تضع البعثة إستراتيجية الخروج – استناداً إلى قرار دخولها إلى الإقليم – لم يكن يفعل سوى أنه يمارس حقه القانوني في هذا الصدد بعد ثبوت استقرار الأوضاع من جهة كما أنه بدأ يستشعر انحراف البعثة عن نطاق تفويضها وجنوحها نحو إفساد الأوضاع في الإقليم من جهة أخرى.
وكما أشار أيضاً السفير الأزرق – بحق – فإن طلب السودان خروج البعثة من صميم حقوقه ولا يملك المجتمع الدولي إجباره على عكس ذلك، كما أن باستطاعة السودان – وفقاً لتجارب خاضتها دول عديدة – أن يعتمد أسلوب عرقلة مهام هذه البعثة في حالة تعنت المجتمع الدولي في إخراجها، وعلى العموم فإن تجربة اليوناميد برمتها تظل نموذجاً للطريقة التي يدير بها المجتمع الدولي قضايا الأمم والشعوب دون مراعاة لتقاليدها وعاداتها ودون الاهتمام بالأهداف الحقيقية الرامية لترسيخ الأمن والاستقرار وتوطيد السلام وفوق ذلك إهدار المال الدولي فيما لا جدوى منه ولا نفع ولا عائد يمكن أن يعود منه!!

طرفة الخلاف في ترسيم الحدود

إذا كان الخلاف حول ترسيم الحدود في نقطة البداية أى من أين يبدأ؟! من الشرق أم من الغرب. ولكن اذا كان الخبر لم يوضح من أين أرادت الحركة الشعبية ومن أين أراد أن يكون الترسيم  الحكومة السودانية، فما يبدو هو أن الأولى تريده أن يكون من الشرق للاستفادة من ذيول قوات الجيش الشعبي هناك. واذا كانت جوبا الآن تناقش مع الخرطوم موضوع ترسيم الحدود بمعزل عن قطاع الشمال فهذا فقط يبقى في الظاهر. ولا ننسى أن قطاع الشمال الذي ما انفكت تموله جوبا ضد البلاد باعتبار إنه مازال يحمل اسم الحركة التي تحكم هناك، لا ننسى أنه يريد وضعاً خاصاً جداً للمنطقتين كما حدث مع الجنوب في مفاوضات نيفاشا، وهذا يجعل جوبا تشعر بأن الخرطوم تناقش في أمر حدود جزء كبير منها سيكون لاحقاً خارج سيادتها المباشرة إذا أذعنت لمطالب وفد الحركة الشعبية قطاع الشمال. إذن بماذا تتضرر جوبا إذا بدأ ترسيم الحدود من هناك، ومماذا تتخوف الخرطوم إذا بدأت من الجهة الأخرى؟! ونتابع لنواصل لاحقاً، فكونوا على موعد بذلك.
إلغاء الشريعة في العاصمة!!
قطاع الشمال الذي يريد أن يعود إلى العاصمة الخرطوم بعد ان يتمتع بالتنازلات الحكومية التي يحلم بها حلماً ويجد فيها البارات مفتوحة كما الحال في العواصم التي يزورها لدعم التآمر الأجنبي على البلاد، ماذا يقصد بالعاصمة؟! هل يقصد كل ولاية الخرطوم ذات القبائل الخمس المسلمة التي ما قبلت حكومة البشير ورضيت بها الا لأنها استأنفت تطبيق شرع الله، أم فقط محيط مقرن النيلين حيث الفنادق والعمارات السوامق «والأسامي الأجنبية»؟! ليته حدد حتى نستطيع أن نعلق. ثم إن مركز العاصمة يضم حي المقرن «الغربي والشرقي، وتوتي وخرطوم غرب وشرق».. هل  هذه الأحياء يسكنها غير مسلمين في ظن عرمان؟! يبدو كذلك. الرجل يظن أن مدينة الخرطوم منطقة غير سكانية. وأنها تصلح أن تكون من غير تطبيق شريعة كسائر مناطق البلاد. لكن الفكرة مفهومة ومفضوحة جداً، فهو لا يريد تطبيق شرع الله في كل العالم حتي في مكة المكرمة دعك من السودان، لكنه يستعين بنظرية المراحل. وما لا يريده الشعب السوداني هو «عرمان» وحركته التي لا تعرف ماذا تريد وإلى أين ستمضي المرحلة القادمة باعتبارها واحدة من أدوات التآمر الأجنبي. إذن المرفوض «عرمان» وليس الشريعة لدى الأغلبية في السودان طبعاً. والسودان ها هو يتلقى الدعم بالعملة الصعبة من الخارج. فحتى واشنطن سيدة عرمان وحركته وولية نعمتهما لم تشترط إلغاء الشريعة الإسلامية المطبقة منذ ربع قرن من الزمان. وعرمان لا مبدأ له، فقد هرب إلى التمرد في وقت ليست الشريعة فيه مطبقة، وعاد وهي مطبقة، وسيعود ثانية إذا تحلَّى بالشجاعة وعاد وسيجدها مطبقة. لذلك عليه أن يضع نفسه في موضع يستحق الاحترام وينأى بنفسه من معارك هو مهزوم فيها حتماً.

عرمان.. إما الحوار وإما وجبة الحنظل..!!

الناجون من الطائرة التي احترقت قبل سنوات مضت وهي تحمل (15) من كبار ضباط الجيش، بينهم الشهيد إبراهيم شمس الدين، حكوا عن (شجاعة) شمس الدين الذي (رفض) التحرك من مقعده لينجو من الموت وفضل أن يكون أخر من يخرج من الطائرة وبقي علي مقعده حتي احترق تماماً بلا أنين أو تململ ومن كانوا معه من بقية الضباط صبروا علي لحظات الموت (القاسية) فأخجلوا الصبر بشجاعتهم (النادرة).
عمليات القتال في الجنوب ضد حركة قرنق تمثل (مرجعاً ضخماً) في البطولات التي سجلها جيش السودان في ظل ظروف طبيعية ومادية في غاية القسوة.. والضابط الكبير الطيب المصباح أحرز بحنكة القيادة الكثير من (المهارات القتالية) علي مسرح الجنوب ودارفور الشئ الذي سبب الكثير من (الإزعاج) للمتمردين وهي ذات الحرفية والمهارة (العالية) التي حرر بها الضابط كمال عبد المعروف منطقة هجليج من قبضة  الحركة الشعبية.
كل الحركات المسلحة الخارجة علي (الشرعية) تلقنت من جيش السودان (دروساً) عظيمة تعترف بها بعيداً عن الأضواء أما في العلن، فتبقي في تمشدقها ببطولات زائفة.
تقريباً في كل مفاوضات السلام، ظل (هم) الحركات المسلحة هو كيفية اختراق ذلك (الجدار السميك) المسمي بجيش السودان... والهدف البعيد هو أن (يتضعضع) الجدار باعتباره (أكبر مصد) لمؤامرات النيل من سيادة السودان.. لكن كل  المحاولات باءت بالفشل وبقي جيش السودان كما هو (يرفل) في تاريخه المجيد   الراسخ ويحمي سيادة وأمن وخيارات الوطن وشعبه..!!
الآن من جديد تخرج علينا هذه (الرغبة الحرام) وعلي لسان عرمان ذلك الإنسان (الضائع) في أحراش (الشيطان).
عرمان يريد السودان بلا جيش يلد أمثال العميد الشهيد عبد الجليل والعملاق الشهيد عبد المنعم الطاهر وثلة الأبرار الآخرين..
عرمان يتحدث عن حل الجيش تحت مسمي (القومية) التي هي في واقع الأمر تعني في (خيال) عرمان صناعة جيش من (جزر معزولة) عن بعضها البعض، لا تخضع لأي (مرجعية) غير العصبيات والعنصريات وهذا إن حدث لا سمح الله، سيتحول السودان إلي (كتلة) من (اللهب) تحاول كل كتلة التهام الأخرى.
كتل اللهب سوف تبتلع البلد وشعبه وهذا هو السلام الذي ترجوه الجبهة الثورية.
حلم بعيد المنال لن يناله هؤلاء فجيش السودان لن يتنازل من (تأريخه العريق) لصالح حفنة من المغامرات.
الانضمام لجيش السودان يتم عبر إجراءات متعارف عليها ومن يتأهل لذلك يستحق الالتحاق به.
قلنا ونقول إن جيش السودان وأجهزته الأمنية يمثلان (المتراس القوي) الذي سيبقي ما بقي السودان ولا تنازل عن هذا (المجد) إلا علي جثث أبناء البلد بطوله وعرضه.
كل من يحمل السلاح ضد الشرعية لا خيار أمامه غير وضع البندقية (أرضاً) والتقدم للحوار بلا شروط فالوطن يسع الجميع ويحتاج لكل أبناء وطنه.. ومن يري غير ذلك فعليه أن يمضغ حنظل الخيبة..!!

الجنائية منعطف خطير

الحديث وخاصة من قمة الدبلوماسية السودانية عن طرد اليونوميد من السودان ليس موقفاً والأفق منه الحديث عن تعاون السودان مع المجتمع الدولي وجهده حتي نهاية مهمتها.
اليوم اتخذت المدعية لمحكمة الجنائيات الدولية قراراً خطيراً بتجميد قضية دارفور بسبب تقاعس مجلس الأمن الدولي عن دعمها حسب قولها وذكرت أنها حولت المخصصات لقضايا أخري أكثر إلحاحاً.
هذا يعني أن علي مجلس الأمن الدولي أن يتحمل المسؤولية في إنفاذ قراره ويؤكد الحرص علي ملاحقة المتهمين وجلبهم للمحكمة طلبت المدعية أن يتحقق لها ما تبتغي قبل منتصف مارس.
هذا تصعيد خطير هل سيكون مناسباً معه لسير وبذات النهج في قضية بعثة اليونيميد.
مجلس الأمن وبموجب خطوة المدعية سيسر في خطي أعنف وأقوي هذا ما يجد  السودان ويعمل مع الأصدقاء والحلفاء الذين يملكون قوة راجحة في المجلس.
هذا قرار يحتاج لجهد وخطوات قوية.. علينا أن لا نستهين ولا نصور الأمر علي أنه انتصار وخطوة إيجابية.
قم أنه يجب أن ينتهي الازدواج والخلط في التعامل مع الجنائية وإسكات الأصوات غير المختصة والتدخلات غير المعنية والمتاجرة بها.
الجنائية ليست قضية داخلية تجير لها المواكب والحشود هي عمل قانوني ودولي مهم ومؤثر علي البلاد وصورتها وقوتها ومستقبلها.
كثير من المسرحيات والمواقف الأخيرة برزت للتمهيد لهذا الموقف بما يؤكد أن الخطوة مدروسة ولها تبعات وتوقيتها يتم عن ربط بموقف السودان من البعثة الأممية والانتخابات القادمة والحوار الوطني وعمليات حسم التمرد.
نحتاج لعمل كبير ربما يكون منه حوار وطني قوي وجاد ينتج شراكة مع قوي سياسية معارضة معتبرة وذات وزن يتبعه إقامة وتنظيم انتخابات بمشاركة واسعة تخطي بقبول دولي مشهود.
ثم أن الإجراءات التي تمت في دارفور تحتاج لتكون مقنعة للخارج بمحاكمات قوية يسمح لها أن تكون متابعة من الداخل والخارج.
وإذا أمكن أن ينهي التمرد بأسرع فرصة يسابق بها الزمن القليل المتاح.
هنالك أخطاء نتج عنها ضعف السند في مجلس الأمن القوت لا يتيح مزيداً منها.